بقلم المهندس: فاروق شرف
مرمم آثار
يا لها من قصة تروى بماء الذهب وتُحفر في وجدان الحضارة المصرية الحديثة!
ذات يوم، وبينما كان الفنان الكبير فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، في لقاء وديّ مع صديقه المهندس المعماري الإيطالي — أحد أولئك العاشقين لفن العمارة الكلاسيكية — دعاه الفنان لزيارة المتحف المصري بالتحرير، هذا الرمز العريق الذي يحتضن كنوز الفراعنة منذ أكثر من قرن.
ابتسم الصديق الإيطالي، وقال بعبارةٍ خفيفةٍ حملت بين طياتها الكثير من الدهشة:
"المتحف المصري؟! إنه أشبه بمخزن كبير!"
كانت الكلمات كشرارةٍ أضاءت في ذهن الفنان المبدع.
لم تمرّ مرور الكرام على فاروق حسني، بل اخترقت وجدانه وحرّكت في داخله الإحساس بالمسؤولية تجاه تراث بلاده الذي يستحق عرضًا يليق بعظمة التاريخ المصري.
ومن تلك اللحظة، وُلد الحلم:
حلم إنشاء متحفٍ يليق بمصر، بتاريخها، وبأجدادها الذين علّموا الدنيا معنى الفن والهندسة والجمال.
لكن الحلم، ككل حلمٍ كبير، اصطدم أولاً بواقع الإمكانات.
حين عرض فاروق حسني الفكرة على الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كان الرد واضحًا:
"لا توجد أموال لمثل هذا المشروع الآن."
فابتسم الفنان بعزيمة الواثق، وقال كلمته التي أصبحت مدخلًا للتاريخ:-
"حضرتك وافق، وسيأتي التمويل من العالم كله... فمصر لا تُرفض لها يد العون إذا كان الهدف هو حماية تراثها العظيم."
ومن تلك الموافقة بدأت المعجزة المصرية الحديثة.
تحوّل الحلم إلى خطة، والخطة إلى عمل، والعمل إلى صرحٍ أثريٍّ عالميٍّ أصبح اليوم عنوانًا للفخر الإنساني بأسره.
وهكذا وُلد المتحف المصري الكبير عند أقدام الأهرامات، في حضن الزمن، يجمع بين الماضي البعيد والمستقبل المشرق، بأروع ما أبدع الإنسان من فن وعلم وهندسة.
ألا يستحق هذا الفنان – الذي حلم، وآمن، وثار ضد المستحيل – أن يُخلّد اسمه أمام بوابة هذا الصرح؟
أن يُقام له تمثال من نورٍ وحجرٍ أبيض عند مدخل المتحف المصري الكبير، وتُكتب على قاعدته أسماء العلماء والفنانين والمهندسين الذين شاركوا في بناء هذا الحلم حتى خرج إلى النور؟
إنها ليست دعوة لتكريم شخص، بل تحيةٌ للعزيمة، وللفكر، وللحلم حين يتحول إلى واقع.
تحيةٌ لفنانٍ رأى بعين الإبداع ما لم يره غيره، فحوّل كلمة “مخزن” إلى أعظم متحف في العالم.
* كم يفخر القلب وتزهو الروح حين تُذكر كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، تلك اللؤلؤة المتلألئة على شاطئ عروس البحر المتوسط، ومهد الإبداع الذي خرجت من جدرانه أجيال من العباقرة الذين سطّروا أسماءهم بأحرف من نور في سجل الفن المصري الحديث.
هي الكلية التي أنتمي إليها وأفخر بها، والتي أنجبت رموزًا خالدة مثل سيف وأدهم وانلي، و محمدصدقي الجباخنجي، وغيرهما من عظماء الفن الذين حملوا راية الجمال والابتكار، فكانوا جسورًا تصل بين عبقرية المصري القديم ورهافة إحساس المصري الحديث.
