|
|
عدد : 09-2025 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
الإمام أحمد بن علي الرفاعي بن يحيى بن ثابت بن الحازم علي أبي الفوارس بن أحمد المرتضى بن علي بن رفاعة الحسن المكي بن محمد مهدى المكي بن حسن القاسم بن حسين بن أحمد الأكبر بن الإمام موسى الأصغر بن الإمام إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي الملقب بزين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم والذى إشتهر بإسم أحمد الرفاعي ويكنى بأبي العباس فقيه شافعي أشعرى وصوفي عراقي عاش وذاع صيته في القرن السادس الهجري الموافق للقرن الثاني عشر الميلادى وهو يلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جده الأول والجد العشرين له عبد المطلب بن هاشم وهو يعتبر من أقطاب الصوفية وإليه تنتسب الطريقة الرفاعية ويلقب بأبي العلمين وشيخ الطرائق والشيخ الكبير وأستاذ الجماعة وكان مولده في عام 512 هجرية الموافق عام 1118م في العراق في قرية حسن بالبطائح والبطائح عبارة عن عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين محافظتي واسط والبصرة ولما بلغ السابعة من عمره توفي أبوه في العاصمة العباسية بغداد فكفله خاله الشيخ الزاهد منصور البطائحي والذى كان من أعلام التصوف في العصر العباسي الثاني وهو الذى تعهده بالرعاية ورباه تربية دينية سليمة حيث نشأ الرفاعي منذ طفولته نشأة علمية وأخذ في الإنكباب على العلوم الشرعية فقد درس القرآن العظيم وترتيله على الشيخ والفقيه عبد السميع الحربوني في قريته وله من العمر 7 سنوات وإنتقل مع خاله ووالدته وأخوته إلى بلدة نهر دفلي من قرى واسط في العراق وأدخله خاله على الإمام الفقيه الشيخ أبي الفضل علي الواسطي وكان مقرئا ومحدثا وواعظا عالي الشأن فتولى هذا الإمام أمره وقام بتربيته وتأديبه وتعليمه فجد السيد أحمد الرفاعي في الدرس والتحصيل للعلوم الشرعية حتى برع في العلوم النقلية والعقلية وأحرز قصب السبق على أقرانه وكان الإمام أحمد الرفاعي في هذه الفترة من حياته يلازم دروس العلم ومجالس العلماء فقد كان يلازم درس خاله الشيخ أبي بكر سلطان علماء زمانه كما كان يتردد على حلقة خاله الشيخ منصور البطائحي وتلقى بعض العلوم على الشيخ عبد الملك الحربوني وحفظ عنه كتاب التنبيه في الفقه الشافعي للإمام أبي إسحق الشيرازى وقام بشرحه شرحا عظيما وأمضى أوقاته في تحصيل العلوم الشرعية على أنواعها وشمر للطاعة وجَد في العبادة حتى صار عالما وفقيها شافعيا وعالما ربانيا يرجع مشايخه إليه وكان الشيخ أبو الفضل علي محدث واسط وشيخها قد أجاز الإمام أحمد الرفاعي وهو في العشرين من عمره إجازة عامة بكل علوم الشريعة والطريقة وأعظم شأنه ولقبه بأبي العلمين أي الظاهر والباطن .
