|
|
عدد : 06-2025 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر المكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام الكنانية القرشية العامرية رضي الله عنها صحابية جليلة من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي تلتقي معه في الجد الثامن لؤى بن غالب وهي تنتمي إلى بني عامر بن لؤى أحد أشرف بطون قريش وكان من أعلامهم بخلاف الصحابية سهلة بنت سهيل بن عمرو رضي الله عنها أبوها سهيل بن عمرو والسيدة أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها وزوجها الأول الصحابي السكران بن عمرو رضي الله عنه والصحابة الكرام عبد الله بن أم مكتوم الذى كان يتبادل رفع الآذان وإقامة الصلاة مع الصحابي بلال بن رباح وعبد الله وأبو جندل إبنا سهيل بن عمرو رضي الله عنهم جميعا وكان بنو عامر أحد بطون قريش التي قرشها أى جمعها قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة من أبناء وأحفاد فهر جده السادس والجد العاشر للنبي صلى الله عليه وسلم وكونت قبيلة قريش بعد أن أخرج منها قبيلة خزاعة في منتصف القرن الخامس الميلادى وليسيطر على مكة المكرمة والبيت الحرام وتصبح قريش صاحبة السيادة فيها بعد أن ظلت قبيلة خزاعة هي المسيطرة عليها طوال أكثر من ثلاثة قرون وكان من هذه البطون أيضا بنو زهرة والتي تنتمي إليها السيدة آمنة بنت وهب أم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابيان الجليلان واللذان كانا من العشرة المبشرين بالجنة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما والصحابي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وكان أيضا منها بنو سهم والذين كان منهم الصحابة الكرام عمرو بن العاص وشقيقه هشام بن العاص وإبنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعا وبنو تيم والذين كان منهم الصحابيان أبو بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما والسيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وبنو عدى والذين كان منهم الصحابة الكرام عمر بن الخطاب وإبنه عبد الله بن عمر بن الخطاب وأخته السيدة فاطمة بنت الخطاب وإبنته أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب وشقيقه زيد بن الخطاب وإبن عمه وزوج أخته سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعا كما كان منها أيضا بنو جمح والذين كان منهم الصحابة الكرام عثمان بن مظعون وعمير بن وهب وصفوان بن أمية بن خلف رضي الله عنهم جميعا .
وكان ميلاد الصحابية سهلة بنت سهيل بن عمرو بمكة المكرمة وغير معلوم لدينا بالتحديد تاريخ ميلادها وكان أبوها سهيل بن عمرو سيدا لقومه بني عامر وأحد سادات ووجهاء مكة وخطيبها المفوه وإشتهر بعقله الراجح وفصاحة لسانه وحسن خطابه وبحكمته في تصريف الأمور وبجوده وسماحته ولما وصلت السيدة سهلة لسن الزواج تزوجت من أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة الذى كان أبوه يعده ليخلفه فى زعامة قريش لكن لما بدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى دين الإسلام كانت السيدة سهلة بنت سهيل بن عمرو رضي الله عنها وزوجها أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة رضي الله عنه من أوائل من إستجاب للدعوة وبايعا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بينما للأسف لم يستجب كل من سهيل بن عمرو أبو السيدة سهلة ولا عتبة بن ربيعة أبو زوجها أبو حذيفة والذى ضاعت جهوده وذهبت أحلامه في أن يخلفه إبنه أبو حذيفة في زعامة مكة أدراج الرياح حين علم أن إبنه أبا حذيفة دخل فى دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتجاوب كل منهما مع الدعوة للإسلام ووقفا ضدها بقوة وأخذا موقفا شديد العداء من الإسلام ونبي الإسلام ومن دخل في الإسلام منذ اليوم الأول لها مثلهما مثل أغلب كبار وسادات وزعماء مكة المكرمة مثل أبي سفيان بن حرب الأموى والوليد بن المغيرة المخزومي وأمية بن خلف الجمحي وعمرو بن هشام المعروف بإسم أبي جهل والذين عادوا الإسلام ورسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وماتوا على الكفر فيما عدا أبي سفيان بن حرب الذى أسلم يوم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية وكان سهيل بن عمرو نظرا لما يتمتع به من فصاحة اللسان وحسن الخطاب يحمس المشركين على إيذاء ومعاداة المسلمين ولما إشتدت عدواة قريش للإسلام والمسلمين وآذوهم إيذاءا شديدا منح النبى محمد صلى الله عليه وسلم الإذن لأصحابه بالهجرة إلى بلاد الحبشة حيث لا يظلم عند النجاشي ملكها أحد ليعبدوا الله من غير أن ينالهم أذى أو سوء خرجت السيدة سهلة بنت سهيل بن عمرو رضي الله عنها بصحبة زوجها أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة رضي الله عنه مع ثلة من المهاجرين على أرض الحبشة وهناك عاشوا جميعا في إطمئنان وهدوء وأمن وأمان وهناك فى الحبشة ولدت سهلة إبنها محمدا وبعد فترة عاد عدد من هؤلاء المهاجرين إلى مكة كان منهم سهلة وزوجها ثم هاجرا إلى المدينة المنورة وفي المدينة آخى النبي محمد بينه وبين الصحابي الأنصارى عباد بن بشر رضي الله عنه .
