|
|
عدد : 08-2025 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام القرشية الهاشمية رضي الله عنها وأرضاها تابعية من سيدات أهل البيت وإشتهرت بالعبادة والصلاح والزهد وهي تلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جده الأول وجدها الخامس عبد المطلب بن هاشم وهي حفيدة زيد بن الإمام الحسن إبن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها الإبنة الصغرى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والإمام علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع رضي الله عنه وأرضاه وكان مولد السيدة نفيسة رضي الله عنها بمكة المكرمة قي يوم 11 ربيع الأول عام 145 هجرية الموافق يوم 12 يونيو عام 762م في عهد الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور ولما بلغت من العمر 5 سنوات إنتقل بها أبوها إلى المدينة فكانت تذهب إلى المسجد النبوى الشريف وتسمع إلى شيوخه وأئمته وتتلقى علوم القرآن والحديث والفقه من علمائه حتى لقبها الناس بلقب نفيسة العلم وذلك قبل أن تصل لسن الزواج وكان ممن إستمعت إلى دروسهم الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وقرأت كتابه الموطأ ونهلت من علمه ومعارفه وكان أبوها الحسن بن زيد رجلا تقيا وكان يأخذها الي الغرفة النبوية الشريفة ويخاطب النبي صلي الله عليه سلم قائلا إني راض عن إبنتي نفيسة فكان يرى النبي صلي الله عليه وسلم في الرؤيا يقول له وانا راض عنها برضاك عنها والحق سبحانه وتعالي راض عنها برضاى عنها ولم يكن أبوها يتدخل في صراعات السلطة من أجل الخلافة وعلى عكس العديد من العلويين بايع العباسيين وتزوج الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفاح من إبنته أُم كلثوم بنت الحسن شفيفة السيدة نفيسة وفي عام 150 هجرية الموافق عام 767م عين الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصورأباها أميرا على المدينة المنورة لكنه عزله بعد 5 سنوات في عام 155 هجرية الموافق عام 772م ثم تعقبه وغضِبَ عليه وصادر كل ممتلكاته فباعها وحبسه فلم يزل محبوسا حتى مات أبو جعفر المنصور عام 158 هجرية الموافق عام 775م وتولى بعده الخليفة محمد المهدى الذى أخرج أباها من السجن وأعاد إليه ممتلكاته وأقدمه عليه ورد عليه كل شيء مما أخذ منه وكانت السيدة نفيسة آنذاك قد بلغت سن الزواج فتقدم الكثيرون للزواج منها لدينها وعبادتها كان منهم إسحاق المؤتمن بن جعفر بن محمد بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعا وكان جد سيدنا إسحاق هو حفيد سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه فهو إذن أيضا من آل البيت ولقب بالمؤتمن لشدة إهتمامه بالأمانات وشهد له الناس بالصلاح والتقوى وكان من رواة الحديث ولما تقدم لخطبتها لم يتلق جوابا من والد السيدة نفيسة فإنصرف وذهب الي الغرفة النبوية الشريفة وقال بعد السلام ياجدى يا رسول الله إني خطبت نفيسة لدينها فلم أتلق جوابا من أهلها وفي تلك الليلة رأى والدها في نومه رؤيا صالحة وأن رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم يقول له زوج نفيسة لإسحاق المؤتمن فأطاع أبوها أمر الرسول محمد صلي الله عليه وسلم وقبل بتزويجها بإسحاق المؤتمن ومن ثم فقد تم الزواج في شهر رجب عام 161 هجرية الموافق شهر أبريل عام 778م وكان سنها آنذاك 16 عاما فأنجبت له القاسم وأم كلثوم .
