|
|
عدد : 07-2025 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهرالمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام القرشية العدوية رضي الله عنها تابعية من الرعيل الأول من التابعين وهي تلتقي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد السابع كعب بن لؤى وأبوها هو عاصم بن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن ثم فهي تنتسب إلى بني عدى أحد بطون قريش والتي تنتسب إلى جدها الثامن عدى بن كعب والتي قرشها أى جمعها سيد قريش قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي صلى الله الله عليه وسلم في مكة من أبناء وأحفاد فهر الجد العاشر للنبي صلى الله عليه وسلم وكونت قبيلة قريش بعد أن أخرج منها قبيلة خزاعة في منتصف القرن الخامس الميلادى وليسيطر على مكة المكرمة والبيت الحرام وتصبح قبيلة قريش صاحبة السيادة فيها بعد أن ظلت قبيلة خزاعة هي المسيطرة عليها طوال أكثر من ثلاثة قرون وكان ينتمي إلى هذه البطن غير السيدة ليلى بنت عاصم وأبوها عاصم بن عمر بن الخطاب وجدها عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعا عمها عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمتها السيدة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وكان من هذه البطون أيضا بنو زهرة والتي تنتمي إليها السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف أم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابيان الجليلان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما واللذان كانا من العشرة المبشرين بالجنة والصحابي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وبنو سهم والذين كان منهم الصحابة الكرام عمرو بن العاص رضي الله عنه وشقيقه هشام بن العاص وإبنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعا وبنو تيم والذين كان منهم الصحابيان أبو بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله والسيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعا وكانت أم ليلى هي أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفية وهي تلتقي مع زوجها عاصم في الجد التاسع عشر له والسابع عشر لها مضر بن نزار بن معد وهي تنتمي إلى قبيلة ثقيف وهي من أشهر قبائل العرب وكانت منذ ما قبل الإسلام وإلى اليوم تقيم في مدينة الطائف وما حولها غرب شبه الجزيرة العربية وهي إحدى قبائل قيس عيلان المعروفة بِالقبائل القيسية والتي إنحدرت من قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد .
وتبدأ قصتنا مع السيدة ليلى بنت عاصم في ليلة ساكنة من ليالي المدينة المنورة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد سجى ليلها أوى الناس فيها إلى دورهم ومضاجعهم يلتمسون الدفء من ذلك البرد الزاحف إلا أن رجلا واحدا أفزعته مسؤولياته نضا عنه غطاءه وخرج يجوب طرقات المدينة التي خلت من الناس ولم يبق بها سوى قطع الظلام الدامس ولفحات الريح الباردة وخرج ذاك الرجل وحده يعس في الليل فلعل هناك إبن سبيل لا يجد مأوى أو مريضا أسهره الألم أو جائعا لا يجد ما يسد به رمقه أو لعل هناك شأنا من شؤون رعيته قد غاب عنه وهو مسؤول عن دابة قد تتعثر بعيدا في شاطىء الفرات والله سبحانه سائله عن ذلك ومحاسبه عليه وكان ذاك الرجل هو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب الذى طال طوافه في ذاك الليل البهيم وكاد التعب يستولي على جسمه فإستند إلى جدار دار صغيرة في طرف المدينة ووقف يستريح بعض الشيء ليتابع طوافه بعد قليل نحو المسجد فقد أوشكت خيوط الفجر بالظهور وأخذت جيوش الظلام تعد العدة لتترك مكانها لضياء النهار وفي تلك اللحظات ترامى إلى سمعه صوت إمرأتين داخل الدار الصغيرة وكان ذلك حوارا بين أم وإبنتها وكانت البنت تجادل أمها وترفض أن تمزج اللبن الحليب بالماء فكانت الأم تقول لها إمزجي اللبن بالماء فقالت الفتاة لها إن أمير المؤمنين عمر منع عنا مذق اللبن ألم تسمعي مناديه بالأمس ينهى عن ذلك فقالت لها الأم إن عمر لا يرانا ولا يدرى بنا الآن في هذه الساعة المتأخرة من هذا الليل فردت البنت على الفور يا أمي إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا والله ما كنت لأفعله وقد نهى عنه فكانت عبارة هذه الفتاة بردا وسلاما على قلب سيدنا عمر رضي الله عنه الذي تملكه العجب من جوابها لأمها الذي يجمع بين الصدق والإيمان والخوف من الله عز وجل ومراقبة النفس سرا وعلانية وأسرع لتوه إلى المسجد النبوى الشريف وصلى بأصحابه صلاة الفجر ثم عاد إلى بيته وكلمات الفتاة الصادقة تعاود سمعه إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا ودعا عمر رضي الله عنه إبنه عاصما وكان مزمعا على الزواج وأرشده إلى بيت الفتاة وحدثه بما سمع وقال قولته المشهورة إذهب يا بني فتزوجها فما أراها إلا مباركة ولعلها تلد رجلا يسود العرب وتزوج عاصم بن عمر رضي الله عنه تلك الفتاة الفقيرة الورعة وإسمها أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي فأنجبت له إبنة أسموها ليلى وكنوها أم عاصم وهي موضوع هذا المقال كما أنجبت لعاصم إبنة أخرى إسمها حفصة .