ومرت الأيام وجاءت غزوة بدر في شهر رمضان عام 2 هجرية ولما طلب كل من عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وإبنه الوليد المبارزة كان أبو حذيفة يريد الخروج لمبارزة أبيه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك وقال له دعه يقتله غيرك وهجته أخته هند بسبب هذا الموقف وكانت يومذاك في صفوف المشركين وقالت الأحول الأثعل المشؤوم طائره أبو حذيفة شر الناس في الدين أما شكرت أبا رباك من صغر حتى شببت شبابا غير محجون وقتل يومها كل من عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وإبنه الوليد وها هو ذا أبو حذيفة رضي الله عنه ينظر إلى أبيه وأخيه وعمه وهم مجندلون في دمائهم وقد ختم لهم بخاتمة السوء وماتوا وهم كافرون وعلى الرغم من إيمانه الراسخ وولائه الظاهر وموقفه الواضح إلا أن ملامح وجهه قد تغيرت ونفسه قد تعكَرت فإنه بشر يعتريه ما يعترى البشر من حب الخير لأهله وحزنه عليهم إن فاتهم ذلك فلا غرابة إذن في تعكر نفس الصحابي الجليل أبي حذيفة رضي الله عنه عند رؤيته مشهد قتل أبيه وأخيه وعمه وهم على الشرك أَعداءا لله ورسوله فإن الإسلام ما جاء ليميت المشاعر أو يجمدها بل جاء ليهذبها ويجعلها تسير في مسارها الصحيح وقد أحاط الصمت أبا حذيفة رضي الله عنه وفجأة بلغت مسامعه كلمات لامست مشاعره المتوترة فجعلته يخرج غاضبا عن صمته بل عن شعوره كله ويتفوه بكلمات ظل يندم طوال ما بقي من عمره عليها وكان كلما تذكرها حزن حزنا شديدا ويقول في نفسه إنه لا يكفر تلك الكلمات سوى الشهادة في سبيل الله حيث سمع أبو حذيفة قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين من لقي منكم العباس بن عبد المطلب فليكفف عنه فإنه خرج مستكرها فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وإخواننا وعشائرنا وندع العباس والله لأضربنه بالسيف إن لقيته ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد محاباة العباس لأنه عمه فإنه لم ينه عن قتل العباس وحده بل نهى عن قتل أى أحد من بني هاشم في المعركة وذلك لعدة أسباب منها أنهم خرجوا مستكرهين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وفارق كبير بين من خرج مكرها ومن خرج محاربا المسلمين ويستهدف قتلهم والقضاء عليهم وإقتحام مدينتهم ومنها عرفان النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمواقفهم النبيلة معه وهو رسول الإسلام فقد منعوه من قريش وأحاطوه ووقروا له الحماية وهم ليسوا على دينه ودخلوا معه شعب أبي طالب لما حوصر فيه المسلمون لثلاث سنوات حتى أكلوا معه ورق الشجر من قلة الطعام وشدة الجوع وقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيضا عن قتل أبي البخترى بن هشام وهو ليس من بني هاشم ولكن عرفانا بموقفه في نقض الصحيفة الظالمة التي كتبتها قريش وعلقتها في جوف الكعبة المشرفة تحرض فيها على مقاطعة بني هاشم حتى يسلموهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ولم ينس النبي صلى الله عليه وسلم مواقف مطعم بن عدى النبيلة معه وهو ليس من بني هاشم والتي كان منها إجارته له لكي يدخل مكة بعد أن منعه المشركون من دخولها عند عودته من الطائف في العام العاشر للبعثة فلما وقع مشركو قريش في الأسر يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمني في أمر هؤلاء الأسرى لأطلقت سراحهم وتركتهم له فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسى أبدا صاحب الفضل وإن كان كافرا فمن هذا المنطلق كان نهي النبي عن قتل هؤلاء .