ولم يزل الحسن بن زيد أبو السيدة نفيسة في صحبة الخليفة المهدى حتى خرج المهدي يريد الحج في عام 168 هجرية الموافق عام 785م وخرج معه الحسن بن زيد فكان الماء في الطريق قليلا فخشى المهدى على من معه العطش فرجع من الطريق ولم يحج تلك السنة لكن الحسن سار إلى مكة فإشتكى أياما ثم مات في الطريق قبل أن يصلها ودفن بمكان يسمى الحاجر هناك وبعد وفاته وفي عام 193 هجرية الموافق عام 809م رحلت نفيسة مع أسرتها إلى مصر ومرت الأسرة وهي في طريقها بقبر الخليل نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحين علم أهل مصر بقدومها هي وأسرتها خرجوا لإستقبالهم في العريش ثم صحبوها إلى الفسطاط عاصمة مصر آنذاك وكان وصول السيدة نفيسة إلى الفسطاط في يوم 26 رمضان عام 193 هجرية الموافق يوم 16 يوليو عام 809م ورحب بها أهل مصر ترحيبا حارا ودعاها كبير تجار مصر للإقامة فى داره فمكثت عنده عدة شهور ثم إنتقلت بعدها إلى دار أم هانئ وهى إمرأة مصرية ورعة وبعدها لدار ثالثة فى منطقة الحسينية وعلى مدى تلك الفترة تقاطر على مسكنها المصريون من جميع أرجاء البلاد طالبين منها الدعاء لهم لقضاء حوائجهم بعدما عرف عنها من كرامات وللسؤال عن أمور دينهم لما عرف عنها من تبحر فى علوم الدين وأقبلوا عليها يلتمسون منها العلم حتى كادوا يشغلونها عما إعتادت عليه من عبادات وأوراد فخرجت عليهم قائلة كنت قد إعتزمت المقام عندكم غير أني إمرأة ضعيفة وقد تكاثر حولي الناس فشغلوني عن أورادى وعبادتي وجمع زاد معادى وقد زاد حنيني إلى روضة جدى المصطفى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ففزعوا لقولها ورفضوا رحيلها حتى تدخل والي مصر العباسي آنذاك السرى بن الحكم وقال لها يا إبنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إني كفيل بإزالة ما تشكين منه فوهبها دارا واسعة بمنطقة درب السباع لإستقبال ضيوفها وهى نفس الدار التى دفنت فيها وأقيم ضريحها ومسجدها بها فيما بعد وهو نفس المكان الموجود حاليا بالقاهرة وحدد يومين في الأسبوع هما السبت والأربعاء يزورها الناس فيهما طلبا للعلم والنصيحة لكي تتفرغ هي للعبادة بقية الأسبوع فرضيت وبقيت ولم ترحل وكانت تكثر من العبادة وقراءة القرآن والذكر وكانت لها سلة معلقة في مصلاها فإذا رغبت في شيء وجدته في السلة فتتعجب السيدة زينب بنت أخيها يحيى المتوج فتقول لها السيدة نفيسة يا زينب من إستقام مع الله كان الكون معه وفي خدمته وفي طاعته ولما وفد الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر عام 198 هجرية الموافق عام 814م ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي ومؤسس علم أصول الفقه وإمام علوم التفسير والحديث توثقت صلته بالسيدة نفيسة بنت الحسن وإعتاد أن يزورها وهو في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط وفي طريق عودته إلى داره وكان يصلي بها التراويح في مسجدها في شهر رمضان وكلما ذهب إليها سألها الدعاء خاصة إذا نزلت به نازلة حيث إشتهرت بإجابة دعاءها وأوصاها بأن تصلي عليه في جنازته ولما توفى عام 204 هجرية الموافق عام 820م قالت رحم الله الإمام الشافعى كان رجلا يحسن الوضوء ولما مرت جنازته بدارها صلت عليه صلاة الجنازة إنفاذًا لوصيته .
وقد عرف عن السيدة نفيسة بنت الحسن رضي الله عنها زهدها وورعها وتقواها وحسن عبادتها وعدلها ويروى أنها لما كانت بالمدينة المنورة كانت تمضي أكثر وقتها في المسجد النبوى الشريف تتعبد وتروى زينب إبنة أخيها قائلة خدمت عمتي السيدة نفيسة أربعينَ عاما فما رأيتها نامَت بلَيل ولا أفطرت إلا العيدين وأيام التشريق فقلت لها أمَا ترفُقِين بنفسِك فقالت كيف أرفُق بنفسي وأمامي عقبات لا يقطَعهن إلا الفائزون وكانت تقول كانت عمتي تحفَظ القرآن وتفسره وكانت تقرأ القرآنَ وتَبكي وقيل أنها حفرت قبرها الذي دفنت فيه بيديها وكانت تنزل فيه وتصلي كثيرا وقرأت فيه المصحف قيل ستة آلاف ختمة وهي تبكي بكاءا شديدا كما ذكروا أنها حجت أكثر من ثلاثين حجة أكثرها ماشية على قدميها كانت فيها تتعلق بأستارالكعبة المشرفة وتقول إلهي وسيدي ومولاي متعني وفرحني برضاك عني ولا تسبب لي سببا يحجبك عني كما أنها كانت شديدة في الحق لا تهاب الأمراء وفي أواخر حياتها مرضت مرضا قصيرا وفي آخر ختمة فرآن لها كانت تقرأ من سورة الأنعام قول الله تعالي لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون وقبض ملك الموت روحها وهي علي هذا الحال وكانت صائمة رغم مرضها ورفضت أن تفطر وكان ذلك عام 208 هجرية الموافق عام 824م وكان سنها حوالي 63 عاما وأراد زوجها أن ينقلها إلي المدينة المنورة ليدفنها هناك في البقيع إلا أن أهل مصر تمسكوا بها كثيرا حتي رأى زوجها النبي محمد صلي الله عليه وسلم يقول له لا تعارض أهل مصر في نفيسة وإتركها لهم فإن الخيرات تتنزل عليهم ببركاتها ففرح وسر أهل مصر بذلك فرحا وسرورا عظيما وتم دفنها في أرض مصر وإلي يوم البعث بإذن الله تعالي رضي الله عنها وأرضاها وأسكنها فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ونظرا لحب المصريين الشديد والجارف لها فقد أطلقوا عليها العديد من الأسماء والألقاب منها نفيسة العلم والدارين والسيدة الشريفة العلوية والسيدة النقية والعفيفة والساجدة والمتبحرة وأم العواجز وفرع الرسالة وجناح الرحمة ونفيسة المصريين .
