الجمعة, 30 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان المؤيد شيخ… من ظلمات السجن إلى نور المآذن

السلطان المؤيد شيخ… من ظلمات السجن إلى نور المآذن
عدد : 03-2026
بقلم المهندس : فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار


"في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل من محرابه قبلة علمٍ وعبادة… لنقرأ أثره بعين الباحث، ونستشعر نوره بقلب



عند أول شارع الغورية، امتداد شارع المعز لدين الله الفاطمي، وبجوار بوابة القاهرة الجنوبية العريقة باب زويلة. يقف مسجد السلطان المؤيد شيخ شامخًا… كأنه صفحة من كتاب التاريخ مفتوحة على السماء.


من هو السلطان المؤيد شيخ؟

هو السلطان المؤيد شيخ / أبو النصر سيف الدين شيخ بن عبد الله المحمودي، أحد سلاطين المماليك الجراكسة. جاء إلى القاهرة صبيًا في الثانية عشرة، فكان جميل الصورة، ذكي الطبع، سريع الفهم. عيّنه السلطان / فرج بن برقوق في الحرس السلطاني، ثم تولى إمارة الحج، وأُرسل إلى الشام لإخماد تمرد، فعاد منتصرًا.لكن تقلبات السياسة ألقت به في سجن "خزانة شمائل" — أحد أقسى سجون القاهرة آنذاك — حين أطاح الأمير منطاش ببرقوق.

وفي ظلمات السجن، نذر المؤيد شيخ:

إن كتب الله لي النجاة، لأجعلنّ هذا الموضع مسجدًا يُذكر فيه اسمه تعالى.
ووفى الله بوعده… فوفى هو بنذره.

المسجد… عمارة النذر والوفاء

بدأ بناء المسجد سنة 1415م، واكتمل في رمضان سنة 1421م، ليكون واحدًا من أضخم وأجمل مساجد القاهرة. يقع المسجد في منطقة الدرب الأحمر، وكانت أرضه في الأصل سجن "خزانة شمائل".، وله أربع واجهات تحيط به:

الواجهة الشرقية المطلة على شارع المعز، وهي الرئيسية.
الشمالية الشرقية على شارع الأشرقية.
الشمالية الغربية حيث الميضأة ومساكن الطلبة.
الجنوبية الغربية المطلة على شارع تحت الربع.
أما زاويته الجنوبية فتتداخل مع البرج الغربي لباب زويلة.

باب يروي حكاية:

باب المسجد تحفة فنية بحد ذاته. فهو في الأصل باب مدرسة السلطان السلطان حسن، اشتراه المؤيد وضمّه إلى مسجده، ليصبح مدخلًا شاهقًا مكسوًا بالرخام، تعلوه مقرنصات بديعة، ويصعد إليه سلم مزدوج يمنح الداخل شعورًا بالهيبة. وما إن تعبر الدركاة، حتى تجد على يسارك سبيل الماء، كأن أول ما يستقبلك هو الطُهر.

عناصر المسجد… جمال يتجلى في التفاصيل:

◾ الصحن والأروقة

يتوسط المسجد صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة. جدرانه مكسوة برخام ملون حتى مستوى المحراب، مطعّم بقطع هندسية دقيقة من الصدف، تعكس براعة الحرفيين.

◾ المحراب

المحراب رخامي بديع، تتناغم ألوانه بين الأبيض والأسود والأحمر، في انسجام هندسي يبعث السكينة في النفس.

◾ المنبر

منبر خشبي كبير مزخرف، وإن فقدت بعض أجزائه، إلا أن ما تبقى منه يشهد على عظمة الصنعة وروعة النقش.


◾ القبة

تقع القبة إلى يسار المدخل، مبنية بالحجر، وأرضيتها من الرخام الملون.يتوسطها عمودان من الرخام الأحمر، تعلوهما تيجان عربية مذهبة، تضفي وقارًا وروحانية خاصة.

◾ المئذنتان… تاج فوق باب زويلة

أعظم ما يميز المسجد مئذنتاه، المشيدتان فوق برجي باب زويلة. كل منهما بثلاثة مستويات محفورة ومزخرفة، ترتفعان كأنهما امتداد للسماء. ولعظمة هذا المشهد، زُيّنت به العملة المصرية فئة 100 جنيه في إصدارات قديمة بين عامي 1921 و1945.

محطات الألم والترميم

تعرض المسجد لاعتداء مدفعي في عهد عمر باشا حين احتمى به بعض الخارجين، فأُصيب بأضرار جسيمة.ثم تعاقبت أعمال الترميم:
- تجديدات في عهد أحمد باشا.
- إصلاحات في عصر الخديوي إسماعيل باشا.
- بواسطة وزارة الأوقاف.
- تدخل لجنة حفظ الآثار العربية.
- صيانة دورية من وزارة السياحة والآثار.-

وأخيرًا مشروع ترميم شامل نفذته مؤسسة الأغاخان الثقافية، أعاد للمسجد بهاءه وأصالته.

المؤيد في رمضان… مشهد لا يُنسى

في رمضان، حين تمتلئ الغورية بالمارة، وتتعانق روائح الكنافة والقطايف مع عبق التاريخ، يرتفع صوت التراويح من فوق باب زويلة، فيتردد بين الحجارة التي شهدت قرونًا من الدعاء.. الأنوار تنعكس على الرخام،. والقبة تلتقط همسات التلاوة،. والمئذنتان كأنهما ذراعان مرفوعتان بالدعاء.هناك…تدرك أن النذر الصادق يبني مساجد، وأن من خرج من ظلمة السجن، قد يخلّد اسمه بنور العبادة.


. الأنوار تنعكس على الرخام،
. والقبة تلتقط همسات التلاوة،
. والمئذنتان كأنهما ذراعان مرفوعتان بالدعاء.

هناك…تدرك أن النذر الصادق يبني مساجد، وأن من خرج من ظلمة السجن، قد يخلّد اسمه بنور العبادة.

كلمة أخيرة:

مسجد السلطان المؤيد شيخ ليس مجرد بناء أثري، بل قصة وفاء بين عبدٍ وربه.
من سجينٍ في خزانة شمائل… إلى سلطانٍ يرفع الأذان من فوق باب زويلة.
وفي رمضان، حين تمتلئ القلوب بالرجاء، تشعر أن هذا المسجد يهمس لكل زائر:
لا تيأس من ضيقٍ تمرّ به…فربما كان وراءه مسجدٌ يُبنى في قلبك.
 
 
الصور :