كتب: محمود فرحات
في تاريخ الأمم لحظات فارقة، تنهض فيها الشعوب لتعيد توجيه دفة الحياة نحو ما تراه صوابًا وعدلًا وانتماءً. ويظل يوم 30 يونيو 2013 في تاريخ مصر واحدًا من هذه اللحظات الحاسمة؛ إذ خرج الملايين إلى الشوارع لا ليطالبوا بتغيير سياسي فقط، بل ليُعلِنوا بصوتٍ غير متردد أو خائف (مصر فوق الجميع) .
لقد مثّلت هذه الثورة الشعبية تجليًا عظيمًا لإرادة الهوية المصرية، التي حاولت جماعة الإخوان أن تطمس معالمها.. فقد بدا واضحًا أن المشروع السياسي الذي أرادت تلك الجماعة فرضه لم يكن وطنيًا بقدر ما كان امتدادًا لأفكار عابرة للحدود، تُقدّم الولاء للتنظيم على حساب الوطن، وتؤمن بالخلافة أكثر من الدولة، وتُهمّش الخصوصية الحضارية المصرية لصالح تصور أممي دخيل..
خرج المصريون بمختلف أطيافهم، من الصعيد والدلتا، من مسيحين ومسلمين، من كل التيارات ليبراليين، قوميين ويسار.. وحتى غير المؤدلجين، رافعين علم مصر هاتفين بصوت مدوي (يسقط حكم المرشد) .
كان هذا اليوم أشبه بثورة هوية، رفضت فيه مصر أن تكون مجرد ولاية في مشروع لا يشبهها، أو تابعًا فكريًا لمحور لا يعبأ بثقافتها ولا تاريخها الطويل ولا تنوعها العريق.. ولعل ما قاله المفكر سلامة موسى يعبّر عن جوهر هذه اللحظة: "إني أعتقد أن المصري يجب أن يكون مصريًا قبل كل شيء، وأن مصر يجب أن تكون للمصريين قبل غيرهم"
لم يكن 30 يونيو فقط احتجاجًا على الأداء السيئ أو القرارات المرتبكة، بل كان رفضًا جذريًا لمحاولة اختطاف الدولة المصرية لمصلحة الجماعة. لقد دافع الشعب عن "الدولة" بمؤسساتها وثقافتها وهويتها، في وجه مشروع شمولي يُقزّم الوطن لحساب التنظيم.. فلقد أدرك الشعب المصري أن الهوية ليست شعارًا أو انتماءً رمزيًا، بل هي فعل مقاومة وصمود وبقاء. فمصر عبر التاريخ كانت دولة، وليست مجرد أرض أو شعب، بل كيانًا مؤسسًا يسبق الجماعات والمشاريع المؤقتة.. هنا نتذكّر الكلمات الخالدة لأحمد لطفي السيد أحد أبرز رموز الفكر الوطني المصري: "الحرية لا تكون إلّا لشعب يعرف ذاته ويؤمن بوطنه، ومن لا يعرف تاريخه لا يصنع مستقبله"
ففي ذلك اليوم، لم تكن الهتافات مجرد كلمات في الهواء، بل إعلانًا عن عودة الوعي القومي والولاء الأصيل للوطن، (مصر فوق الجميع) لم تكن تعبيرًا عن تعالٍ بل عن مركزية الوطن في وجدان المصري. كانت بمثابة خط أحمر، رسمه المصريون في الشوارع والميادين، لكل من حاول أن يتجاوز الوطن أو يختزله في فصيل..
ختامًا.. سيبقى 30 يونيو شاهدًا على أن الهوية المصرية لا تُختطف، وأن المصريين حين يشعرون بخطر يهدد دولتهم وحضارتهم، فإنهم يثورون.. لا من أجل شخص أو سلطة، بل من أجل مصر، التي ستظل فوق الجميع. |