بقلم المهندس/فاروق شرف
مدير عام ترميم الآثار الاسلامية والقبطية - آنذاك
الصورة :
******
إيوان القبلة بمسجد وخانقاة الأمير شيخو القبلي– شارع الصليبة، القاهرة التاريخية.
يُعد إيوان القبلة بمسجد وخانقاة الأمير شيخو أحد أبرز العناصر المعمارية المملوكية بشارع الصليبة، ويتميّز بما يحتويه من عناصر فنية ومعمارية فريدة، أبرزها: عشرة أعمدة رخامية شاهقة، تتكوّن كل منها من قاعدة (Base)، وبدن (Shaft)، وتاج (Capital) تعلوه، وجميعها تدعم سقفًا خشبيًا نادرًا من حيث التصميم والزخرفة.
يتكوّن هذا السقف من وحدات خشبية زخرفية متشابكة، تحمل زخارف نباتية وهندسية مملوكية الطابع، ترتكز بدورها على براطيم خشبية مشغولة بدقة، تمثل قيمة فنية عالية وتُعد من النماذج القليلة الباقية على حالتها الأصلية.
المعلومة :
*******
ضرةرة المعالجة الإنشائية الدقيقة لميل أعمدة الإيوان:
- أظهرت أعمال المسح الهندسي والفحص البصري الدقيق ميلًا واضحًا في الأعمدة الرخامية العشرة، تراوح بين 5 سم و19 سم، وهو ميل خطير يتجاوز الحدود المسموح بها إنشائيًا، ويُنذر بانهيار جزئي أو كلي للسقف الخشبي المزخرف، وما يتبع ذلك من خسائر أثرية جسيمة لا تُعوّض، خاصة في العناصر الخشبية والزخرفية الأصلية.
- يتمثل التحدي الرئيسي في استعدال (تصحيح) ميل الأعمدة، مع الحفاظ الكامل على الوضع القائم للسقف الخشبي، وعدم السماح بأي هبوط رأسي أو حركة أفقية، حتى ولو بمقدار 1 ملم، نظرًا لحساسية واستقرار نظام التعشيق والتعليق في الوحدات الزخرفية الخشبية، والذي لا يتحمل أي تغيير في نقاط التحميل أو التثبيت.
الحل الترميمي المقترح (دون مساس بالسقف):
*****************
1. دراسة ميكانيكا التربة أسفل قواعد الأعمدة لتحديد ما إذا كان الميل ناتجًا عن هبوط تفاضلي أو خلل في الطبقات الداعمة.
2. رفع نمذجة ثلاثية الأبعاد (3D Scanning) لكامل الإيوان، لتسجيل الوضع الهندسي الحالي بدقة ميليمترية، تمهيدًا للمقارنة المستمرة أثناء أعمال التدعيم والاستعدال.
3. دعم السقف الخشبي مؤقتًا باستخدام نظام شدادات رأسية وأفقية، بتصميم هندسي لا يؤثر على النقاط الحاملة الأصلية، وباستخدام خامات غير تفاعلية (مثل البولي يوريثان أو الفولاذ المغطى)، مع توزيع الأحمال بدقة.
- توثيق شامل قبل وبعد وأثناء التدخل، بالصور، والرفع المعماري، والخرائط الإنشائية، وفقًا لمواثيق الترميم الدولية (مثل ميثاق البندقية 1964م وميثاق اليونسكو للتراث العالمي).
** (تنفيذ عملية ترميمية دقيقة لحماية السقف الخشبي والزخارف الأصلية)**
*******************
في إطار جهود صون التراث المعماري المملوكي، تم تنفيذ تدخل دقيق لحل مشكلة ميل الأعمدة الرخامية في إيوان القبلة بمسجد وخانقاة الأمير شيخو بشارع الصليبة، والبالغ عددها عشرة أعمدة. وقد تراوح الميل بين 5 سم و19 سم، ما شكّل خطرًا داهمًا على سلامة السقف الخشبي المزخرف النادر، بما يحمله من وحدات زخرفية هندسية ونباتية وبراطيم خشبية متقنة.
