بقلم المهندس / فاروق شرف
*خواص الأخشاب وتأثير الزمن والعوامل البيئية:
************************
(Wood Properties and Environmental & Time-Dependent Aging)
المقدمة :
-----------
يُعَدّ الخشب من أقدم المواد التي تعامل معها الإنسان، وقد شكّل عنصرًا أساسيًا في التراث المادي المصري منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصور الإسلامية. وباعتباره مادة عضوية حية التكوين (Organic & Hygroscopic Material)، فإن الخشب يتأثر بشكل مباشر بالعوامل البيئية والزمن، الأمر الذي ينعكس على خواصه الفيزيائية والميكانيكية والكيميائية.
و الهدف دراسة خواص الأخشاب (Wood Properties) دراسة علمية، وتحليل تأثير الزمن والعوامل البيئية (Environmental & Aging Factors) عليها، مع ربط ذلك بمجال حفظ وترميم الأخشاب الأثرية وفق المفاهيم العلمية الحديثة.
أولًا: الخواص الفيزيائية للأخشاب
1. Physical Properties of Wood
1.1 الكثافة والوزن النوعي
Density & Specific Gravity
تُعرَّف كثافة الخشب بأنها نسبة كتلته إلى حجمه، وتختلف باختلاف النوع النباتي، ومعدل النمو، ونسبة الفراغات الخلوية. وتؤثر الكثافة تأثيرًا مباشرًا في مقاومة الخشب الميكانيكية، ودرجة مساميته، وقدرته على امتصاص الرطوبة¹.
وتتميز الأخشاب عالية الكثافة – مثل السنط والأبنوس – بمقاومة ميكانيكية مرتفعة، لكنها تكون أكثر عرضة للتشققات الناتجة عن التغيرات المفاجئة في الرطوبة.
1.2 الرطوبة ومحتوى الماء
Moisture Content (MC)
الخشب مادة Hygroscopic تميل إلى امتصاص وفقد الرطوبة حتى تصل إلى حالة توازن مع الوسط المحيط (Equilibrium Moisture Content – EMC).
وينقسم الماء داخل الخشب إلى:
Free Water داخل تجاويف الخلايا.
Bound Water داخل جدران الخلايا.
وتُعد نقطة التشبع الليفي (Fiber Saturation Point – FSP) حدًّا فاصلًا تبدأ بعده التغيرات الحجمية المؤثرة على الخشب²
1.3 التمدد والانكماش
Shrinkage & Swelling
يُظهر الخشب سلوكًا متباين الخواص (Anisotropic Behavior)، حيث يختلف التمدد والانكماش تبعًا لاتجاه الألياف (مماسي – شعاعي – طولي).
وتُعد هذه الخاصية من أهم أسباب ظهور:
- التشققات الطولية.
-الالتواء.
- التقوس.
في القطع الخشبية الأثرية.
ثانيًا: الخواص الميكانيكية
2. Mechanical Properties of Wood
2.1 مقاومة الضغط
Compressive Strength
تشير إلى قدرة الخشب على تحمل الأحمال الرأسية، وتتأثر سلبًا بارتفاع نسبة الرطوبة، والتحلل البيولوجي، وفقدان اللجنين³.
2.2 مقاومة الشد والانحناء:
Tensile & Bending Strength
ترتبط هذه الخاصية باتجاه الألياف وسلامة التركيب الخلوي. ويؤدي التقادم الزمني إلى ضعف الترابط بين مكونات الجدار الخلوي، مما يقلل من قدرة الخشب على مقاومة الشد والانحناء.
2.3 المرونة:
Elasticity & Modulus of Elasticity (MOE)
مع مرور الزمن، تفقد الأخشاب الأثرية جزءًا من مرونتها نتيجة تدهور الهيميسليلوز وتكسير السلاسل البوليمرية للسيليلوز، مما يجعلها أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الإجهادات⁴.
ثالثًا: الخواص الكيميائية::
3. Chemical Properties of Wood
3.1 التحلل الكيميائي:
Chemical Degradation
يتعرض الخشب عبر الزمن لعدة عمليات كيميائية، من أهمها:
. تحلل السيليلوز (Cellulose Depolymerization)
. أكسدة اللجنين (Lignin Oxidation)
. التفاعل مع الملوثات الجوية مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين
. وتؤدي هذه العمليات إلى ضعف البنية الداخلية وفقدان الخشب لخواصه الميكانيكية⁵.
3.2 التفاعل مع مواد الترميم:
Interaction with Conservation Materials
قد تتفاعل بعض المواد اللاصقة أو الراتنجات غير المتوافقة مع مكونات الخشب، مما يؤدي إلى انسداد المسام أو نشوء إجهادات داخلية. لذلك توصي مواثيق الترميم الدولية باستخدام مواد Compatible, Reversible & Stable.
