بقلم : فاروق شرف
الفصل الاول:
--------------
تمهيدي موسّع عن الجلود
(مدخل علمي – فني – ديني – حضاري).
*********************
أولًا: المقدمة شاملة عن الجلود:
1) المدخل العلمي:
يُعد الجلد الطبيعي من أقدم المواد العضوية التي تعامل معها الإنسان عبر تاريخه الطويل، وهو نسيج حيواني يتكوّن أساسًا من ألياف الكولاجين المرتبة في شبكة ثلاثية الأبعاد تمنحه خصائص فيزيائية فريدة تجمع بين:
- القوة الميكانيكية.
- المرونة العالية.
- مقاومة التمزق.
-القابلية للتشكيل والتشطيب.
- قابلية الامتصاص والمعالجة الكيميائية.
وتُظهر الدراسات الميكروسكوبية أن ألياف الكولاجين تتشابك بنظام دقيق يجعل الجلد مادة متينة لكنها قابلة للثني والطي دون كسر، وهي خاصية لم تجتمع في أي مادة طبيعية أخرى بنفس الكفاءة.
ولهذا ظل الجلد مادة استراتيجية في حياة الإنسان منذ عصور الصيد الأولى حتى عصر الصناعات المتقدمة.
2) المدخل الفني والحضاري:
يمثل الجلد خامة فنية رفيعة ارتبطت بالصناعات اليدوية التراثية، وبلغت ذروة جمالها في الحضارات الكبرى مثل:
- الحضارة المصرية القديمة.
- الحضارة الإسلامية.
- الحضارة الأندلسية.
- الحضارة المغربية.
وقد تحوّل الجلد من مجرد وسيلة للحماية إلى وسيط فني للتعبير الجمالي والزخرفي، خاصة في:
- تجليد المصاحف والمخطوطات.
- التحف الجلدية المزخرفة.
- السروج المطرزة.
- الأحذية السلطانية.
الدروع الموشاة.
فصار الجلد صفحة فنية تُنقش عليها الهوية الحضارية للأمم.
3) المدخل الديني والثقافي:
حظي الجلد بمكانة معتبرة في الديانات السماوية الثلاث:
في الإسلام:
"'ورد ذكر الجلود في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾
(سورة النحل – الآية 80)
. وهو دليل صريح على نعمة الجلد واستخدامه في السكن والحماية.
. كما استُخدم الجلد في كتابة المصاحف الأولى، وفي حفظ العلم عبر القرون.
في المسيحية:
. استُخدمت الجلود في تجليد الأناجيل والمخطوطات الكنسية منذ القرن الرابع الميلادي.
في اليهودية:
. استُخدمت الجلود في كتابة التوراة واللفائف المقدسة (Sefer Torah).
ثانيًا: التعريف العلمي للجلود (بتوسّع علمي):
التعريف الدقيق:
الجلد الطبيعي هو نسيج حيواني عضوي يتم الحصول عليه من الطبقة الوسطى (Dermis) لجلد الحيوان، بعد إزالة الشعر والدهون والأنسجة غير الليفية، ومعالجته بعمليات كيميائية وفيزيائية تُعرف باسم الدباغة، لتحويله من مادة سريعة التحلل إلى مادة مستقرة متينة قابلة للاستخدام طويل الأمد.
التركيب البنيوي للجلد
يتكون جلد الحيوان من ثلاث طبقات رئيسية:
البشرة : (Epidermis)
الأدمة :(Dermis) ← وهي الجزء المستخدم في صناعة الجلد
الطبقة الدهنية (Hypodermis)
وتتكوّن الأدمة من:
- ألياف كولاجين
- ألياف إيلاستين
- ألياف شبكية
وهذا التكوين هو سر قوة الجلد ومرونته الفريدة.
ثالثًا: النبذة التاريخية لصناعة الجلود عبر العصور:
1) عصور ما قبل التاريخ:
استخدم الإنسان البدائي جلود الحيوانات مباشرة بعد الصيد في:
- الملبس
- الفرش
- الخيام.
- الأحذية البدائية
ثم تطورت الأساليب باستخدام:
- الدخان - الدهون الحيوانية. - الرماد النباتي
وهي أول أشكال الدباغة البدائية.