ولقد تفهم النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبي حذيفة رضي الله عنه وراعى ما كان فيه من الألم النفسي فغفر له ما قاله وقدر أنه بشر خيمت عليه سحائب الحزن حين رأى خاتمة السوء التي ختمت لأبيه وأخيه وعمه فتوترت مشاعره فقال ما قال في ثورة من الحمية وجموح للعاطفة وليس إعتراضا والعياذ بالله على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسحب جثث قتلى المشركين بعد إنتهاء المعركة لكي يتم إلقائهم في البئر التي أعدت لهم وسميت بالقليب عرف في وجه الصحابي الجليل أبي حذيفة رضي الله عنه الكراهية وهو يرى جثث أبيه وأخيه وعمه تسحب وتلقى في القليب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا حذيفة والله لكأنه ساءك ما كان في أبيك قال والله يا رسول الله ما شككت في الله وفي رسول الله ولكن إن أبي كان حليما سديدا ذا رأى فكنت أرجو أن لا يموت حتى يهديه الله عز وجل إلى الإسلام فلما رأيت أن قد فاته ذلك ووقع حيث وقع أحزنني أشد الحزن ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وعاد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون تغمرهم فرحة النصـر ومن بينهم الصحابي الجليل أبو حذيفة رضي الله عنه ولكن ظلت الكلمة التي قالها يوم بدر شبحا مخيفا يتراءى له أمام عينيه من الحين للآخر يقلق طمأنينته ويلقي به في بحار الندم والأسف الشديدين فكان كلما تذكر تلك الكلمة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي فلتها ولاأزال خائفا حتى يكفرها الله عني بالشهادة في سبيله وحدث في هذه الغزوة أيضا أن وقع سهيل بن عمرو أبو السيدة سهلة رضي الله عنها في الأسر وهو يقاتل في صفوف مشركي قريش وأراد الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينزع ثنيتى سهيل بن عمرو أى أسنانه الأمامية حتى يمنعه من الخطابة وقال للنبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقوم عليك خطيبا وينال منك ومن المسلمين مرة أخرى لكن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض أن يمثل به وقال لعمر لعله يقوم مقاما لا تكرهه وتحمده عليه وإفتدى سهيل نفسه بالمال وعاد إلى مكة وظل على عناده ومعاداته للإسلام والمسلمين فلم يكن الله قد شرح صدره للإسلام بعد وبعد بدر شهد أبو حذيفة رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة أحد في شهر شوال عام 3 هجرية وغزوة الخندق في شهر شوال عام 5 هجرية وفي أواخر العام المذكور نزلت سورة الأحزاب والتي حرم بموجبها التبني في الإسلام حيث قال الله تعالى مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وكان لدى أبو حذيفة وزوجته سهلة رضي الله عنهما مولى إسمه سالم كانا قد تبنياه فكان يسمى بسالم بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان أبو حذيفة رضي الله عنه يرى أنه إبنه وأراد أن يكرمه فأنكحه إبنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة رضي الله عنها وهي من المهاجرات فلما حرم التبني أصبح يسمي بسالم مولى أبي حذيفة حيث لم يكن معلوم إسم أبيه فجاءت السيدة سهلة بنت السهيل بن عمرو رضي الله عنها للرسول محمد صلى الله صلى الله عليه وسلم وقالت له إن سالما بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وأظن أنى أرى في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أرضعيه تحرمي عليه فكانت تفرغ من لبنها في قصعة فيشربه وفعلت ذلك خمس مرات ثم عادت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له إني قد أرضعته خمس رضعات فذهب الذى في نفس أبي حذيفة ويجب علينا ملاحظة أن هذا الأمر كان رخصة من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما بصفة خاصة ومن أجل معالجة حالة فردية وليس حكما عاما .
