بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
1- من خلال دراستي لفن النحت المصري القديم بفلسفته وتقنياته وأساليبه، التي أبدع بها المصري القديم هذا التمثال، بما يجعله عملاً فنياً متكاملاً من الناحية الفنية والجمالية، بعيداً عما يُثار من آراء غير علمية.
2- من خلال دراستي لترميم الآثار الثابتة والمنقولة والتى كان لها بعداً علمياً مهماً، مكّنني من تمييز الفروق الدقيقة بين العوامل الطبيعية والبشرية التي أثرت على التمثال عبر العصور.
٣- من خلال خبرتي في ترميم أكبر مشاريع الترميم، ومنها تمثال أبو الهول نفسه عدة مرات على فترات زمنية مختلفة ، وكنت شاهداً على التحديات والإنجازات التي تحققت للحفاظ عليه.
٤- من خلال ملازمتي لعالم الهندسة الجيولوجية / أ.د. حسن فهمي إمام (رحمة الله عليه) والذى كان مرجعاً علمياً كبيراً في الهندسة الجيولوجية وترميم الآثار، والذى أسس المركز الهندسى لدراسة الآثار بهندسة القاهرة فقد استفدت من توجيهاته وملاحظاته في دراسة وفهم الجوانب الجيولوجية والإنشائية لتمثال أبو الهول، وهو ما يدحض الكثير من الشائعات والادعاءات التي تُثار حوله.
مقدمة :
تقع أهرامات الجيزة ، على هضبة الجيزة المكوّنة بشكل أساسي من صخور رسوبية. هذه الصخور ترجع إلى العصور الجيولوجية الوسطى، وتحديدًا إلى العصر الطباشيري (Cretaceous Period)، أي قبل حوالي 100 مليون سنة.
- ما هي الصخور الرسوبية؟
الصخور الرسوبية تتكوّن نتيجة: من تجوية الصخور القديمة ثم نقل الفتات الصخري (عبر الرياح، المياه، أو الجليد ثم ترسيب هذا الفتات في بيئات مائية أو هوائية وتماسك هذه الفتات عبر ضغطه وتلاحمه بالمعادن المترسبة مثل الكالسيت والسيليكا.
أهم أنواع الصخور الرسوبية: الحجر الجيري (Limestone) – الغالب في منطقة الجيزة - الحجر الرملي (Sandstone). - الدولوميت (Dolomite).
- التكوين الجيولوجي لهضبة الجيزة:
هضبة الجيزة تتكون أساسًا من:
1- الحجر الجيري (Mokattam Formation) وهو حجر جيري بحري غني بالأحافير، ترسب في بيئة بحرية ضحلة خلال العصر الطباشيري.
2- يحتوي على مستويات من الطَفل (marl) وبعض الطبقات الطباشيرية الناعمة.
3- تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن الحجر الجيري الذي استُخدم لبناء الأهرامات ينتمي إلى تكوين المقطم والحجر الجيري الطباشيري العلوي كما قال : د. زاهي فى فيديو العربية.
أمثلة من الدراسات:
(Said, R. 1962) – يوضح في كتابه The Geology of Egypt أن تكوين المقطم في منطقة الجيزة عبارة عن حجر جيري مرصوص، غني بالأحافير البحرية.
(Issawi, B. 1968) – يشير في بحثه إلى أن صخور هضبة الجيزة تنتمي إلى العصر الطباشيري وتكوّنت في بيئة بحرية ضحلة.
كيف تكوّنت هذه الصخور؟
النظريات العلمية :
1- نظرية الترسيب البحري (Marine Sedimentation Theory):
- يرى العلماء أن البحر الطباشيري غطى معظم شمال مصر (منطقة الجيزة كانت قاعًا بحريًا).
- ترسبت أصداف الكائنات البحرية الدقيقة مثل الفورامينيفرا (Foraminifera) والطحالب الجيرية على قاع البحر، مكوّنةً طبقات من الحجر الجيري.