ونشأت ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب نشأة تقية نقية ودرجت في شبابها على حب الخير وحب العلم وكان أبوها ممن ولد في حياة رسول الله وكان خيرا فاضلا فصيحا فتلقت عنه وحدثت عنه وورثت هذه الفضائل والخصال الحسنة عنه إلى أن توفي عام ۷۳ هجرية وكانت ليلى من أكمل أهل دهرها أخلاقاً وأكرمهن خلالا فأمها أم عمارة الثقفية تلك المرأة التي إتخذها عمر زوجا لإبنه عاصم وليس لها ما تعتز به من نسب وحسب إلا دينها وإسلامها وما جرى على لسانها من قولها الصدق في نصحها لأمها وبإختصار فقد إكتسبت ليلى الخلال الحميدة والخصال الكريمة من أبويها ومن جدها عمر رضي الله عنه فكانت من الصفوة ومن خيار النساء التابعيات ممن يؤخذ عنهن العلم ويؤثر عنهن الصدق وقد روى عنها ما ورد عن أبيها عاصم عن جدها عمر بن الخطاب قال قال رسول الله له نعم الإدام الخل وجدير بالذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الناس معادن يتفاوتون في الخير والشر والشرف والوضاعة وقال الناس معادن في الخير والشر فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ولهذا حث النبي الكريم الراغب في الزواج أن يكون إختياره لمن سيتزوجها على أساس الخلق الكريم القويم والصلاح والأصالة وأن يبحث عن الفتاة ذات التربية الحسنة حيث قال تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء ومن هذا المنطلق السليم ندرك توجيه رسول الله أنظار الراغبين في الزواج كي يختاروا زوجاتهم من بيئة صالحة قد إنحدرن من أصول عريقة ذات عروق سليمة ليكتسب أولادهم العادات الأصيلة والأخلاق الكريمة فالولد ينزع إلى أصل أمه وطباعها وهذا ما كان للأمير الأموى عبد العزيز بن مروان بن الحكم وكان ولي العهد بعد أخيه الخليفة الأموى الخامس عبد الملك بن مروان الذى كان ينظر نظرة فاحصة فيمن حوله من الفتيات ومن ذَوَاتِ الصلاح والفلاح لتكون قرينة له فكان ذلك وعندما أراد أن يتزوج طلب من خازن ماله أن يتخير من أطيب ماله وصالحه ليكون مهرا لزوجته فقال له إجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح ولم يشترط عبد العزيز ما يشترطه الأمراء الأثرياء من الجمال أو المنزلة وإنما طلب العرق الطيب في المنبت الطيب وقرر مصاهرة آل الخطاب وإختار ليلى بنت عاصم بن عمر ومن يصاهر آل الخطاب فإنه لا يتقرب منهم لمكانتهم فآل الخطاب لم يسعوا لمجد عريض بل إتجهت الأسرة العمرية إلى العلم والزهد والتقوى والورع والتواضع ومن يصاهرهم فإنما يرجو لأولاده حياة كحياة آل الخطاب فالولد يتزع نحو أخواله وبلا شك كانت السيدة ليلى بنت عاصم محسنة كريمة صالحة ورثت التَقوى والورع عن أمها وأبيها كما أنها كانت نقية النفس طاهرة القلب مؤمنة بالله على أساس صحيح لذلك قدر الله لها الجمع الطيب والمال الحلال ليكون مهرا لها وكان من ثمرة زواجها بعبد العزيز بن مروان أن ولدت له إبنه عمر بن عبد العزيز بن مروان رضي الله عنه الخليفة الأموى الثامن الزاهد التقي الورع والذى لقب بخامس الخلفاء الراشدين .