وبعد غزوة الخندق لم يتخلف الصحابي الجليل أبو حذيفة رضي الله عنه عن أى من المشاهد التي تلت تلك الغزوة حيث شهد غزوة بني قريظة وبيعة الرضوان وصلح الحديبية في شهر ذى القعدة عام 6 هجرية وكان من عقد الصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو نائبا عن قريش ثم شهد فتح خيبر في شهر المحرم عام 7 هجرية ثم عمرة القضاء في شهر ذى القعدة عام 7 هجرية ثم شهد يوم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية وخاف يومذاك سهيل بن عمرو والد السيدة سهلة رضي الله عنها على نفسه وأسرع إلى داره ودخلها وأغلق بابه عليه وخشي على نفسه أن يقتل وأرسل إلى إبنه عبد الله بن سهيل رضي الله عنه ليستأمن له من النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأمنه وفتحت مكة جميع أبوابها ووقف المشركون في ذهول ترى ماذا سيكون اليوم مصيرهم وهم الذين أعملوا بأسهم في المسلمين من قبل قتلا وحرقا وتعذيبا وتجويعا ولم يشأ الرسول الرحيم الكريم أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة المنهكة فإستقبل وجوههم في تسامح وأناة وقال لهم ونبرات صوته الرحيم تقطر حنانا ورفقا يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم هنالك تقدم خصم الإسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال مجيبا نظن خيرا أخ كريم وإبن أخ كريم وتألقت إبتسامة من نور على شفتي حبيب الله صلى الله عليه وسلم وناداهم إذهبوا فأنتم الطلقاء ولم تكن هذه الكلمات من الرسول المنتصر لتدع إنسانا حي المشاعر الا أحالته ذوبا من طاعة وخجل بل وندم وفي نفس اللحظة إستجاش هذا الموقف الممتلئ نبلا وعظمة كل مشاعر سهيل بن عمرو فكان أن شرح الله صدره للإسلام فأسلم لله رب العالمين يومها وحسن إسلامه وبعد أن ذاق حلاوة الايمان أخذ على نفسه عهدا لخصه في هذه الكلمات والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت مع المسلمين مثلها لعل أمرى أن يتلو بعضه بعضا وشهد بعد ذلك الصحابي أبو حذيفة ووالد زوجته سهيل بن عمرو غزوة حنين في شهر شوال من العام نفسه ثم حصار الطائف في شهر ذى القعدة من نفس العام أيضا ثم غزوة تبوك في شهر رجب عام 9 هجرية ثم حجة الوداع في أواخر العام العاشر الهجرى وهكذا عاش أبو حذيفة رضي الله عنه حياته كلها في سبيل الله بين هجرة ومحنة وجهاد حيث كما رأينا شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كل مشاهده ولم تفته غزوة معه في سبيل الله حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض .
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتولي الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة وقامت فتنة الردة في جميع أنحاء الجزيرة العربية وظن الكافرون أن الإسلام أصبح لقمة سائغة يمكن إبتلاعها فإرتدت الكثير من أحياء العرب فيما عدا المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف وإشرأب النفاق وجاءت التهديدات إلى دولة الإسلام الناشئة من كل مكان فوقف الخليفة العظيم أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم أجمعين من خلفه في وجه هذه المحنة كصلابة الجبال الراسيات والقمم الشامخات في مهب الريح ومما يذكر أن سهيل بن عمرو رضي الله عنه كان له موقف مشهود له آنذاك حيث كادت مكة أن ترتد عن الإسلام حيث قام فخطب في أهل مكة خطبة بليغة يشبه محتواها محتوى خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه التي ألقاها على المسلمين بالمدينة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال سهيل يا معشر قريش كنتم آخر من أسلم من القبائل فلا تكونوا أول من إرتد وكان لتلك الخطبة البليغة وهذه الكلمات أثرها الكبير في تثبيت قريش على الإسلام وفي درأ الفتنة التي كادت أن تقتلع إيمان بعض الناس بمكة حين بلغهم نبأ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحين بلغ المسلمين بالمدينة موقف سهيل بن عمرو رضي الله عنه بمكة وخطابه الباهر الذي ثبت الإيمان في الأفئدة تذكر عمر بن الخطاب نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أراد أن ينزع ثنيتيه حتى لا يقوم خطيبا على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وضحك