|
|
عدد : 09-2025 |
|
|
بقلم الدكتورة / ريهام البربري
[email protected]
حينما تسبقك روحك قبل خطوتك، وتهفو نفسك لمستقر تهواه، وتحن نبضات قلبك لتخفق في حناياها، يكون الأمر حتمي أن تطير إلى سماء مكة، قائلاً:" سلامٌ على الدنيا وما فيها".
رحلتى اختلفت عن ذي قبل، فقد بدأت من مطار القاهرة الدولي بوصية القائد الهمام الذي لا يكل ولا يمل من التأكد بنفسه من جاهزية وتنفيذ أدق التفاصيل على أكمل وجه، سعادة العميد "محمد صقر" ،رئيس فرع الدعوة بالشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية؛ الذي طلب منى مراعاة الطيور المرافقة والاهتمام بهم، فوعدته مودةً وحباً في ضيوف الرحمن ورسوله صلوات الله عليه وأتم التسليم، ثم انطلقت مودعة وملبية، لهفة وشوقاً لمملكة إعمار القلب والروح والفكر، أقدس بقاع الأرض، أتخذ ربي صاحباً في سفري، وخليفتي في أهلي.
لقد بدأ الاِختلاف فعلياً منذ الدقائق الأولى تحليقاً فوق السحاب، فوجدت النفس تبحر في أعماق ينابيع الطهر والنقاء والحنان لدى قلوب ضيوف الرحمن، وجدتها لأول مرة تنطلق في رحلة تدقيق نورانى، تتشبع من سمو أخلاقهم وصدق مشاعرهم، فتذهب تارة مع الأم الحنون البشوشة النضرة المليئة بالنشاط والحيوية الروحانية، التي كلما صادفتني، أمطرتني بيقين دعاءها، فينبض القلب لها حباً وإيثاراً، وتسألني نفسي، ما سر كل هذا الحب والعطاء؟.. فأجاوبها: هى أم الحبيبة الوقورة المخلصة الكريمة المتفانية البارة بوالديها "هويدا"، التي تحيا من أجل إسعاد الآخرين، والبنت لأمها .. هؤلاء نحتسبهم عند الله ممن يقول فيهم:( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
تارة أخرى،أجد مسار خطواتي يتشابك مع الملاك الراقي "سلوى القلوب"، التي نذرت كل جهدها بحب ورضا ووفاء عظيم معتمرة لمعارف متوفيين قريباً، تهديهم الثواب والأجر جبراً لخواطر أهاليهم المكلومين.. وتسألني نفسي: ترى هل هي ملاك أم بشرية نادرة الوجود؟.. فأجاوبها: لا غرابة فى الأمر، فهي انعكاس حي لبطولات وتضحيات والدها شهيد حرب أكتوبر 73، الذي رزقه المولى عز وجل بنعيم الحياة البرزخية إلى يوم الدين، وما تقدمه من عبادة جبر الخواطر والسعي لرفع موتاهم درجات في جنات النعيم والتخفيف من ذنوبهم أحد أفضل القربات إلى الله.. وصدق وعده فيها حينما قال تعالى: "لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً".
تارة ثالثة، أرافق سيدة بر وإحسان ،أصيلة ، حنونة، تكرم بحب وسخاء كل من يقصد بابها تدعى ماما "سعاد"، كنت أستمع دامعة لمسيرتها العطرة المقتداة بمنهج حياة أمهات المؤمنين ،وكانت ابنتها اللطيفة المهذبة معلمة الأجيال "نورا" تزاحمها من آن لأخر بجميل الحكايات حباً وامتناناً لوالدتها وزهوا وفخرا بها، ليزداد بعدها يقيني في قوله تعالى:( هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ).
تارة رابعة، أهداني ربي مودة وعشم وثقة الأخت اللطيفة المدللة "مها"، التي ظنت أني الوحيدة القادرة على اصطحابها لملامسة الحجر الأسعد وتقبيله، لكنى مع الأسف عجزت عن ذلك، لأن مسؤولي الأمن بالحرم وضعوا سواتر مرتفعة لاتمام بعض الإصلاحات بستارة الكعبة المشرفة، أيضاً السويعات المتبقية في رحلتنا القصيرة لم تسعفها لتكرار المحاولة ، فبرداً وسلاماً على قلبك يا أختاه حتى تعودي مجدداً حباً واشتياقاً لزيارة البيت الحرام في القريب العاجل بإذن الله تعالى.
وبمناسبة اليوم الوطني السعودي الموافق 23 سبتمبر من كل عام ، أشهد الله وملائكته ورسوله أن المملكة العربية السعودية تقف على الخريطة العالمية شامخة بحاضر مزدهر ومستقبل واعد، محققة إنجازات يومية مبهرة غير مسبوقة في البناء والتعمير والتوسعات وكفاءة وجودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، لكن حتى يومنا هذا لا أعلم سبب تعثرها في تنظيم الحشود الذكورية والنسائية عند الحجر الأسعد ، فالكل متلهف ومشتاق لملامسه وتقبيل أحد أحجار الجنة لغفران ذنبه، لكن نظراً لاختلاف النوع والجنس والثقافة وقلة الوعي عند البعض تنشب صراعات بدنية مختلطة لاتنتهى أبداً إلا بطرف غالب وأخر مغلوب، فيا أخوة الإيمان من قادة ومسؤولين وأولي الأمر، كما تنجحون بامتياز في تفريغ محيط الكعبة عدة أمتار بمنتهى الحسم استقبالاً لفضيلة إمام الحرم وإستعدادا للصلاة في دقائق معدودة خمس مرات يومياً، أتموا المعروف والإحسان باتخاذ كافة الاجراءات التنظيمية العادلة اليسيرة عند كلاً من الحجر الأسعد وحجر سيدنا إسماعيل عليه السلام الذي يعد الصلاة فيه بمثابة الصلاة داخل الكعبة، حفاظاً منكم على حرمة إحرام الحجاج والمعتمرين، وضماناً لأمن وآمان النساء والرجال دون تعديات وصخب ومزاحمة، وتخفيفاً أيضاً عن كاهل ضباط الحراسة والأمن السعودي عبء مواجهة تدافع الآلاف ومقاومتهم يومياً.
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات، لقد أكرمنى الله عز وجل بأجمل وأطيب رفقة، فالجميع أمراء وأميرات متوجين بالمودة والمحبة الخالصة لوجه الله الكريم ، وربما لضيق المساحة هنا، سنؤجل سرد اكتشافات خزائنهم النورانية، على وعد منى أن تظل بصماتهم الطيبة معي محفورة في ذاكرتي حتى نلتقي مجدداً على حوض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
أخيراً .. كل الاحترام والشكر والتقدير والعرفان لبلدنا الثانى السعودية حكومة وشعباً، و لكل السادة القائمين على تنظيم رحلات الحج والعمرة بكل سهولة ويسر وكفاءة واِتْقَان في إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية تحت قيادة سعادة اللواء أركان حرب "محمد رجب"، متمنية لهم كل الخير والسداد والتوفيق.
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|