لقد أبدع هؤلاء الفنانون الكبار أعمالًا رائدة تزيّن اليوم متاحف ومعارض كبرى في مصر والعالم العربي وأوروبا، أعمالًا تنطق بالهوية المصرية، وتستحضر روح النيل، ودفء الأحياء الشعبية، وضوء البحر الذي يعانق السماء في الإسكندرية.
لقد كانوا رموزًا متلألئة في سماء الفن المصري الحديث، لا تقل إشراقًا عن المبدعين الأوائل الذين نحتوا الصخر وشيدوا المعابد.
ومن رحم تلك الكلية خرج أيضًا الفنان فاروق حسني، الذي حمل مشعل الفن والفكر والثقافة إلى آفاق جديدة، ليؤكد أن الإسكندرية – كما كانت دومًا – منارة للفن والجمال، وعاصمة للروح المبدعة التي لا تعرف حدودًا للخيال ولا نهاية للحلم.
* وفي هذا المقام، لا أستطيع أن أمرّ مرور الكرام دون أن أنحني احترامًا وتقديرًا لأولئك الذين شاركوني رحلة الفن والإبداع، فتركوا بصماتهم الخالدة على وجه الحياة التشكيلية في مصر والعالم العربي.
ولئن ضاق المقال عن ذكر الجميع، فإن الذاكرة تستحضر بعض الأسماء التي تضيء سماء الفن بوهجها وصدق عطائها.
أذكر على سبيل المثال الدكتور سيد عبده سليم، صاحب الرؤية النحتية العميقة، الذي تجلّت أعماله في أبهى الميادين والمؤسسات الكبرى، فكانت شاهدة على عبقرية الصياغة وجمال التكوين، وهو أيضًا صاحب أكبر مسبك للصب الفني في مصر، حيث تتحول كتل المعدن الباردة بين يديه إلى كائنات تنبض بالحياة والعظمة.
وأذكر الأخ والزميل النحات عبد المعين صالح، صاحب الأعمال الرفيعة التي تجمع بين الصياغة الدقيقة والتعبير الإنساني العميق، فقد ترك بصمته الخاصة على الساحة الفنية بما يمتلكه من حسٍّ جمالي راقٍ ومخيلة خصبة.
ولا يفوتني أن أذكر أخي وصديقي الفنان الكبير محمد عبلة، أحد رموز الفن المصري المعاصر، الذي استطاع أن يمزج بين الأصالة والتجريب، وأن يعبّر بريشته عن نبض الشارع المصري، وعن الإنسان بكل أحلامه وآلامه.
أماالاستاذ الدكتور أحمد عبد العزيز، الثقافي المحنك مربي أجيال من المبدعين .. عملاق فن النحت المجسّم والرليف، والمبدع في تصميم النُصُب التذكارية، الذي خلّد عبر أعماله قيم البطولة والجمال والخلود .. فرغم ان سيادته فنون القاهرة لكن لا يمكن نسيانه.
كما لا أنسى أخي وصديقي الفنان التشكيلي حسن غنيم، ذلك الحسّ المرهف الذي تتنفس لوحاته صدق الانفعال وحرارة الإبداع.
ولا شك أن هناك آخرين كثيرين لم تسعفني الذاكرة بذكرهم الآن، ولكن إن كان في العمر بقية، فسوف أعود لأكتب عنهم وعن أعمالهم العملاقة التي تستحق أن تُدرّس وتُروى للأجيال القادمة، فهم جميعًا أبناء مدرسة الفن السكندري الأصيل، الذين جعلوا من الإسكندرية منارةً دائمة للجمال والإبداع.
* أعود بذاكرتي إلى معالي الوزير الفنان فاروق حسني، ذلك الرجل الذي قاد الثقافة المصرية إلى عصرها الذهبي، فكان بالفعل فنانًا في موقع القرار، ومثقفًا في قلب المسؤولية.