طويلا إذ جاء اليوم الذى إنتفع فيه الإسلام بثنيتي سهيل بن عمرو رضي الله عنه وكان أبو حذيفة رضي الله عنه من أوائل من إنضم للجيوش التي أخرجها الخليفة أبو بكر رضي الله عنه لقمع الردة حيث كان ضمن جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه الذى وجهه الخليفة لقتال بني حنيفة وزعيمهم مسيلمة الكذاب في أرض اليمامة وفي هذه المعركة الشرسة إستشهد الصحابي أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة رضي الله عنه ومولاه سالم رضي الله عنهما وبلغ عدد شهداء المسلمين يومذاك 1200 شهيد منهم غير الصحابي أبي حذيفة ومولاه سالم رضي الله عنهما الصحابة زيد بن الخطاب وعباد بن بشر وأبو دجانة والطفيل بن عمرو وغيرهم كثير من كبار الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وحفظة وقراء القرآن الكريم رضي الله عنهم جميعا رحمهم الله رحمة واسعة وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
وبعد إستشهاد زوجها أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة رضي الله عنه تزوجت سهلة بنت سهيل بن عمرو رضي الله عنهما من عبد الله بن الأسود من بني مالك بن حسل وولدت له سليط بن عبد الله بن الأسود وبعد وفاته تزوجت من شماخ بن سعيد بن قائف وولدت له بكير بن شماخ وبعد وفاته تزوجت من الصحابي الجليل وأحد العشرة المبشرين بالجنة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وولدت له سالم بن عبد الرحمن بن عوف ولا ننسى في هذا المقام أن نذكر أنه بعد أن أسلم سهيل بن عمرو والد السيدة سهلة رضي الله عنها كان أول موقف له مع المسلمين أن خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شهر شوال عام 8 هجرية بعد ايام قليلة من فتح مكة لمواجهة قبائل هوازن وثقيف في حنين قرب مكة والتي إنتصر فيها المسلمون إنتصارا ساحقا وغنموا غنائم عظيمة ثم شارك سهيل بن عمرو رضي الله عنه في حصار الطائف في أواخر شهر شوال وأوائل شهر ذى القعدة عام 8 هجرية وأعطاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل من الغنائم في المؤلفة قلوبهم وقد أقبل سهيل بن عمرو رضي الله عنه من يوم أن أسلم على العبادة فأكثر من الصلاة والصوم والصدقة وتعلم القرآن الكريم وحفظه ويقال إنه أكثر من الصلاة والصيام والتهجد والصدقات وكافة أنواع العبادة حتى شحب لونه وتغير وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن الكريم ومع بداية الفتوحات في بلاد الشام في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج سهيل بن عمرو رضي الله عنه والد السيدة سهلة رضي الله عنها بأهله جميعهم إلا إبنته هند للمشاركة في الفتح الإسلامي لبلاد الشام وكان يوم معركة اليرموك في شهر رجب عام 13 هجرية في بداية عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائدا لأحد كتائب المسلمين في تلك المعركة ولم يزل رضي الله عنه بالشام يؤدى واجب الجهاد في سبيل الله ومع أنه كان يحب وطنه مكة حبا ينسيه نفسه إلا أنه أبى أن يعود اليها مع توالي معارك فتوحات الشام وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير له من عمله طوال عمره وإني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ولن أعود الى مكة وبالفعل فقد بر بقسمه وظل مرابطا ببلاد الشام حتي جاء موعد رحيله فطارت روحه مسرعة الى رحمة من الله ورضوان حيث توفي في طاعون عمواس الذى ضرب بلاد الشام في عام 18 هجرية رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء وهكذا كانت سيرة المشرك اللدود الذى تحول الى مؤمن أواب لا تكف عيناه من البكاء من خشية الله فكان من أولئك الطلقاء الذين تجاوزوا هذا الخط بإخلاصهم الوثيق وسموا الى آفاق بعيدة من التضحية والعبادة والطهر وضعتهم في الصفوف الأولى بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأبرار وتحول واحد من كبار زعماء قريش وقادة جيوشها إلى مقاتل صلب في سبيل نصرة الاسلام مقاتل عاهد نفسه أن يظل في رباط وجهاد في سبيل الله حتى يدركه الموت وهو على ذلك الحال عسى الله أن يعفو عنه ويغفر له ما تقدم من ذنوبه أيام شركه .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|