وفي المدينة المنورة كان مولد عمر بن عبد العزيز ومن ينابيع علومها نهل ما يشاء له أن ينهل وأسسته أمه على التقوى من أول يوم ميز فيه بين الخير والشر وزرعت في نفسه الحكمة التي صاحبته إلى أن لقي الله عز وجل زاهداً تقيا نقيا كما انها حبيت إليه العلم وزينته في قلبه فنشأ نشأة العلماء في المدينة والتي كانت يومذاك منارة للعلم والصلاح تزخر بالعلماء والفقهاء والعباد والصالحين وعكف بإشراف أمه ليلى بنت عاصم على حفظ كتاب الله عز وجل حتى حفظه في زمن قصير وجيز ولم يشتد عوده بعد أو يبلغ مبلغ الرجال وكان من تأثير القرآن الكريم في نفسه الصغيرة أن امتلأ قلبه النقي بخشية الله وتمسك بأسباب التقى فإرتقى فكانت عيناه تفيضان بالدمع من خشية الله عز وجل فيبكي وينتحب وكانت أمه تعجب من ولدها الصغير الورع البكاء فيحرك في قلبها كوامن الخشية فتبكي هي أيضا وذكر إبن عساكر أن عمر بن عبد العزيز بكي وهو غلام صغير قد جمع القرآن الكريم فسألته أمه ما يبكيك فقال لا شيء يا أماه ذكر الموت ذكر الموت فبكت أمه من ذلك وأشفقت عليه ولقد جَنت أمه غراس التقوى بإبنها عمر بن عبد العزيز في وقت مبكر وآتت أكلها في شخصه الذي أثار إعجاب أستاذه وشيخه صالح بن كيسان الذي قال عن طفولة عمر ما خبرت أحدا الله أعظم في صدره من هذا الغلام وكانت كل هذه الفضائل ثمرة جهد الورعة التقية أمه فظهر ذلك في نجابة إبنها منذ طفولته الغضة النضيرة ولله در القائل نعم الإله على العباد كثيرة وأتمهن نجابة الأولاد وكانت أمه تحوطه برعايتها ما إستطاعت إلى ذلك سبيلا لكنه أفلت منها مرة ودخل إلى إصطبل الخيل وهي لا تشعر فضربته دابة فشجته في جبينه وبصرت به أمه فأسرعت وضمته إلى صدرها وجعلت تمسح الدم عن وجهه ودخل أبوه عليها على تلك الحال فأقبلت أمه عليه وجعلت تعذله وتلومه وتقول له ضيعت إبني ولم تضم إليه خادما ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا وصمت هنيهات إذ طافت بخاطره ذكرى ألقت على ثغره إبتسامة رضا ورسمت على وجهه علامات السرور وقال لها إسكتي فطوباك إن كان إبنك أشج بني أمية وفي رواية إن تكن أشج بني أمية إنك إذن لسعيد ولكن ما الذكرى التي أثارتها هذه الحادثة في نفس عبدالعزيز بن مروان إنها رؤيا سيدنا عمر بن الخطاب العبقرى الملهم جد زوجته الذى رأى في نومه ذات ليلة رؤيا نهض من فراشه على إثرها يتعجب ويقول من هذا الأشج من بني أمية ومن ولد عمر يسمى عمر يسير بسيرة عمر ويملأ الأرض عدلا وتوفي سيدنا عمر رضي الله عنه وظل حلمه هذا يدوى بين أهله وذويه الذين راحوا يتلمسون تلك العلامة في وجوه أبنائهم إلى أن كانت هذه الحادثة وكان عمر بن عبد العزيز هو ذلك الأشج الذي حول شهقات البائسين وحرقتهم إلى بسمات متهللة تمرح تحت ظلال عدله وبره وكان مرد تلك التربية الفريدة إلى أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب .
ولما تم تعيين عبد العزيز بن مروان واليا على مصر غادرت ليلى بنت عاصم المدينة المنورة لاحقة بزوجها في مصر وأقامت بها وعرفت في مصر بالجود والكرم والرحمة والبر بالضعفاء وكان بمصر إنسان به خبل وسذاجة وكانت ليلى قد مرت به فتعرض لها فأعطته وأحسنت إليه وكانت تحسن إليه دائما كلما مرت به ثم توفاها الله وهي زوجة لعبد العزيز بن مروان فصاهر مرة أخرى آل الخطاب وتزوج حفصة بنت عاصم أخت ليلى وحملت إليه وهو بمصر ومن الطريف أنها قد خرجت ذات يوم فمرت بذاك الرجل الساذج البسيط فلم ترفع إليه رأساً فقال ليست حفصة من رجال ليلى بنت عاصم يريد ليست حفصة من زمرتها في كرمها وبرها وجودها فصارت كلمته مثلا وتمر الأيام ويتم إختيار عمر بن عبد العزيز ليكون الخليفة الأموى الثامن خلفا لسليمان بن عبد الملك وتتحقق نبوءة جده عمر بن الخطاب وليسود عمر بن عبد العزيز العرب وكان عمر بن عبد العزيز في عهد سليمان بن عبد الملك قد تهيأت الفرصة له بقدر كبير لتظهر آثاره في مختلف الجوانب فبمجرد تولي سليمان الخلافة خلفا لأخيه الوليد بن عبد الملك قرب عمرَ إليه وأفسح له المجال واسعا حيث قال يا أبا حفص إنا ولينا ما قد ترى فما رأيتَ من مصلحة العامة فمر به وجعله وزيرا ومستشارا ملازما له في إقامته وسفره وكان سليمان يرى أنه محتاج له في كل صغيرة وكبيرة فكان يقول ما هو إلا أن يغيب عني هذا الرجل فما أجد أحدا يفقه عني وقال في موضع آخر يا أبا حفص ما إغتممت بأمر ولا أكربني أمر إلا خطرت فيه على بالي وكان سليمان لا يخرج عن رأيه في السياسة العامة للدولة الأموية ولا يكاد يمضي قرارا إلا بمشورته وكان لسليمان بن عبد الملك بجوار عمر بن العزيز مستشار ووزير آخر هو رجاء بن حيوة يستشيره في العديد من الأمور ويأخذ برأيه وبلا شك فقد كان من أهم ما أشار به رجاء بن حيوة علي سليمان بن عبد الملك هو إستخلافه لإبن عمه عمر بن عبد العزيز وكان لذلك قصة يرويها رجاء بن حيوة حيث قال لما كان أول يوم جمعة من شهر صفر عام 99 هجرية كنا مع أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك بمرج دابق وكان قد أرسل جيشا من أجل فتح القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة بن عبدالملك ومعه إبنه داوود وطائفة كبيرة من آل بيته وقد نذر ألا يبرح مرج دابق حتى يفتح الله عليه القسطنطينية أو يموت فلما إقترب موعد صلاة الجمعة توضأ الخليفة فأحسن الوضوء ثم لبس عمامة خضراء ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه مزهو بشبابه وكان في نحو الأربعين من عمره ثم خرج ليصلي بالناس الجمعة فلم يرجع من المسجد إلا وهو موعوك وقد سألني أن أظل قريبا منه فدخلت عليه ذات يوم فوجدته يكتب كتابا فقلت ما يصنع أمير المؤمنين قال أكتب كتابا أعهد به إلى إبني أيوب بالخلافة من بعدى فقلت يا أمير المؤمنين إن مما يحفظ الخليفة في قبره ويبرئ ذمته عند ربه أن يستخلف على الناس الرجل الصالح وإن إبنك أيوب غلام لم يبلغ الحلم بعد ولم يتبين صلاحه من طلاحه فتراجع وقال إنه كتاب كتبته وأنا أريد أن أستخير الله فيه ولم أعزم عليه ثم مزق الكتاب ومكث سليمان بعد ذلك يوما أو يومين ثم دعا رجاء وقال له ما رأيك في ولدى داوود فقلت هو غائب مع جيوش المسلمين في القسطنطينية وأنت لا تدرى الآن أحي هو أم ميت فقال فمن ترى يا رجاء قلت الرأى رأى أمير المؤمنين وكنت أريد أن أنظر في من يذكرهم لكي أستبعدهم واحدا واحدا حتى أصل إلى عمر بن عبد العزيز فقال كيف ترى عمر بن عبد العزيز إبن عمي قلت والله يا أمير المؤمنين ما علمته إلا فاضلا كاملا عاقلا بينا فقال صدقت إنه والله لكذلك ولكنني إن وليته وأغفلت باقي أولاد عبد الملك يزيد وهشام وسعيد ومسلمة وغيرهم لتكونن فتنة ولن يتركونه يلي عليهم أبدا فقلت أشرك معه واحدا منهم وإجعله من بعده فقال والله لقد أصبت فإن ذلك مما يسكنهم ويجعلهم يرضونه ثم أخذ الكتاب وكتب بيده بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إني وليته الخلافة من بعدى وجعلتها من بعده لشقيقي يزيد بن عبد الملك فإسمعوا له وأطيعوا وإتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع بكم الطامعون ثم ختم الكتاب وناولني إياه ثم أرسل إلى كعب بن حازم صاحب الشرطة وقال إدع آل بيتي فليجتمعوا وأعلمهم أن الكتاب الذى في يد رجاء هو كتابي ومرهم أن يبايعوا لمن فيه ويقول رجاء فلما إجتمعوا قلت لهم هذا كتاب أمير المؤمنين قد عهد فيه للخليفة من بعده وقد أمرني أن آخذ منكم البيعة لمن ولاه فقالوا سمعا لأمر أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وطاعة لخليفته من بعده وطلبوا أن أستأذن لهم علي أمير المؤمنين للسلام عليه فقلت نعم فلما دخلواعليه قال لهم إن هذا الكتاب الذى في يد رجاء هو كتابي وفيه عهدى للخليفة من بعدى فبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب فطفقوا يبايعون ثم خرجت بالكتاب مختوما لا يعلم أحد من الخلق ما فيه غيرى وغير أمير المؤمنين .