وبعد وفاة السيدة نفيسة بنت الحسن رضي الله عنها أقام والى مصر العباسي عبيد الله بن السرى بن الحكم المشهد النفيسى على قبرها ويشير المؤرخون إلى أن كافور الإخشيدى الذى حكم مصر خلال الفترة من عام 355 هجرية حتى عام 357 هجرية كان يزور المشهد كل يوم خميس فيترجل من على حصانه ويدخل المكان حاسر الرأس للدعاء وكان يرسل الزيت والشموع والعطور والقناديل للحفاظ على رونق المقام وفى عهد الدولة الفاطمية أمر الخليفة الخامس المستنصر بالله فى عام 482 هجرية بإعادة بناء المشهد فأقيمت عليه قبة وسجل ما قام به على لوح من الرخام تم وضعه على باب الضريح وفى عهد الخليفة الحادى عشر الحافظ لدين الله تصدعت القبة فأمر بتجديدها فى عام 532 هجرية وتم تكسية المحراب بالرخام وفي عام 752 هجرية أمر السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون بتجديد المشهد وأن يصبح الإشراف عليه من إختصاص الخلفاء العباسيين الشرفيين الذين إنتقلوا إلى القاهرة بعد غزو المغول لعاصمتهم بغداد وعندما توفى الخليفة العباسي الشرفي أبو العباس أحمد بن العباس أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بدفنه بالقرب من المشهد النفيسى وأقيمت له قبة خلف قبة السيدة نفيسة تعرف بإسم قبة الخلفاء العباسيين ودفن إلى جواره عدد من كبار العباسيين ومازالت موجودة خارج المسجد ووصف الرحالة والشاعر الدمشقى عبدالغنى النابلسي الذى عاش خلال الفترة من علم 1050 هجرية حتى عام 1143 هجرية وزار مصر ودفن فيها تعلق المصريين بالسيدة نفيسة ومحبتهم لها وأن حكام مصر من خلفاء وسلاطين كانوا يبدأون زيارة مساجد أهل البيت بالمشهد النفيسى ويختمونها بالمشهد الحسيني وفى القرن الثامن عشر الميلادى وفى ظل الحكم العثماني يسجل الجبرتى أنه فى عهد على بك الكبير قام الأمير المهندس عبدالرحمن بك كتخدا بإعادة إعمار مساجد القاهرة ومنها مساجد السيدة زينب والإمام الحسين والسيدة سكينة والمشهد النفيسى فى عام 1760م كما سجل على مبارك فى خططه التوفيقية وصفا تفصيليا للمشهد والمسجد مضيفا أنه يتم الإنفاق عليه من حصيلة الأوقاف المُخصص ريعها له وحصيلة صندوق النذور إضافة إلى قيام نظارة الأوقاف بتوفير الحصير والأبسطة وزيت الإنارة للمسجد وقد إهتم الخديوى عباس حلمى الثانى أيضا بمساجد أهل البيت فتمت إعادة بناء المسجد على النحو القائم حاليا فى عهده وبنيت مئذنة جديدة بدلا من المئذنة القديمة ذات التراث العثمانى وإفتتح المسجد فى عام 1897م ويتوسط الواجهة الرئيسية للمسجد مدخله الرئيسي والذى يبرز عن الواجهة وتغطيه طاقية مقرنصة وللمسجد مئذنة رشيقة تم تشييدها علي الطراز المملوكي ومدخل المسجد يؤدى إلى حيز مربع مسقوف بسقف خشبي منقوش بزخارف عربية جميلة ويعلو منتصفه شخشيخة مرتفعة وهذا السقف تحمله 3 صفوف من العقود المرتكزة على أعمدة رخامية مثمنة القطاع وجدار القبلة يتوسطه محراب مكسو بالقيشاني الملون البديع وفي طرف هذا الجدار وعلي يمين المحراب يوجد باب يؤدى إلى ردهة مسقوفة وبوسط السقف شخشيخة محلاة بزخارف ونقوش عربية بديعة وهذه الردهة تؤدى بدورها إلى الضريح بواسطة فتحة معقودة والضريح حوله مقصورة نحاسية فوقها قبة ترتكز في منطقة الإنتقال من الشكل المربع إلي الشكل الدائرى علي 4 أركان من المقرنص المتعدد الحطات وأيضا تؤدى الردهة إلى عدد من الحجرات المتسعة التي يتم حاليا فيها الإحتفال بالمناسبات الإجتماعية مثل عقود الزواج وجدير بالذكر أنه كان قد تم صنع محراب خشبي للمسجد عام 532 هجرية الموافق عام 1137م تتمثل به دقة الصناعة الفاطمية وجمالها وبهائها وهو محفوظ الآن ومعه محرابان آخران كانا قد صنعا خصيصا أحدهما للجامع الأزهر والثاني لمشهد السيدة رقية بمتحف الفن الإسلامي بحي باب الخلق بالقاهرة . |
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|