بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
الصورة :
******
في لحظةٍ يعتز بها القلب قبل العدسة، سعدت بلقاء أستاذنا الجليل الدكتور عصام صفي الدين، معلم الأجيال، وأحد أبرز أعلام العمارة في مصر، مستشار أكاديمية الفنون للعمارة، ومؤسس "بيت المعمار" (بيت علي لبيب).
تم اللقاء الكريم في أروقة متحف الزعيم مصطفى كامل بميدان صلاح الدين بالقلعة، ذلك الصرح الذي يفوح بعبق الوطنية والتاريخ، وكان ذلك في ضيافة الدكتورة نادية أحمد، مدير عام المتحف، خلال ندوتها الراقية عن ذكرى ثورة 23 يوليو.
تناولت الندوة سيرة واحد من رموز هذه الثورة وأحد عمالقة الثقافة المصرية: الأستاذ الدكتور ثروت عكاشة (بفتح حرف العين)، الذي يُعد من أبرز من ساهموا في إنقاذ آثار النوبة، وتركوا بصمة خالدة في سجل حماية التراث المصري.
لقاء نادر جمع بين الفكر، والتاريخ، والمعمار، والهوية الوطنية.
المعلومة:
******
في عام 1985، بدأت رحلتي المهنية بالتحاقي بأحد أشهر المكاتب الهندسية للديكور كمهندس تنفيذ، واستمرت قرابة عشرين عامًا. تميزت هذه المرحلة بترجمة عملي الميداني—من رفع مقاسات وإعداد مخططات—إلى نماذج ماكيتات كرتونية تساعد العميل على تصور المشروع قبل تنفيذه، ما أتاح مساحة للتعديل والتحسين.
كنت أتمنى أن أنضم إلى فريق عمل أستاذنا العملاق د. عصام صفي الدين، لأتعلّم منه فن تشكيل الماكيتات باستخدام البلاستيك، لكن الأقدار لم تمنحني هذا الشرف.
الدكتور عصام صفي الدين، قامة علمية متعددة الأبعاد، بدأ في عام 1965 مسيرته الأكاديمية كأستاذ محاضر ومرشد في عدة كليات مرموقة: الهندسة، الفنون الجميلة، الآثار، السينما، الفنون المسرحية، والسياحة. درّس موادًا ثرية كالعمارة الإسلامية، التصميم المعماري، الدراسات البصرية، والجماليات.
تقلّد مناصب استشارية رفيعة: مستشار أكاديمية الفنون للعمارة، والمكتب العربي لمباني الفنون، إضافة إلى دوره البارز في التصميم العمراني والعرض المتحفي.
يُعرف بأنه مؤسس علم "العمارة الشعبية" في مصر، التخصص الذي يرصد العمارة التي أبدعها الإنسان البسيط على مر العصور، دون تدخل من المعماري الأكاديمي، وهو علم حقيقي يوثّق ذاكرة الناس وموروثهم العمراني.
على مدى أكثر من ستة عقود، جاب الدكتور صفي الدين ربوع مصر، مسجلًا بعدسته وريشته جماليات العمارة الشعبية، وجمع نحو 40 نموذجًا مجسّمًا ولوحات توثيقية تُعرض حاليًا في متحف الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون.
أسس "بيت المعمار المصري" ومتحف الفنون الشعبية، وكان حريصًا على بلورة منهج واضح لتحديد الهوية المعمارية الشعبية المصرية، بعيدًا عن مفاهيم العمارة البيئية أو المستدامة.
وفي نوفمبر 2023، نظّم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري معرضًا فريدًا بعنوان "العمارة الشعبية: رؤى ومسيرة" بدار الأوبرا – مركز الهناجر. ضمّ المعرض 74 نموذجًا مجسّمًا وتحليلات معمارية شاملة للهويات البصرية لمناطق مصر المختلفة.
وقد وصفته وزيرة الثقافة بأنه من أعلام العمارة الشعبية في مصر، لما قدّمه من قراءة تراثية ومعرفية نادرة لهذا اللون الفريد من العمارة.
يرى الدكتور صفي الدين أن العمارة الشعبية ليست نتاج مخططات أكاديمية، بل استجابة تلقائية للبيئة والسلوك الإنساني، ومحصّلة لتجربة جماعية طويلة مع المناخ والمجتمع.
انتقد بوضوح ظاهرة "الأسطى المعماري"، التي تمثل البناء العشوائي المنفصل عن القيمة الفنية والدراسة المنهجية، معتبراً أنها تشوّه الهوية المعمارية الحقيقية للمدن المصرية.
شارك في تصميم وتنفيذ العديد من المتاحف الكبرى، مثل: متحف الطفل، المتحف الحربي، متحف دنشواي، متحف النوبة، متحف الحضارة، والعرض المتحفي بمتحف الفنون الشعبية.
نال خلال مسيرته شهادة امتياز من المعماري حسن فتحي، وتقديرًا خاصًا من المفكر جمال حمدان، كما كرّمه اتحاد المعماريين المصريين مرتين، وحصل على عدة شهادات تقدير من مؤسسات علمية وثقافية.
كان اللقاء معه ثريًا وملهمًا، حين تلتقي الفنون المعمارية مع الثقافة الأثرية والترميمية، برؤية من عاصَروا وتفاعلوا مع فترات التكوين الثقافي. تحدثنا عن تصميم الممر التاريخي بين مسجدي السلطان حسن والرفاعي، وكيف استلهم فكرته من تجربة الترام اليومية، ليصنع ممرًا إنسانيًا ينبض بهوية المكان.
تناولنا أيضًا آثار النوبة، والفنان النوبي الكبير د. أحمد عثمان، والنحات الدكتور منصور فرج، ودورهم البارز في دفع الفن المصري إلى آفاق العالمية والمعاصرة.
دعائي الصادق لأستاذنا الجليل ولجميع معلمي الأجيال بالصحة وطول العمر والعطاء المتجدد.
|