ولما بلغ الرفاعي الثامنة والعشرين من عمره ولما حضرت الوفاة خاله ومربيه منصور البطائحي قالت له زوجته أوص لولدك فقال بل لإبن أختي أحمد فكررت عليه القول فقال لإبنه ولإبن أخته إئتياني بنجيل من أرض كذا فأتاه إبنه بنجيل كثير ولم يأته إبن أخته بشيء فقال له يا أحمد لم لم تأت بنجيل فقال وجدته كله يسبح الله عز وجل فلم أستطع أن أقلع منه شيئا فسكتت زوجته ومن ثم عهد الشيخ منصور بمشيخة المشايخ ومشيخة الأروقة المنسوبة إليه لإبن أخته أحمد بن علي الرفاعي وأمره بالإقامة في بلدته أم عبيدة برواق جده لأمه الشيخ يحيى النجارى والد الشيخ منصور والذى كانت وفاته عام 540 هجرية الموافق عام 1545م ومن ثم خلفه بناءا على وصيته إبن اخته الإمام أحمد الرفاعي وهناك دراسات أكاديمية تؤكد على أنه إلتقى بالقطب الصوفي المعروف عبد القادر الجيلاني وأخذ عنه وكانا على إتصال وتنسيق عال وقد وصل السيد أحمد الرفاعي إلى درجة الإجتهاد المطلق كما أنه كان فقيها محدثا مفسرا وكان أعلم أهل زمانه وكان يضرب به المثل في التواضع والإنكسار ولين الجانب ورحمة الناس وشفقته عليهم وقد وصفه البعض بأنه كان متمكناً في الدين سهلا على المسلمين صعبا على الضالين هينا لينا بشا لين العريكة وكان ايضا حسن وكريم الخلقِ حلو المكالمة لطيف المعاشرة لا يمله جليسه ولا ينصرف عن مجالسه الا لعبادة حمولا للأذى وفيا إذا عاهد صبورا على المكاره وعلاوة غلى ذلك كان الشيخ قد عرف بحنانه الشديد على الإنسان والحيوان وكان أشد ما يكون حدبا ورعاية للحيوانات الضالة والمريضة حتى أن بعض الناس في عصره كانوا يحسدونه ويكيدون له ومنهم من كان يفترى عليه وكان لما يقعد مع الناس يقول لهم أيها السادة لست بشيخ عليكم ولست مقدما على هذا الجمع وكان على الرغم من مشاغله يذهب إلى المرضى المصابين بالجذام يبحث عنهم فيقعد معهم يطعمهم ويأكل معهم ويتعهدهم بالدواء والطعام ثم يأخذ ثيابهم فيغسلها لهم من قوة يقينه هذا وتقوم الطريقة الرفاعية على العمل بمقتضى ظاهر الكتاب والسنة ثم أخذ النفس بالمجاهدة والمكابدة والإكثار من الذكر وقراءة الورد وذلك وفق إرشادات الشيخ وتوجيهاته مع ضرورة التسليم والإنقياد له والإنصياع لأوامره حيث كان على المريد أن يتمسك بالكتاب والسنة ثم تعاليم الشيخ ويعمل بما قاله من الإلتزام بالسنة وموافقة السلف الصالح على حالهم ولباس ثوب التعرية من الدنيا والنفس وتحمل البلاء ولبس الوقار وإجتناب الجفاء وقد إشتهر عن بعض أتباع الطريقة الرفاعية حديثا القيام بأفعال غريبة وغير مألوفة منها إخراج الثعابين من جحورها وجعل الثعابين تلسعهم والدخول في النيران المشتعلة دون أن تحرقهم أو تؤثر فيهم وغيرها ويسمون هذهِ بالكرامة ولها حالات محددة يفعلون فيها هذه الأمور الغريبة ويقال بأن ذلكَ من الأفعال التي لم تكن معروفة عند الشيخ أحمد الرفاعي وإستحدثها أتباعه بعد وفاته بسنين طويلة .