رابعًا: تأثير العوامل البيئية:
4. Environmental Deterioration Factors
4.1 الرطوبة والحرارة
Relative Humidity & Temperature
تُعد التغيرات الدورية في الرطوبة (Cyclic RH Fluctuation) من أخطر العوامل المؤثرة، حيث تؤدي إلى إجهادات متكررة تُسرّع من التشقق والانفصال البنيوي للأخشاب الأثرية⁶.
4.2 العوامل البيولوجية:
Biological Deterioration
أ) الفطريات (Fungal Decay)
Brown Rot
White Rot
ب) الحشرات (Insect Infestation):
النمل الأبيض : (Termites).
سوس الخشب : (Wood-boring Beetles)
وتؤدي هذه الكائنات إلى فقدان تدريجي في الكتلة والقوة الميكانيكية.
4.3 الضوء:
Light & Ultraviolet Radiation
يسبب التعرض المستمر للضوء، خاصة الأشعة فوق البنفسجية، تغير اللون وتدهور الطبقات السطحية للخشب نتيجة تكسير الروابط الكيميائية⁷.
4.4 عامل الزمن:
Time-Dependent Aging
يُعد الزمن عاملًا تراكميًا صامتًا، إذ يؤدي بمرور القرون إلى:
- هشاشة الألياف
- انخفاض المرونة
- ضعف القدرة التحميلية
حتى في حالة ثبات الظروف البيئية نسبيًا.
واخيرآ فإن الخشب مادة ذات سلوك معقد، يتأثر بتفاعل متشابك بين الخواص الذاتية، والعوامل البيئية، والزمن. ومن ثم فإن الحفاظ على الأخشاب الأثرية يتطلب فهمًا علميًا دقيقًا لهذه العوامل، وتطبيق مبادئ الترميم الوقائي والاستقرار البيئي قبل أي تدخل علاجي مباشر.
أولًا: المراجع العربية:
-------------------------
1. أحمد عبد الرحمن، مواد البناء في الآثار الإسلامية، القاهرة، 2005.
2. محمد عبد الحليم نور الدين، مقدمة في ترميم وصيانة الآثار، القاهرة، 2010.
3. عبد العزيز صالح، الخشب واستخداماته في مصر القديمة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.
ثانيًا: المراجع الأجنبية:
---------------------------
4. Hoadley, R. B., Understanding Wood, Taunton Press, 2000.
5. Rowell, R. M., Handbook of Wood Chemistry and Wood Composites, CRC Press, 2012.
6. Florian, M. L., Heritage Eaters: Insects and Fungi in Heritage Collections, James & James, 1997.
7. Schniewind, A. P., Concise Encyclopedia of Wood & Wood-Based Materials, Pergamon Press, 1989.
*مظاهر تأثر الأخشاب بعوامل التلف:
***************************
(Deterioration Phenomena of Wood)
يمثل التعرف على مظاهر التلف (Deterioration Manifestations) خطوة تشخيصية أساسية تسبق أي تدخل ترميمي، إذ إن الخشب لا يتلف بصورة مفاجئة، بل يمر بمراحل تدريجية تعكس طبيعة العامل المؤثر وشدته ومدته. وتُعد هذه المظاهر بمثابة قراءة ميدانية لسلوك المادة عبر الزمن، وهو ما يتقاطع مباشرة مع الخبرة العملية في مواقع الآثار.
أولًا: مظاهر التلف الفيزيائي:
Physical Deterioration Phenomena
1. التشققات والانفصالات:
Cracks, Splits & Checks
- تشققات طولية موازية للألياف
- تشققات عرضية عند نهايات القطع
- انفصال الوصلات والتعشيقات
السبب العلمي:
تغيرات الرطوبة المتكررة (Cyclic RH Changes) التي تؤدي إلى تمدد وانكماش غير متكافئ بسبب Anisotropic Behavior¹.
2. الالتواء والتقوس:
Warping & Distortion
- تقوس الألواح
- التواء القطع الحاملة
- فقدان الاستقامة الهندسية
الدلالة الميدانية:
غالبًا ما يظهر في الأخشاب الحاملة أو الأبواب والمنابر نتيجة سوء التهوية أو التعرض غير المتوازن للرطوبة.
ثانيًا: مظاهر التلف الميكانيكي:
Mechanical Deterioration
1. فقدان القدرة التحميلية
Loss of Load-Bearing Capacity
- تهتك الألياف
- سحق موضعي في مناطق التحميل
- انهيار جزئي للهياكل الخشبية
السبب:
ضعف اللجنين وتدهور الترابط الخلوي مع الزمن².
2. التآكل الناتج عن الاستخدام:
Wear & Abrasion
- تآكل الأسطح.
- فقدان التفاصيل الزخرفية.