أولًا: خطة الصلب وحماية السقف
قبل البدء في أي عملية تفكيك أو استعدال، تم تنفيذ عملية الصلب والتأمين الشامل للسقف الخشبي والعقود، عبر الخطوات التالية:
1. تركيب كمرة حديدية رئيسية (I-beam) بعرض 40 سم على جانبي الإيوان، بحيث توضع بدقة أسفل المخدة الخشبية فوق تاج العمود من جهة، وتحت رِجل العقد الحجري من الجهة الأخرى.
2. تم ربط هذه الكمرات الحديدية بأعمدة حديدية رأسية تُوضع بين كل عمودين رخامين، ويتم تثبيت النظام بالكامل بلحامات معدنية دقيقة، تضمن استقرارًا كاملاً دون أي حركة للسقف، حتى ولو بمقدار 1 ملم.
3. أعقب ذلك تثبيت دعائم خشبية مناسبة أسفل كل عقد حجري لضمان الاتزان الكلي للسقف والأقبية أثناء تنفيذ التدخلات.
ثانيًا: عملية تفكيك العمود المائل
بمجرد تحقق الاستقرار الكامل، تم البدء في تفكيك عمود رخام واحد فقط، وفق تسلسل دقيق:
1. إذابة مادة الرصاص (Lead) القديمة التي كانت تُستخدم قديمًا لتثبيت بدن العمود بالتاج والقاعدة، وذلك لتسهيل فك الأجزاء دون إحداث كسر أو ضرر.
2. بعد فك الأجزاء، تم استقبال العمود بونش آمن ووضعه أفقيًا على دمسة خشبية ناعمة تمهيدًا لأعمال التنظيف والترميم.
ثالثًا: تدعيم القاعدة وإعادة تركيب العمود
1. تم تنفيذ قاعدة خرسانية مسلحة جديدة أسفل موضع العمود، مع مراعاة أن تكون تحت مستوى أرضية المسجد التاريخية.
2. خرجت من كل ضلع للقاعدة الجديدة أشواك حديدية (أشاير) من أسياخ حديد مشرشر (Ribbed Steel Bars) لربط جميع القواعد ببعضها من خلال عَمد ميدية (Beams)، تشكّل شبكة إنشائية مترابطة تضمن ثبات جميع الأعمدة.
3. أُعيد تركيب العمود في موقعه الأصلي، باستخدام ميزان القامة والخيط لضبط الوضع الرأسي بدقة ميليمترية.
4. بعد التأكد من تمام الاستعدال، أُعيد ملء الفراغات بمادة الرصاص، كما كانت عليه الحالة الأصلية.
ملاحظات توثيقية:
***************
- الجهة المشرفة: كان هذا العمل تحت إشراف دقيق من د. أسامة النحاس، وبرعاية الأستاذ الدكتور شعبان طه، رئيس قطاع المشروعات آنذاك.
- الجهة المنفذة: نفذ العمل شركة مجاهد خليفة للمقاولات، التي بادرت بذبح خروف في موقع أول عمود تم فكّه، تعبيرًا عن فرحتهم بنجاح تنفيذ هذا البند المعقد دون تحريك السقف ولو بمقدار مليمتر، وهو ما كان يُعد تحديًا إنشائيًا وترميميًا بالغ الصعوبة.
خلاصة فنية:
**********
إن فن درء الخطورة ووضع أنظمة صلب مؤقتة دقيقة سواء كانت معدنية أو خشبية، لا يقل في أهميته عن جوهر أعمال الترميم ذاتها. فالحفاظ على الاتزان الإنشائي والفراغي دون مساس بالأصالة المعمارية يمثل أحد أعلى أشكال المهارة في مجال الترميم العلمي للمباني الأثرية.
|