الجمعة, 30 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

مسجد ومدرسة السلطان حسن .. هيبة الحجر وجلال العقيدة

مسجد ومدرسة السلطان حسن .. هيبة الحجر وجلال العقيدة
عدد : 03-2026
بقلم: فاروق شرف


"في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل من محرابه قبلة علمٍ وعبادة… لنقرأ أثره بعين الباحث، ونستشعر نوره بقلب المؤمن."



في قلب ميدان صلاح الدين، حيث تتعانق القلاع بالمآذن، ويجاور التاريخُ التاريخَ، يقف مسجد ومدرسة وقبة السلطان الناصر حسن كأنه جبلٌ من نورٍ وحجر. ليس مسجدًا فحسب، بل بيانٌ معماريٌّ عن عظمة العصر المملوكي، وتجسيدٌ لفكرة الدولة التي تُخلِّد نفسها بالعلم والعبادة.

زاره ملوك ورؤساء وشخصيات عالمية، ومنهم باراك أوباما، لكن المسجد ظل أكبر من الزيارات، وأسمى من العابرين؛ لأنه بُني ليخاطب السماء قبل أن يخاطب البشر.


المنشئ… والسلطان الذي أراد الخلود

أنشأه السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بين عامي 1356م و1363م، في حقبة المماليك البحرية، بعد أن تقلبت به أمواج السياسة، وعرف العزل والعودة والتمكين.

ولعل هذا البناء الضخم كان محاولة لتثبيت مجدٍ يواجه تقلبات الزمن.

أقامه في موضع كان يُعرف بـ"سوق الخيل"، بعد أن هدم قصرًا قديمًا، ليقيم صرحًا يجمع بين المدرسة والجامع والقبة الضريحية في وحدة معمارية فريدة.

عبقرية التصميم… عمارة التعامد والرهبة :

المبنى مشيد على نظام المدارس ذات الإيوانات الأربعة المتعامدة، يتوسطها صحن مكشوف، وهو تخطيط يرمز إلى احتضان المذاهب الأربعة تحت سقفٍ واحد:

- الشافعية. -الحنفية. -المالكية. - الحنابلة
في رسالة وحدةٍ فقهيةٍ راقية.


تبلغ مساحة المبنى نحو 7906 م²، بطول يقارب 150 مترًا، وعرض 68 مترًا.

أما الواجهة البحرية، بارتفاعها الذي يناهز 38 مترًا، فتبدو كجدار حصين أشبه بأسوار القلاع، حتى قال بعض المؤرخين:
"لو زلزلت القاهرة ما سقط مسجد السلطان حسن."

المدخل الرئيسي تحفة قائمة بذاتها؛ ارتفاع شاهق، مقرنصات متدرجة كأنها شلالٌ حجري، زخارف تمتد صعودًا دون اكتمال، وكأن الفن توقف احترامًا للعظمة.


المآذن… والنشيد الصاعد:

كان مخططًا أربع مآذن، بُنيت ثلاث، وسقطت إحداها في حياة السلطان، فاكتفى باثنتين.
وترتفع إحداهما إلى أكثر من 80 مترًا، فتعد من أعلى مآذن القاهرة في عصرها، في تناسق رأسي مذهل، يجعل البناء كله كأنه سهمٌ يتجه إلى السماء.


الصحن… واتساع الروح:

الصحن المكشوف (34.60 × 32 مترًا) مفروش برخام ملون في تشكيلات هندسية دقيقة، تتوسطه فسقية تعلوها قبة محمولة على أعمدة رشيقة.

وهنا تتجلى فلسفة العمارة الإسلامية:

الماء في الوسط… والسماء فوق الرأس… والعلم يحيط بالمكان.
كل إيوان مدرسة مستقلة، وأعظمها إيوان القبلة، الذي يُعد من أضخم الإيوانات في العمارة الإسلامية قاطبة، بارتفاعه الهائل وعمقه البصري الذي يبعث رهبة لا توصف.


المحراب والمنبر… لغة الرخام والضوء

المحراب مكسو برخام ملون متشابك القطع، في دقة أشبه بالفسيفساء الحجرية، تحيط به كتابات قرآنية تنساب برشاقة.
والمنبر يجمع بين الرخام والنحاس المفرغ، في تزاوج فني يعكس قمة الحرفة المملوكية.


الأرضيات، الوزرات الرخامية التي ترتفع نحو ثمانية أمتار، الكسوات الحجرية… كلها تؤكد أن البناء لم يكن مجرد مكان صلاة، بل معجزة نحتٍ وحسابات إنشائية دقيقة.


القبة… جلال الموت وهيبة الغياب:

القبة مربعة (21 مترًا لكل ضلع)، بارتفاع يبلغ 48 مترًا، في تناسب معماري مهيب.

أُعدت لتكون تربة السلطان، لكن القدر شاء أن يُقتل السلطان ولا يُعرف له قبر، فدفن فيها ولداه.

داخل القبة يقف كرسي المصحف المطعم بالسن والأبنوس، قطعة فنية نادرة تشهد على رقي الصناعات الخشبية في العصر المملوكي.

وهنا يتجلى المعنى الروحاني:

بنى السلطان لنفسه مقامًا خالدًا… لكنه لم يُدفن فيه.
ويبقى الأثر شاهدًا على أن الخلود لله وحده.


جهود الترميم… صون العظمة:

اهتمت لجنة حفظ الآثار العربية في مطلع القرن العشرين بأعمال ترميم واسعة تحت إشراف المعماري ماكس هرتس، فأعادت للمسجد كثيرًا من رونقه.

وفي عام 2012 بدأت وزارة الآثار مشروع صيانة شامل لمعالجة التصدعات، وصيانة القبة والفسقية وكرسي المقرئ، وتحديث الشبكات الكهربائية دون تشويه بصري.

وكل عملية ترميم هنا ليست إصلاحًا لحجر، بل حفاظٌ على ذاكرة أمة.


مسجد يختصر معنى العظمة


مسجد السلطان حسن ليس مجرد مدرسة للمذاهب الأربعة، ولا مجرد تحفة مملوكية؛
إنه ملحمة حجرية، كتبها سلطان مضطرب الحكم، فخرجت مستقرة البنيان.

فيه تشعر أن الجدران أعلى من الصوت، وأن السقف أقرب إلى السماء، وأن الرخام يحمل رهبةً لا تُوصف.
هو مسجدٌ إذا دخلته خفضت صوتك دون أن يُطلب منك ذلك…

لأن الحجر نفسه يعلّمك الهيبة.

حفظ الله مساجدنا، وأدام علينا نور العلم والعبادة، وجعل هذه المنارات شاهدًا على حضارةٍ جمعت بين القوة والجمال… وبين الدنيا والآخرة.

كان لى شرف الاشتراك فى اعمال الترميم والصيانة وخاصة دكة المبلغ الرخامية .

 
 
الصور :