- نعومة غير طبيعية للسطح.
ثالثًا: مظاهر التلف البيولوجي:
Biological Deterioration
1. التلف الفطري
Fungal Decay
Brown Rot:
يهاجم السيليلوز → هشاشة وتشقق مكعب
White Rot:
يهاجم اللجنين → فقدان الصلابة
البيئة المساعدة:
رطوبة أعلى من 65% وتهوية ضعيفة³.
2. التلف الحشري:
Insect Infestation
النمل الأبيض (Termites)
سوس الخشب (Wood-boring Beetles)
المظاهر:
- ثقوب خروج
- أنفاق داخلية
- فقدان الكتلة دون مظهر خارجي واضح
> في الخبرة الميدانية، يُعد التلف الحشري أخطر أنواع التلف الصامت.
رابعًا: مظاهر التلف الكيميائي:
Chemical Deterioration
1. تغير اللون
Discoloration
اسوداد
اصفرار
بقع غير منتظمة
الأسباب:
----------
. أكسدة اللجنين
. الملوثات الجوية
. التفاعلات مع مواد ترميم سابقة غير متوافقة⁴
2. التبلور الملحي
Salt Crystallization
. خاصة في الأخشاب المعمارية
. يؤدي إلى ضغوط داخلية وتمزقات دقيقة
خامسًا: مظاهر التلف الناتج عن الزمن
Time-Induced Aging
- هشاشة عامة
- فقدان المرونة
- ضعف الاستجابة للأحمال
> الزمن لا يُحدث التلف، بل يكشفه ويُراكمه.
*أسس حفظ وترميم الأخشاب الأثرية:
****************************
(Principles of Wood Conservation & Restoration)
يرتكز ترميم الأخشاب الأثرية على فلسفة علمية واضحة، قوامها الحفاظ لا الاستبدال (Preservation over Replacement)، واحترام المادة الأصلية باعتبارها وثيقة تاريخية.
أولًا: الأسس النظرية للترميم
Theoretical Framework
1. مبدأ الحد الأدنى من التدخل
Minimum Intervention
التدخل بقدر الضرورة فقط.
تجنب الإضافات غير المبررة.
2. مبدأ القابلية للعكس
Reversibility
إمكانية إزالة مواد الترميم دون إضرار بالأصل
3. التوافق المادي
Material Compatibility
- توافق فيزيائي
- توافق كيميائي
- توافق ميكانيكي
ثانيًا: مراحل العمل الترميمي (التطبيقي)
Practical Conservation Stages
1. الفحص والتوثيق
Examination & Documentation
. توثيق فوتوغرافي
. رسم معماري
. توصيف مظاهر التلف
.تحليل نوع الخشب (Wood Identification)
2. المعالجة البيئية
Environmental Control
ضبط RH (45–55%)
ثبات درجة الحرارة
تحسين التهوية
> في المواقع الأثرية، المعالجة البيئية أهم من أي مادة كيميائية.
3. التنظيف
Cleaning
تنظيف ميكانيكي جاف.
تجنب الماء إلا للضرورة القصوى.
اختبار موضعي قبل أي إجراء.
4. مكافحة التلف البيولوجي
Biological Control
. تعقيم موضعي
. مبيدات متخصصة منخفضة السمية
. عزل مصادر العدوى
5. التقوية والتدعيم:
Consolidation & Strengthening
. استخدام مواد منخفضة اللزوجة
. عدم سد المسام
. الحفاظ على النفاذية البخارية
6. الاستكمال المحدود
Limited Reintegration
. فقط عند الضرورة الإنشائية.
. تمييز الإضافات عن الأصل.
. استخدام أخشاب متوافقة.
خاتمة تطبيقية:
------------------
> الخشب الأثري لا يحتاج إلى “تجميل”، بل إلى فهم علمي عميق وخبرة ميدانية واعية، تُوازن بين متطلبات الاستقرار الإنشائي واحترام القيمة التاريخية. وكل تدخل لا يسبقه تشخيص علمي دقيق هو تدخل قابل لإحداث تلف جديد مؤجل.
المراجع العربية:
-----------------
1. محمد عبد الحليم نور الدين، ترميم وصيانة الآثار العضوية، القاهرة، 2011.
2. عبد العزيز صالح، دراسات في مواد التراث الأثري، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3. أحمد عيسى، أسس الترميم المعماري، القاهرة، 2008.
المراجع الأجنبية:
--------------------
4. Florian, M. L., Heritage Eaters, James & James, 1997.
5. Hoadley, R. B., Understanding Wood, Taunton Press, 2000.
6. Rowell, R. M., Handbook of Wood Chemistry and Wood Composites, CRC Press, 2012.
7. Bratasz, L. et al., Climate Control in Museums, Getty Conservation Institute. |