وقد دأب وحرص أشد الحرص الإمام الرفاعي كغيره من العلماء على تعليم الناس أمور دينهم وجدَ في الوعظ والإرشاد وعقد حلق العلم حتى كان نبراسا يستضيء به الناس فيما ينفعهم ويبعدهم عما يضرهم وكان لا يفتر عن تعليم الناس هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وأسرار القرآن العظيم وفي رسالة سواد العينين في مناقب أبي العلمين للإمام الرافعي قال أخبرني الفقيه العالم الكبير بغية الصالحين قال كنت في أم عبيدة زائرا عند السيد أحمد الرفاعي في رواقه وحوله من الزائرين ما لا يعد ولا يحصى منهم الأمراء والعلماء والشيوخ والعامة وقد إحتفل بإطعامهم وحسن البشر لهم كل على حاله وكان يصعد الكرسي بعد الظهر فيعظ الناس والناس حلقا حلقا حوله فصعد الكرسي بعد ظهر يوم الخميس وفي مجلسه وعاظ واسط وجمع كثير من علماء العراق وأكابر القوم فبادر القومَ باسئلة من التفسير وآخرون بأسئلة من الحديث وجماعة من الفقه وجماعة من الأصول وجماعة من علوم أخرى فأجاب على مائتي سؤال من علوم شتى ولم يتغير حاله حال الجواب ولا ظهر عليه أثر الحدة فأخذتني الحيرة من سائليه فقمت وقلت أما كفاكم هذا والله لو سألتموه عن كل علم دون لأجابكم بإذن الله تعالى بلا تكلف فتبسم وقال دعهم أبا زكريا يسألوني قبل أن يفقدوني فإن الدنيا زوال والله محول الأحوال فبكى الناس وتلاطم المجلس بأهله وعلا الضجيج تأثرا من قوله وكان من وصاياه إذا استعنتم بعباد الله وأوليائه فلا تشهدوا المعونة والإغاثة منهم فإن ذلك شرك ولكن إطلبوا من الله الحوائج بمحبته لهم وكان الإمام أحمد الرفاعي يأمر في مجلس وعظه بإلتزام حدود الشرع ويحذر الناس من أهل الشطح والغلو ويقول هؤلاء قطاع الطريق فإحذروهم وكان يكره أصحاب القول بالحلول والوحدة المطلقة الذين يقولون إن الله يحل بالعالم ويقول هؤلاء قوم أخذتهم البدعة من سروجهم إياكم ومجالستهم وكان يأمر بإتباع هدى الشريعة والسير على طريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقول إتبع ولا تبتدع فإن إتبعت بلغت النجاة وصرت من أهل السلامة وإن إبتدعت هلكت وكما ذكرنا في السطور السابقة كان الإمام أحمد الرفاعي متواضعا في نفسه خافضا جناحه لإخوانه غير مترفع وغير متكبر عليهم وروى عنه أنه قال سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الإفتقار والذل والإنكسار فقيل له يا سيدي فكيف يكون ذلك قال تعظم أمر الله وتشفق على خلق الله وتقتدى يسنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ايضا من تواضعه أنه كان يخدم نفسه بنفسه ويخصف نعله ويجمع الحطب بنفسه ويشده بحبل ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين وأصحاب الحاجات ويقضي حاجات المحتاجين ويقدم للعميان نعالهم ويقودهم إذا لقي منهم أناسا إلى محل مطلوبهم وكان يعود المرضى ولو سمع بمريض في قرية ولو على بعد يمضي إليه ويعوده وكما ذكرنا أيضا كان يمشي إلى المجذومين ويغسل ثيابهم ويحمل لهم الطعام ويأكل معهم ويجالسهم ويسألهم الدعاء وكان شفيقا على خلق الله يرأف باليتيم ويبكي لحال الفقراء ويفرح لفرحهم وكان يتواضع كل التواضع للفقراء حتى قال مشايخ أهل عصره كل ما حصل للرفاعي من المقامات إنما هو من كثرة شفقته على الخلق وذل نفسه ومن جانب آخر كان الإمام أحمد الرفاعي يعظّم ويوقر العلماء والفقهاء ويأمر بتعظيمهم وتوقيرهم وإحترامهم ويقول هؤلاء هم أركان الأمة وقادتها .
