بقلم المهندس : فاروق شرف
* الورق: حامل الفكر وذاكرة الإنسانية.
* الورق: حين تحولت الفكرة إلى أثر.
* الورق وصناعة الخلود الثقافي .
*الورق: شرط انتقال الثقافة واستمرار الحضارة.
* الورق والذاكرة الإنسانية: قراءة في الثقافة.
* الورق: شرط انتقال الثقافة واستمرار الحضارة
* الورق والذاكرة الإنسانية: قراءة في وسيط الثقافة.
* الورق من أداة كتابة إلى ركيزة حضارية
* الورق بوصفه بديلاً حضاريًا للنقش على الحجر .
----------------------------------
الفصل الأول:
ماهية الورق: التعريف العلمي، التركيب البنيوي، والخصائص المؤثرة على الحفظ والترميم.
المقدمة :
-----------
يمثّل الورق أحد أكثر المواد الثقافية حساسية وتعقيدًا في مجال حفظ التراث، ليس فقط لأنه وسيط الكتابة والرسم والتوثيق، بل لأنه مادة حية التفاعل، تتأثر بالعوامل البيئية والكيميائية والميكانيكية منذ لحظة تصنيعها وحتى وصولها إلى يد المرمم.
وفهم ماهية الورق لا يُعد مدخلًا نظريًا فحسب، بل هو أساس تشخيصي لا غنى عنه لأي تدخل ترميمي ناجح، إذ إن الخطأ في فهم طبيعة الورق يؤدي بالضرورة إلى خطأ في اختيار أسلوب المعالجة، مهما بلغت دقة التنفيذ.
ومن هنا يأتي هذا المقال ليضع القارئ – وخاصة المرمم – أمام الفهم البنيوي الحقيقي للورق: ما هو؟ كيف يتماسك؟ لماذا يشيخ؟ وكيف تؤثر خصائصه الفيزيائية والكيميائية على سلوكه أثناء التقادم والترميم.
أولًا: التعريف العلمي للورق:
*********************
1.1 التعريف الاصطلاحي
يُعرَّف الورق علميًا بأنه مادة ليفية مسطحة، تتكوَّن أساسًا من ألياف نباتية سيليلوزية، يتم فصلها عن مصدرها النباتي بطرق ميكانيكية أو كيميائية، ثم يُعاد ترسيبها في هيئة طبقة رقيقة متجانسة، تتماسك بفعل ترابط الألياف نفسها عبر روابط فيزيائية وكيميائية، دون الحاجة إلى مواد لاصقة بنيوية.
ويُعد هذا التعريف جوهريًا في علم الترميم، لأنه يؤكد أن:
- تماسك الورق ناتج عن الألياف ذاتها،
- وأن قوة الورق لا تأتي من مادة رابطة خارجية،
بل من تشابك الألياف وتكوينها شبكة متماسكة.
وهذا يفسر لماذا يتأثر الورق بشدة بالماء، إذ إن الماء قادر على إعادة تشكيل الروابط بين الألياف، فيقوّي الورق أحيانًا أو يُضعفه تمامًا إذا أسيء استخدامه.
1.2 التعريف من منظور ترميمي:
من منظور ترميم الوثائق والمخطوطات، لا يُنظر إلى الورق كمجرد سطح للكتابة، بل بوصفه نظامًا ليفيًا مفتوحًا، عالي الحساسية للتغيرات البيئية والكيميائية.
فالورق يتفاعل سريعًا مع:
- الرطوبة النسبية،
- درجات الحرارة،
- الضوء،
- الملوثات الجوية،
- المواد الكيميائية المصاحبة للأحبار والألوان.
وهذا التفاعل المستمر يفسر مظاهر التقادم الشائعة مثل:
- الاصفرار التدريجي،
- فقدان المرونة،
- الهشاشة والتقصف،
- التمزق الذاتي دون تدخل بشري.
ومن هنا، فإن المرمم يتعامل مع مادة غير مستقرة بطبيعتها، تتطلب فهمًا دقيقًا لسلوكها قبل أي تدخل علاجي.
ثانيًا: تمييز الورق عن المواد الكتابية السابقة:
***************************
2.1 الورق والبردي: اختلاف جوهري في البنية
رغم التشابه الظاهري بين الورق والبردي من حيث الاستخدام، إلا أن الاختلاف البنيوي بينهما جذري.
* فالبردي مادة طبقية، تتكون من شرائح نباتية تُرص فوق بعضها بشكل متعامد، ويعتمد تماسكها على الضغط والتجفيف، لا على تشابك ليفي داخلي.
* أما الورق، فهو مادة ليفية شبكية، تتكون من ألياف مفككة أعيد ترسيبها عشوائيًا لتكوين بنية واحدة متجانسة.
وهذا الاختلاف البنيوي يترتب عليه اختلاف جذري في:
- المرونة،
- القابلية للطي،
- الاستجابة للرطوبة،
- إمكانات الترميم.
ملاحظة ترميمية بالغة الأهمية:
----------------------------------------
فشل كثير من محاولات ترميم البردي يعود إلى معاملته معاملة الورق، رغم أنه نظام طبقي هش، لا يحتمل الغسل أو التدعيم الرطب كما يحتمله الورق.
2.2 الورق والرق (البرشمان):
* الرق مادة حيوانية المصدر، تُصنع من جلود العجول أو الأغنام أو الماعز، ويختلف سلوكها الفيزيائي تمامًا عن الورق.
