بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
الصورة :
******
عبارة عن سجن داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي في حي مصر القديمة، وقد أنشئ كمؤسسة عسكرية وسجن منذ العصر المملوكي، واستمر استعماله في العهد الملكي ثم العهد الثوري.
أمر الخديوي إسماعيل بإنشائه عام 1874 بعد نقله لمقر الحكم في عابدين، بهدف حجز الأجانب أولاً، ثم توسّع في ظل حكم الخديوي توفيق. بعد ثورة يوليو 1952، أصبح تابعًا للشرطة الحربية، ثم حوله هشني مبارك فيما بعد إلى متحف خاضع لوزارة الثقافة.
يقوم السجن على ممّر رئيسي طوله نحو 50 متراً، وعرضه ضيق، يحيط به على الجانبين 42 زنزانة (21 على كل جانب).
كل زنزانة تُزوّد بسريرين وشباك علوي من الحديد بارتفاع نحو 2.5 متر، وباب حديدي يُغلق من الخارج، به فتحة صغيرة قطرها حوالي 10 سم.
يوجد مطبخ ودورة مياه واسعة نسبيًا لتلبية احتياجات السجناء.
كان عدد المعتقلين اليومي يتراوح بين 80 إلى 100 شخص، يزداد أو يقل بحسب الفترات.
غرف التعذيب الشهيرة يضم السجن ثماني غرف مخصصة للتعذيب، أبرزها:-
1. غرفة "الفرن" أو "الشواية" (بالجهة الشرقية): جُهزت بشبكة من المواسير التي تُسخّن الجدران بالغاز، ما جعل جدرانها شديدة الحرارة؛ كانت تُستعمل لإدخال ما يصل لـ5 سجناء، لتوطيد الاعتراف بالإكراه.
2. غرفة "التعليق" (بالجهة الغربية): كانت تُستخدم لتعليق السجين، وقد تم تعذيب أنور السادات فيها بعد طرده من الجيش في قضية أمين عثمان قبل ثورة 1952.
3. غرفة "الحلقات": صمّمها الفرنسي لوميان في عهد الملك فؤاد (1932)، على غرار غرف التعذيب في سجن الباستيل الفرنسي. كان يتم تعليق السجين من قدميه وتدويره بسرعة، ما كان يؤدي لاضطرابات في جسمه.
المعلومة :
********
من أبرز النزلاء :
١- ابن تيمية: سُجن فيها ثلاث مرات خلال رحلته العلمية في مصر، وكانت أقصر فترات سجنه حوالي أسبوعين إلى سبعة أشهر.
٢- أنور السادات: اُعتقل في السجن خلال قضية مقتل أمين عثمان، وقضى فيه فترة مؤلمة قبل الثورة.
٣- مصطفى أمين: الكاتب الصحفي الذي سُجن في قضية تخابر، ويُقال إن جمال عبد الناصر أمر بعدم تعرضه لغرفة الحلقات.
٤- الشيخ عبد الحميد كشك: إمام جامع كشك بشارع مصر والسودان ، تعرض للتعذيب في السجن.
شخصيات أخرى تم احتجازها فيه: الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، جمال الغيطاني، عبدالرحمن الأبنودي، وفتحى الشقاقي.
- خلال إحدى الزيارات الرسمية لقلعة صلاح الدين الأيوبي، لاحظ الدكتور أحمد قدري، رئيس هيئة الآثار آنذاك، مشهدًا لا يتفق مع مكانة القلعة كصرح تاريخي وأثري؛ إذ توقفت أمام الباب المؤدي إلى متحف الشرطة سيارة كبيرة خاصة بترحيلات السجناء، وترجّل منها طابور من المسجونين مكبّلين بالكلبشات، يسيرون في صفوف ضيقة في طريقهم إلى سجن القلعة، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الزائرين المصريين والأجانب على حد سواء.
لقد أدرك الدكتور قدري أن هذا المنظر يتنافى مع القيمة الحضارية والأثرية للقلعة، ويؤثر سلبًا على صورة مصر أمام العالم، فبادر إلى مخاطبة الجهات المختصة، مستندًا إلى حق المجتمع في الحفاظ على التراث وفقًا للقانون، وضرورة حماية المواقع الأثرية من أي استخدام يخل بقدسيتها التاريخية أو يسيء إلى دورها الثقافي.
وبناءً على هذه الرؤية، صدر القرار بإلغاء استخدام سجن القلعة كمكان احتجاز، وتحويله إلى مزار أثري مفتوح ضمن مفردات القلعة المعمارية. وهكذا انتقل السجن من كونه رمزًا للعقاب ، إلى كونه شاهدًا أثريًا يوثق مراحل مهمة من التاريخ السياسي والاجتماعي لمصر.
بهذا القرار تحققت معادلة مهمة تجمع بين روح القانون، الذي يحمي كرامة الإنسان وحقه في بيئة حضارية سليمة، والوعي الأثري الذي يصون الهوية الثقافية ويحفظ الذاكرة الوطنية، لتبقى القلعة بمكوناتها كافة سجلًا مفتوحًا يروي قصص مصر عبر العصور.
- سجن القلعة —والذي تحول إلى متحف داخل مسار القلعة— عرف بأنه شهد أعمال تهذيب وترميم دقيقة وجعله جزءًا رسميًا من البرنامج الزائري.
النصوص والمصادر تشير إلى تضمينه ضمن "رفع كفاءة المباني الأثرية الموجودة بالقلعة" كإحدى المراحل الأساسية من خطة التطوير.
كما أُشير إلى أن المتحف داخل السجن (متحف الشرطة في القلعة) خضع لتقييم وملاحظات وزارية لتحسين طريقة العرض وتنفيذ أعمال الصيانة الداخلية بما يتوافق مع المعايير الأثرية ومتطلبات الزائرين.
بناءً على ذلك، يمكن التأكيد أن السجن خضع لأعمال ترميم وتحضير استثنائية قبل أن يُدرج كجزء من تجربة الزيارة الأثرية داخل القلعة.
نتيجة الترميم تحول السجن من موقع معزول إلى مزار ثقافي رسمي يروّج للذاكرة الوطنية ويثري السياحة الثقافية. |