2) الجلود في مصر القديمة:
تشير المناظر والنقوش إلى أن المصري القديم استخدم الجلد في:
. الأحذية الملكية
. الدروع العسكرية
. السروج
. الجعاب (حافظات السهام)
-أغلفة البرديات
وعُرفت الدباغة منذ الدولة القديمة، وظهرت ورش متخصصة في:
منف - طيبة. - تل العمارنة.
وكانت الجلود تدخل ضمن المخازن الملكية.
3) الجلود في العصرين اليوناني والروماني:
استخدم الرومان الجلد في:
دروع الجند -الخيام العسكرية. -الأحزمة
- الدروع الواقية.
وطوّروا أنظمة دباغة باستخدام الأملاح المعدنية.
4) الجلود في العصر الإسلامي:
بلغت صناعة الجلود قمة ازدهارها في:
- القاهرة -دمشق - فاس - قرطبة
وظهرت مدارس فنية متخصصة في:
- تجليد المصاحف.
زخرفة الجلود المذهبة.
- النقش والتكفيت.
واشتهرت الجلود المغربية والأندلسية عالميًا.
رابعًا: عملية الدباغة :
تعريف الدباغة:
هي مجموعة من العمليات الكيميائية والميكانيكية التي تهدف إلى:
- تثبيت ألياف الكولاجين.
- منع التحلل البكتيري.
- إكساب الجلد المرونة والمتانة.
- مقاومة الرطوبة والحرارة.
المراحل الأساسية للدباغة
1) الاستلام والتمليح.
يتم حفظ الجلد الخام بالملح لمنع التعفن.
2) النقع (Soaking)
إزالة الملح والشوائب وإعادة الرطوبة الطبيعية للجلد.
3) إزالة الشعر (Liming)
باستخدام الجير والكبريتيد لإزالة الشعر والأنسجة غير المرغوبة.
4) إزالة الجير (Deliming)
إزالة آثار الجير لتجهيز الجلد للدباغة.
5) التخليل (Pickling)
تهيئة الجلد لاستقبال مواد الدباغة.
6) الدباغة الأساسية
وتكون بأحد الطرق التالية:
أنواع الدباغة:
أ) الدباغة النباتية
باستخدام: القرظ . القرض. . الكستناء
. لحاء البلوط
تنتج جلدًا قويًا متينًا مناسبًا:
الملاحظة. .للأثاث. .لتجليد الكتب
ب) الدباغة المعدنية (الكروم):
تعطي جلدًا: ناعم مرنًا. . مقاومًا للماء.
ج) الدباغة الزيتية
تستخدم لإنتاج:
. الشامواه
. الجلود المرنة جدًا
7) التجفيف والتشطيب:
يشمل:
الصباغة. التلميع. التحبيب. . التنعيم.
خامسًا: استخدامات الجلود عبر التاريخ
الاستخدامات العسكرية:
- الدروع. - التروس. - الأحزمة. واقيات الصدر. -الاستخدامات المدنية. - الأحذية
الحقائب. الملابس. الأثاث. -الاستخدامات التراثية
- تجليد المصاحف.
- تجليد المخطوطات.
- التحف الجلدية.
الزخارف الإسلامية.
المراجع العربية:
--------------------
عبد العزيز عبد الله.
صناعة الجلود والدباغة – دار المعارف.
أحمد فؤاد باشا.
الحرف والصناعات في مصر الإسلامية.
محمد عبد الجواد.
الصناعات اليدوية التراثية.
حسين فوزي.
الإنسان والجلد عبر التاريخ.
المراجع الاجنبية :
---------------------
Covington, A. D.
Tanning Chemistry: The Science of Leather
Royal Society of Chemistry
Sharphouse, J. H.
Leather Technician's Handbook
Thorstensen, T. C.
Practical Leather Technology
Reed, R.
Ancient Skins, Parchments and Leathers
ختامآ:
يمثل الجلد الطبيعي سجلًا حيًا لتاريخ الإنسان الحضاري والعلمي والفني. فمن كهف الإنسان البدائي إلى ورش الفسطاط وقرطبة، ومن دروع الجيوش إلى مصاحف السلاطين، ظل الجلد شاهدًا على عبقرية الإنسان في تطويع الطبيعة لخدمته.
واليوم يحتل الجلد مكانة محورية في علوم الترميم وصيانة التراث، بوصفه مادة حساسة تحتاج إلى فهم علمي دقيق وخبرة فنية رفيعة للحفاظ عليها للأجيال القادمة. |