فالرق يتأثر بالرطوبة عبر انكماش وتمدد غير متجانس ناتج عن طبيعة الألياف الكولاجينية، بينما يتأثر الورق عبر تفكك أو إعادة تكوين الروابط الهيدروجينية بين ألياف السليلوز.
ولهذا فإن أي تشابه في طرق الترميم بين الورق والرق هو تشابه شكلي فقط، لا علمي.
ثالثًا: التركيب البنيوي للورق :(Paper Microstructure)
3.1 الألياف السيليلوزية:
تُعد الألياف السيليلوزية الوحدة البنائية الأساسية للورق، وتتكون الجدران الخلوية لهذه الألياف من:
- السليلوز (المكون الرئيسي المسؤول عن المتانة)،
- الهيميسليلوز (يساهم في المرونة والترابط)،
- اللجنين (موجود بنسب متفاوتة، وهو عنصر غير مرغوب فيه ترميميًا).
وكلما زادت نسبة السليلوز، وطال طول الألياف، وقلت نسبة اللجنين، زادت متانة الورق وطال عمره الزمني، وهو ما يفسر جودة المخطوطات الإسلامية المبكرة مقارنة بالأوراق الصناعية الحديثة.
3.2 الروابط بين الألياف:
تعتمد قوة الورق على شبكة من الروابط، أهمها:
- الروابط الهيدروجينية الناتجة عن التجاذب بين مجموعات الهيدروكسيل،
- التداخل الميكانيكي بين الألياف المتشابكة.
- نعومة سطح الألياف وطولها.
وفي الترميم، يُعد الماء العامل الأكثر تأثيرًا على هذه الروابط؛ إذ يمكنه:
- إعادة ترتيبها وتقويتها،
أو تفكيكها تمامًا إذا لم يُضبط استخدامه بدقة.
3.3 الفراغات البينية (المسامية):
الورق مادة مسامية بطبيعتها، تحتوي على شبكة من الفراغات الدقيقة التي تسمح بمرور:
- الهواء،
- الرطوبة،
- الملوثات،
- الكائنات الدقيقة.
وهذه المسامية كانت عنصرًا إيجابيًا أثناء الصناعة، لكنها تتحول مع الزمن إلى عامل خطير يسرّع من التقادم، خاصة في البيئات غير المستقرة.
رابعًا: الخصائص الفيزيائية للورق وأهميتها الترميمية:
4.1 الوزن والكثافة:
يعكس وزن الورق وكثافته:
- كمية الألياف المستخدمة،
- درجة الضغط أثناء التصنيع.
وغالبًا ما يكون الورق الأثري:
- منخفض الكثافة،
- مرتفع المسامية، وهو ما يجعله عرضة للتمزق وضعف التحمل أثناء التداول والنقل.
4.2 خاصية الامتصاص:
الورق مادة محبة للماء، تمتص السوائل بسرعة نتيجة طبيعتها السيليلوزية.
وفي الترميم، تُعد هذه الخاصية سلاحًا ذا حدين؛ فهي تسمح بعمليات الغسل وإزالة الأحماض، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى:
- تموج السطح،
- نزف الأحبار،
- تفكك البنية الليفية إذا لم يُتحكم فيها بدقة.
خامسًا: الخصائص الكيميائية للورق:
5.1 درجة الحموضة (pH)
الورق الأثري الجيد غالبًا ما يكون:
- متعادلًا،
أو قلويًا قليلًا.
بينما تتسم معظم أوراق القرن التاسع عشر والقرن العشرين بالحموضة العالية، نتيجة استخدام الألوم والشب واللب الخشبي.
والحموضة تؤدي إلى تحلل السليلوز وتقصف الورق وتحوله إلى مسحوق مع الزمن.
5.2 اللجنين ودوره التخريبي:
اللجنين مادة غير مستقرة كيميائيًا، تتأكسد بسرعة عند تعرضها للضوء والهواء، وتنتج أحماضًا عضوية تؤدي إلى:
- الاصفرار،
- البقع البنية،
- فقدان المتانة.
ولهذا فإن كثيرًا من المخطوطات الإسلامية المبكرة في حالة أفضل من كتب مطبوعة بعد ذلك بقرون.
سادسًا: الورق ككائن حي – تشبيه ترميمي:
يمكن تشبيه الورق بكائن حي:
- يتنفس عبر مسامه،
- يتفاعل مع بيئته،
- يشيخ،
وقد يتعافى إذا عولج بعلم وحكمة.
ولهذا فإن الترميم ليس عملية “تصليح”، بل علاج دقيق، يعتمد على فهم عميق لطبيعة المادة قبل أي تدخل.
مراجع عربية:
-----------------
عبد الستار الحلوجي، علم صيانة المخطوطات والوثائق، دار الكتب.
زكي محمد حسن، الورق وصناعته وتاريخه، الهيئة العامة لدار الكتب.
صلاح الدين المنجد، دراسات في تاريخ الكتاب العربي.
مراجع أجنبية:
------------------
Hubbe, M. Paper’s Resistance to Aging, BioResources Journal.
Hunter, D. Papermaking: The History and Technique of an Ancient Craft.
Daniels, V. The Chemistry of Paper Conservation, British Museum Publications.
ISO 9706. |