الجمعة, 30 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

صورة ومعلومة.. من قلب الأثر
(لوحات تمثال إبراهيم باشا)

صورة ومعلومة.. من قلب الأثر 
(لوحات تمثال إبراهيم باشا)
عدد : 08-2025
بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار

الصورة:
******
قراءة أثرية في لوحات تمثال إبراهيم باشا – شاهد بصري على مجد قائد مصري

تتألف هذه الصورة من ثلاث كادرات متتابعة، تُعد بمثابة وثيقة بصرية تكمّل السرد التاريخي لتمثال القائد العسكري العظيم إبراهيم باشا، الابن البكر لمؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا.

الكادر الأول: لوحة منحوتة بتقنية النحت الغائر، تُزيّن الواجهة الأمامية السفلية لقاعدة التمثال، وتُقابل مباشرة الخارج من الباب الرئيسي لدار الأوبرا الخديوية القديمة – ذلك المبنى الأيقوني الذي كان بدوره رمزًا للنهضة الفنية والثقافية التي أرادها الخديوي إسماعيل في مصر القرن التاسع عشر .

تتميّز هذه اللوحة بدقة التنسيق بتواريخ الإنتصارات التى قام بها البطل ابراهيم باشا .. فهى تحمل رموزًا عسكرية وزخرفية، وهي تشكّل جزءًا من القاعدة الأصلية المصنوعة من حجر التريستا الصلب، وهو حجر طبيعي يُعرف بقوته ومقاومته للعوامل الجوية، وقد استُخدم هنا كخلفية صلبة تُبرز فخامة البرونز المنصهر فوقها.

الكادر الثاني والثالث : عبارة عن لوحتان من النحت البارز المصبوب من البرونز، مثبتتان على جانبي قاعدة التمثال، تُجسّدان مشهدين حربيّين مجيدين من مسيرة إبراهيم باشا العسكرية، في لحظتين حاسمتين من تاريخ الشرق الأوسط خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

كل لوحة تُصور بانوراما قتالية، حيث تظهر التفاصيل بتقنية الإبراز النحتي لتمنح المشهد حركة وعمقًا، وكأن البرونز ينبض بالحياة. تمثّل إحداهما معركة نزيب الشهيرة، التي انتصر فيها إبراهيم باشا على العثمانيين عام 1839م، أما الأخرى فتصوّر حصار عكا عام 1832م، والذي سقطت فيه المدينة بعد مقاومة عنيفة، لتُضاف إلى سلسلة انتصارات مصرية كبرى ضد النفوذ العثماني في الشام.

* من هو القائد العسكري ابراهيم باشا؟

وُلد إبراهيم باشا في عام 1789م في بلدة قَوْلَة (Kavala) الواقعة في مقدونيا – شمال اليونان حاليًا، وكان منذ نعومة أظافره محلّ رعاية خاصة من والده محمد علي.
اهتم به والده كاهتمام القادة ببناة الدول، فألحقه بأكفأ المعلمين، فتلقى علومه باللغة التركية وأتقنها، ثم توسّع في دراسة اللغة الفارسية واللغة العربية، وأتم حفظ القرآن الكريم على أيدي خيرة شيوخ عصره. وقد شكّل هذا التكوين العلمي والديني المبكر شخصية متوازنة، جمعت بين الصرامة العسكرية والانضباط الثقافي.

المعلومة :
*******

تمثال إبراهيم باشا... حكاية وطن على قاعدة من التريستا وذاكرة لا تموت..

في قلب القاهرة، حيث يلتقي عبق التاريخ بصخب الحاضر، يقف تمثال "إبراهيم باشا" شامخًا كأنما لا يزال يتقدم جيوشه من نصر إلى نصر. هذا التمثال البرونزي البديع، القابع اليوم في ميدان الأوبرا، ليس مجرد عمل فني؛ بل هو نصبٌ يحمل بين تفاصيله قصصًا من المجد، والنفي، والصراع، والسياسة، والذاكرة الوطنية.

تبدأ الحكاية في عام 1872م، حين أراد الخديوي إسماعيل أن يخلّد ذكرى والده القائد العسكري الفذ إبراهيم باشا، الذي أرّخ لنفسه صفحات مجيدة في تاريخ العسكرية المصرية. فوكل إلى النحات الفرنسي الشهير شارل كورديه (Cordier) مهمة نحت تمثال برونزي يُجسّد هيبة القائد المصري، فأتقنه الفنان ببراعة أوروبية، لكنه وضعه على قاعدة من حجر التريستا الصلب، الثابت في وجه الزمن، والمزيّن بألواح برونزية ترمز إلى انتصارات إبراهيم باشا في ميادين القتال.