وفضلا عن كل ماسبق من مناقب تحلى بها الإمام أحمد الرفاعي كان أيضا متجردا من الدنيا ولم يدخر أموالا بل كان لا يجمع بين لبس قميص وقميص لا في صيف ولا في شتاء مع أن ريع أملاكه كان أكثر من ربع أملاك الأمراء وكان كل ما يحصل عليه منها ينفقه في سبيل الله على الفقراء والسالكين والواردين إليه وكان يقول الزهد أساس الأحوال المرضية والمقامات السنية وكان يردد دائما طريقي دين بلا بدعة وعمل بلا كسل ونية بلا فساد وصدق بلا كذب وحال بلا رياء ولذا فقد إحترمه ووقره علماء وفقهاء وأئمة عصره وما تلاه فنجد أن شيخه وخاله الشيخ منصور البطائحيّ قال عنه وزنته بجميع أصحابي وبي أيضا فرجحنا جميعًا كما ذكر القاضي أبو شجاع الشافعي صاحب المتن المشهـور في الفقه الشافعي عن الإمام أحمد الرفاعي ما نصه كان السيد الإمام أحمد الرفاعي علما شامخا وجبلا راسخا وعالما جليلا ومحدثا فقيهًا مفسرا ذا روايات عاليات وإجازات رفيعات قارئا مجودًا حافطا مجيدا حجة متمكنا في الدين كما أنه كان أعلم أهل عصره بكتاب الله وسنة رسوله وأعملهم بها وبحرا من بحار الشرع وسيفا من سيوف الله وارثا أخلاق جده رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أما الشيخ العالم الزاهد الفقيه المحدث المصرى الشافعي الشاذلي الصوفي والذى يسميه الصوفية بالقطب الرباني عبد الوهاب الشعراني هو الغوث الأكبر والقطب الأشهر أحد أركان الطريق وأئمة العارفين الذين إجتمعت الأمة على إمامتهم وإعتقادهم وقال عنه أيضا الإمام الفقيه الشافعي والمؤرخ العربي وقاضي القضاة في دمشق في القرن الثامن الهجرى خلال عهد الدولة المملوكية تاج الدين السبكي هو الشيخ الزاهد الكبير أحد أولياء الله العارفين والسادات المشمرين أهل الكرامات الباهرات وأخيرا قال عنه العالم المحدث المسلم والمؤرخ والنسابة والإخباري والأديب الشهير عز الدين بن الأثير والذى يعد من أبرز المؤرخين المسلمين العرب كان الشيخ الإمام الرفاعي صالحا ذا قبول عظيم عند الناس وعنده من التلامذة عددا لا يحصى حيث كثُر تلاميذه في حياته وبعد مماته حتى قال إبن المهذب في كتابه عجائب واسط بلغ عدد خلفاء السيد أحمد الرفاعي وخلفائهم 180 ألفا حال حياته ومن عظيم فضل الله على السيد أحمد الرفاعي أنه لم يكن في بلاد المسلمين مدينة أو قطر تخلو زواياه وربوعه من تلامذته ومحبيه العارفين المرضيين ومن الذين ينتمون إليه وكان من أهمهم وأشهرهم العارف بالله الإمام أبو الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية والإمام الحافظ والفقيه الشافعي والمفسر والمؤرخ والأديب جلال الدين السيوطي وعلاوة على ذلك كان للإمام الرفاعي العديد من المؤلفات التي فقد أغلبها أثناء غزو التتار لبلاد المشرق الإسلامي والعراق منها كتاب أهل الحقيقة مع الله وكناب النظام الخاص لأهل الإختصاص وكتاب البرهان المؤيد وكلها تبحث في التصوف السني وذلك إلى جانب كتب التحفة الرفاعية وتفسير سورة القدر وأسرار العبادات وغيرها وأخيرا كانت وفاة الإمام أحمد الرفاعي يوم الخميس 12 جمادى الأولى عام 578 هجرية عن عمر يناهز 66 عاما بعد أن داهمه مرض عضال وبقي مريضا به أكثر من شهر وكان مع شدة مرضه يتحمل الآلام الشديدة بدون تأوه أو شكوى ثابتا ومستمرا على تأدية الطاعات والعبادات التي إعتاد عليها بقدر إستطاعته إلى أن وافته المنية ودفن في قبة جده لأمه الشيخ يحيى البخارى في بلدته أم عبيدة وكان يوم وفاته يوما مهيبا رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وأسكنه فسيح جناته .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|