بقلم المهندس/ فاروق شرف
بكل التقدير والإجلال لهذا الخبر النبيل، يليق بنا أن نقف احترامًا أمام قامة وطنية وفنية استثنائية مثل الفنان الكبير والوزير القدير فاروق حسني؛ رجل لم يكن فنانًا تشكيليًا فحسب، بل كان وما يزال فنانًا في الوطنية، فنانًا في الفكر المستنير، فنانًا في الذوق والاحترام وعلو المقام.
.هذا القرار النبيل بإهداء متحفه ومقتنياته وأمواله للدولة المصرية إنما هو ترجمة صادقة لفلسفة رجل عاش للفن، وعاش للوطن، فجمع بين الريادة الفنية والضمير الوطني الحقيقي. إنها شهادة جديدة تُضاف إلى سجله المضيء الذي خطه حسنًا وإبداعًا خلال سنوات طويلة، وكانت فترته بوزارة الثقافة واحدة من الفترات الذهبية للثقافة المصرية؛ عصر ازدهار مؤسسات، ونهضة متاحف، وانفتاح ثقافي، وتقدير للفنون والهوية المصرية في أوسع معانيها.
. ولذلك، ما ذكرته سابقًا وأكرره بثقة وإيمان، هو أن هذا الرجل يستحق تمثالًا برونزيًا أمام المتحف المصري الكبير؛ فهو صاحب الفكرة الأولى وراعٍ لخطواتها الأولى، وضع الأساس لهذا الصرح الحضاري قبل أن تستكمله أجيال وطنية لا تقل إخلاصًا. فكما يقف المتحف اليوم شامخًا على أرض الفراعنة، ينبغي أن يقف تمثال لرائد ثقافي معاصر كان جزءًا من هذا الإنجاز وذاكرة بصرية للامتنان والتاريخ المعاصر.
. إن ما فعله اليوم الفنان فاروق حسني ليس مجرد تبرع، بل تجسيدٌ لمعنى الانتماء، ولرسالة الفنان الحقيقي الذي لا يكتفي بالعطاء الفني، بل يهب ذاته ووطنه ما هو أغلى من الممتلكات.. يمنحه الروح والفكرة والإيمان.
سؤال يطرق أبواب الذاكرة الوطنية:
لماذا أسمي فترة الفنان الكبير فاروق حسني "العصر الذهبي للثقافة المصرية"؟
الجواب يأتي مشرقًا كضياء الفجر على صفحة النيل؛ لأن سيادته لم يرَ الثقافة ترفًا، بل اعتبرها حقًا إنسانيًا ورسالة حضارية. أراد أن يدخل الكتاب إلى كل قرية وكل بيت، ليصنع نافذة على العالم، وليفتح دروب المعرفة في قلب الريف قبل المدينة؛ فكانت المكتبة عنده رئة ثقافية تتنفس بها القرى، وضياءً يبدد عتمة الجهل، وقبسًا من نور ينير العقول.
. مكتبات في ربوع مصر من أقصى الجنوب إلى دلتا الخير، في:
جرجا – المحاميد بحري أرمنت – أبيار كفر الزيات – الرياح قنطرة غرب – ريفا أسيوط – سنتماي ميت غمر – سيدي غازي كفر الشيخ – تنيدة الداخلة – البصراط المنزلة – البقاشين كفر شكر – كلح الجبل إدفو – نجع الرماش أبنود – دهمرو مغاغة – أجهور طوخ – الخشبية المفتوحة الإسكندرية – زاوية غزال دمنهور – الجوابر ميت سلسيل – دلاص ناصر – أبو صير الملق الواسطى – البيوم فاقوس – بتمدة بنها – سمادون أشمون – نواي ملوي – الأقواز الصف – السنبلاوين – البصرة العامرية – القصير – سمبو زفتى – شبرا الخيمة…
وغيرها كثير تحت راية هيئة الكتاب، ومبادرة القراءة للجميع.
. هذا غيض من فيض؛ فبحكم عملي في ترميم الآثار والمساجد والكنائس والسبل والوكالات والشوارع التاريخية، وعلى رأسها شارع المعز، والمشاريع العملاقة بالقاهرة التاريخية، أقول بحق: الحديث عن تلك المرحلة يحتاج مجلدات.
. ولم أذكر بعد الثقافة الجماهيرية، ومراكز الفنون، والمسارح والسينما، والاحتفاليات الكبرى، والمتاحف، وعلى رأسها اليد الأولى التي وضعت أساس الصرح الثقافي العالمي: المتحف المصري الكبير… الهدية المصرية للعالم، وترسيخ ريادة الحضارة والفن في الشرق الأوسط حتى صرنا في مصاف الأمم المتقدمة.
وهنا يبرز السؤال من قلب الإنصاف ومنبر الوفاء:
ألا يستحق هذا الرجل تمثالًا من الألاباستر الشفاف ليضيء سماء الثقافة المصرية كما أضاء عقول أجيال؟
. إنه فنان عالمي فريد، قيادة ثقافية استنارت بها مصر، ورجل دولة كتب اسمه في سجل الوعي الوطني بحروف من نور.
كل التحية والتقدير والإجلال للفنان العظيم فاروق حسني.
شكرًا لهذا العطاء الذي لا يُنسى، ولتلك الروح التي رأت في الثقافة نور أمة لا ينطفئ.
ملحوظة بصدق:
لا تربطني بسيادته أي علاقة، ولكنها شهادة تاريخية من زمن ذهبي عشته، وأعرف قدره وقيمته حق المعرفة.
اللهم اجزِ صانعي الجمال والعلم عن وطنهم خير الجزاء.
|