ويحدثنا رجاء بن حيوة عما حدث بعد وفاة الخليفة سليمان فيقول أغلقت الباب عليه وخرجت فأرسلت إلى زوجته تسألني عنه وتطلب مني أن أخبرها عن حاله فقلت لرسولها إنظر إليه لقد نام الساعة بعد سهر طويل فدعوه لكي يستريح قليلا فرجع إليها فأخبرها ثم أحكمت إغلاق الباب وأجلست عنده حارسا أثق به وأوصيته ألا يتزحزح عن مكانه حتى أعود وألا يدخل على الخليفة أحدا أبدا كائنا من كان ثم أرسلت إلى كعب بن حازم صاحب الشرطة فجمع أهل بيت أمير المؤمنين جميعا في مسجد مرج دابق فقلت بايعوا لمن في كتاب أمير المؤمنين فقالوا قد بايعنا مرة أنبايع مرة أخرى فقلت هذا أمر أمير المؤمنين بايعوا على ما أمر به ولمن سمى في هذا الكتاب المختوم فبايعوا رجلا رجلا فلما رأيت أني قد أحكمت الأمر قلت إن صاحبَكم قد مات وإنا لله وإنا إليه راجعون وقرأت عليهم الكتاب فلما إنتهيت إلى ذكر إسم عمر بن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك لا نبايعه أبدا فقلت إذا والله تضرب عنقك فقام يجر رجليه فلما إنتهى إلى عمر بن عبد العزيز قال إنا لله وإنا إليه راجعون وهو يسترجع لذهاب الخلافة إلى عمر دونه ودون إخوته من أولاد عبد الملك وقال عمر بن عبد العزيز بن مروان إنا لله وإنا إليه راجعون وكان يسترجع لمصير الخلافة إليه علي كره منه ويقول إبن عبد الحكم المصرى في سيرة الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز عن أمر إستخلافه فأشار رجاء بن حيوة على الخليفة سليمان بن عبد الملك بإستخلاف عمر بن عبد العزيز وسدد له رأيه فيه فوافق ذلك رأى سليمان وقال لأعقدن عقدا لا يكون للشيطان فيه نصيب ومن ثم كتب سليمان بن عبد الملك وصيته فيمن يخلفه وختمها وأعطاها إلى رجاء بن حيوة ثم دعا أهل بيته وإخوته فبايعوا على كتاب الوصية وهو مختوم ثم لما مات سليمان بن عبد الملك أخذ رجاء بن حيوة الوصية المختومة وأعلن البيعة في مسجد مرج دابق ثم فتح الوصية وأعلن إستخلاف عمر بن عبد العزيز وكانت قد جمعت بين رجاء بن حيوة وعمر قبل الخلافة صداقة وصحبة في نسكهم وعبادتهم لذا جعله عمر على رأس المستشارين له وولاه رئاسة ديوان الرسائل وكان لا يخرج عن رأيه إذا إستشاره وكان عمر بن عبد العزيز يرى لرجاء بن حيوة الفضل والمكانة والمنزلة الكبرى وذات يوم بات رجاء بن حيوة عند عمر في منزله فهم السراج أن ينطفئ فقام إليه رجاء ليصلحه فأقسمَ عليه عمر ليقعدن وقام فأصلحه فقال له يا أمير المؤمنين أتقوم أنت فقال عمر قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ولعل هذه العلاقة المتينة والمتميزة بين رجاء وخلفاء البيت المرواني عبد الملك بن مروان وإبنيه الوليد وسليمان وإبن أخيه عمر بن عبد العزيز جعلت المؤرخين يصفونه بزاهد بني أمية والحاكم بأمره في دولتهم ووصفه إبن كثير بأنه كان وزير صدق لخلفاء بني أمية وهي صفات تؤكدها حوادث التاريخ التي إستعرضنا بعضها ولهذا السبب تحديدا نقم عليه المتأخرون من بعض خلفاء بني أمية وعلى رأسهم الخليفة الأموى التاسع يزيد بن عبد الملك الذى تولي الخلافة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز عام 101 هجرية الموافق عام 719م على أرجح الآراء .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|