نُصب التمثال أولاً في ميدان العتبة الخضراء، الميدان الذي حظي بتخطيط معماري على يد البارون هوسمان، مهندس باريس الحديثة. إلا أن تسمية "العتبة الخضراء" لم تكن بهذا الصفاء منذ البداية، إذ يروي الكاتب الصحفي عباس الطرابيلي في كتابه «أحياء القاهرة المحروسة» أن الاسم تغيّر عدة مرات، وكان يُطلق على المكان سابقًا اسم "العتبة الزرقاء"، إشارةً إلى سراي شهيرة كانت قائمة هناك، تنقّلت ملكيتها بين علية القوم، من الحاج محمد الدارة الشرايبي، إلى الأمير رضوان كتخدا الجلفي، ثم إلى محمد بك أبو الدهب، فـطاهر باشا الكبير، وأخيرًا إلى الأمير طاهر باشا ناظر الجمارك في عهد محمد علي.

ومع مجيء إسماعيل وإعادة تخطيط منطقة الأزبكية وردم ما تبقى من بركتها، اندمج جزء من السراي في تخطيط الميدان الجديد، وسُمّيت المنطقة بـ"العتبة الخضراء". أما قصر السراي ذاته، فقد تحوّل إلى المحكمة المختلطة خلف دار الأوبرا القديمة.

لكن القصة لا تستقر هنا...

ففي عام 1882م، ومع اندلاع الثورة العرابية ضد الاستبداد والتبعية، كان الغضب الشعبي يتفجر في وجه كل ما يرمز إلى الأسرة الحاكمة. فكان التمثال هدفًا لغضب الجماهير، فتم خلعه من قاعدته ونقله إلى أحد المتاحف، حيث بقي هناك تسع سنوات كاملة، طي النسيان، ينتظر عودة الاستقرار.

ومع حلول تسعينيات القرن التاسع عشر، أعيد التمثال إلى الهواء الطلق، ولكن هذه المرة إلى ميدان الأوبرا، الذي غيّر اسمه ليصبح: ميدان إبراهيم باشا، قبل أن يُعاد تسميته بعد ثورة يوليو 1952 إلى ميدان الأوبرا سنة 1954.

لكن أكثر ما يُضفي على التمثال بعدًا سياسيًا ودوليًا شائقًا، هو ما حدث مع اللوحتين البرونزيتين اللتين صمّمهما كورديه ليزيّن بهما قاعدة التمثال.

إحدى اللوحتين تُجسّد معركة نزيب، والأخرى تُخلّد انتصار إبراهيم باشا في عكا، وكلتاهما معركتان كبد فيهما الجيش المصري الدولة العثمانية خسائر فادحة.

هنا، ثارت حفيظة الدولة العثمانية (تركيا الحديثة لاحقًا)، ورفضت بشدة وضع اللوحتين في قلب القاهرة، كرمز علني لهزيمتها. فما كان من كورديه إلا أن أخذ اللوحتين معه إلى باريس، حيث عرضهما هناك، ثم احتفظ بهما في بيته بعيدًا عن أعين السياسة.

ومرت السنوات، حتى جاء عام 1948م، الذكرى المئوية الأولى لوفاة إبراهيم باشا. حينها، قررت الحكومة المصرية أن تُعيد للتمثال بهاءه المفقود، فسعت لاسترجاع اللوحتين. لكن حفيد كورديه زعم أنه بحث عنهما في بيت جده ولم يجدهما.

وهنا نهض الفن المصري لينقذ ذاكرته، فتم تكليف المثالَين المصريَين الكبيريَن أحمد عثمان ومنصور فرج (رحمهما الله)، بصنع نسختين طبق الأصل من اللوحتين، وهما اللوحتان القائمتان اليوم على جانبَي قاعدة التمثال، تنبضان بالعزة المصرية.

ومن يقترب اليوم من قاعدة التمثال، سيقرأ العبارة المنقوشة بخط المجد:

> "سلامٌ على إبراهيم، قاد جيشه من نصر إلى نصر"،

وتحتها قائمة المعارك التي خاضها، محفورة على الرخام، لا تمحى.
وهكذا، لم يكن تمثال إبراهيم باشا مجرد كتلة من البرونز أو الحجر، بل شاهدٌ أبدي على صراع الشعوب، على الذاكرة، وعلى الكرامة المصرية التي انتصرت، مرة أخرى، على الزمن.
 
 
الصور :