لم يكن إبداعه محصورًا في رعاية قصور الثقافة التي تألقت في عهده وارتدت أبهى حللها، ولا في الثقافة الجماهيرية التي امتدت أنوارها إلى كل ربوع مصر، من أقصى الصعيد إلى سواحل الشمال، لتفتح الأبواب أمام كل موهبة وتحتضن كل حلم.
كما لم يقتصر عطاؤه على الهيئة المصرية العامة للكتاب التي أعاد إليها مكانتها وهيبتها، فازدهرت مطبوعاتها وتألقت معارضها، ولا على المكتبات العامة التي جعل منها نوافذ للمعرفة متاحة لكل إنسان.
ولم يكن مجده في الأوبرا المصرية التي استعادت بريقها العالمي، ولا في المسرح القومي ومسرح الطفل ومسرح سيد درويش ومعهد الموسيقى العربية التي ازدهرت تحت رعايته الفنية والإدارية، بل كان مجده الحقيقي أعمق من ذلك بكثير.
فالعصر الذهبي الحقيقي في عهد الفنان فاروق حسني كان في الآثار المصرية، حيث أطلق نهضة كبرى في الترميم والحفاظ على التراث، فأنشأ المجلس الأعلى للآثار بهويته الجديدة، وفتح باب العمل في مشاريع ترميم عملاقة، على رأسها مشروع القاهرة التاريخية، الذي أعاد للحجر روحه وللزمان نضارته.
وفي عهده عاد شارع المعز لدين الله الفاطمي إلى بهائه القديم، وتألّق خان الخليلي بملامحه التراثية الأصيلة، واستعادت القاهرة التاريخية سحرها الذي لا يُضاهى، حتى غدت متحفًا مفتوحًا يروي قصة المجد المصري عبر العصور.
ذلك هو الفنان فاروق حسني، الذي لم يكن وزيرًا للثقافة فحسب، بل كان مهندسًا لنهضة مصر الثقافية والفكرية والجمالية، جمع بين رهافة الفنان وحكمة القائد، فاستحق أن يُقال عنه:
"هو العصر الذهبي الذي نطقت فيه الثقافة المصرية بلسان الفن، وأزهرت فيه الحضارة من جديد."
*وأخيرًا...
كان لي شرف اللقاء بالفنان الكبير فاروق حسني في ثلاث محطات لا تُنسى من مسيرتي المهنية والإنسانية.
الأولى: أثناء مشاركتي في أعمال ترميم تمثال أبي الهول، ذلك الرمز الخالد الذي يقف شاهدًا على عظمة المصري القديم، وهناك التقيت بسيادته فكان كما عهدناه دائمًا، فنانًا في فكره، متأمّلًا في الجمال، يتحدث بلغة المبدعين الذين يرون ما وراء الحجر روحًا وحياة.
الثانية: أمام أعمال ترميم زخارف أسقف قصر محمد علي بشبرا الخيمة، برفقة الفنانين الإيطاليين، حيث أضاء حضوره المكان بعمق معرفته وحسه الجمالي الرفيع. كان حديثه يجمع بين دقة الفنان ورؤية المفكر، وبين التقاليد الكلاسيكية وروح الحداثة، مما ترك فينا أثرًا لا يُمحى.
أما الثالثة: فلم تكن لقاءً مباشرًا، بل لقاءً روحيًّا مع فكر رجلٍ صنع نهضةً ثقافيةً كاملة، وكتب بحروف من نور فصلًا جديدًا في تاريخ مصر الثقافي. أكتب عنه اليوم من نبض الاحترام والإعجاب بتلك الحقبة الذهبية التي أشرقت فيها الثقافة والفنون والآثار في عهده.
وفي ختام هذه السطور، لا يسعني إلا أن أكرر السؤال الذي يفرض نفسه بإخلاصٍ ومحبةٍ واعترافٍ بالجميل:
ألا يستحق الفنان فاروق حسني أن يُخلَّد تمثالًا أمام الصرح المصري الكبير، رمزًا لعصرٍ أعاد للأثر هيبته، وللثقافة مجدها، وللفن المصري مكانته بين أمم العالم؟ |