- بمرور الزمن، ومع الضغط والضغط المتراكم من الطبقات العليا، تصلبت هذه الترسيبات لتكوّن صخورًا جيرية صلبة.
2- نظرية التراجع البحري (Regression Theory):
- مع انخفاض مستوى سطح البحر في نهاية العصر الطباشيري، انكشفت هذه الصخور.
- تعرّضت لعوامل التعرية، ما أدّى إلى ظهور الهضاب والتلال.
دور الأحياء الدقيقة :
يؤكد علم الجيولوجيا الرسوبية (Sedimentary Geology) على أهمية: الأحياء الدقيقة البحرية (مثل النانوأحافير الطباشيرية) - الشعاب المرجانية القديمة - و الرخويات البحرية و كلها ساهمت في تكوين الحجر الجيري بهضبة الجيزة.
أهمية هذه الصخور في بناء الأهرامات :
استُخدم الحجر الجيري المحلي من هضبة الجيزة في بناء جسم الهرم الأكبر و قد جلبت هذه الأحجار الأكثر صلابة والأنقى جودة (مثل كسوة الأهرامات) من طرة والمقطم حيث أن الصخر الجيري هناك متماسك ومتين، ما جعله مناسبًا للبناء.
أهم المراجع العلمية:
- Said, R. (1962). The Geology of Egypt. Elsevier.
- Issawi, B. (1968). "Upper Cretaceous and Lower Tertiary Geology of the Wadi Qena – Nile Valley area, Egypt". Geological Survey of Egypt.
- Tucker, M.E. (2001). Sedimentary Petrology: An Introduction to the Origin of Sedimentary Rocks. Blackwell Publishing.
- Blatt, H., Middleton, G.V., & Murray, R.C. (1980). Origin of Sedimentary Rocks. Prentice-Hall.
هم مميزات الأحجار الرسوبية:
1- وجود طبقات واضحة: (Bedding):تتكون الأحجار الرسوبية غالبًا في شكل طبقات متراكمة فوق بعضها، وهي ميزة مميزة يمكن رؤيتها في الجدران الصخرية أو المقاطع الجيولوجية.
2- وجود أحافير (Fossils):: تحتوي العديد من الصخور الرسوبية، خاصة الحجر الجيري، على بقايا كائنات بحرية أو نباتية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة التاريخ الجيولوجي والحياة القديمة.
3- سهولة التعرية والنقل: (Erosion & Transport): تتفتت الصخور الرسوبية نسبيًا بسهولة مقارنة بالصخور النارية أو المتحولة، ما يجعلها عرضة للتعرية والنقل بالمياه والرياح.
4- تنوع في الحجم والتركيب :(Variety in Grain Size & Composition):
تتراوح بين الطمي والطين الناعم جدًا إلى الحصى الكبير، وتضم مكونات كيميائية مثل الكربونات والسيليكا والكلس والحديد.
5- احتواؤها على مساميات (Porosity):: تتميز الصخور الرسوبية بوجود مسام تسمح بتخزين المياه أو النفط أو الغاز الطبيعي، لذا فهي مهمة اقتصاديًا في صناعة النفط والغاز.
6- التفاعل مع الماء: بعض الصخور الرسوبية، مثل الحجر الجيري، تتفاعل مع المياه الحمضية وتذوب ببطء، مكوّنةً كهوفًا وتكوينات كارستية.
7- التكوين في بيئات رسوبية متنوعة:
يمكن أن تتكوّن في بيئات بحرية، نهرية، صحراوية، أو بحيرات، ما يعكس تاريخ البيئات القديمة.
أمثلة:
- الحجر الجيري – يتميز بوجود أحافير وطبقات متتالية.
- الحجر الرملي – يظهر بشكل واضح على شكل طبقات وله مسامية جيدة.
- الطَفْل (Shale) – يتميز بانفصاله إلى صفائح رقيقة واحتوائه أحيانًا على مواد عضوية.
مراجع مختصرة:
Blatt, H., Middleton, G. V., & Murray, R. C. (1980). Origin of Sedimentary Rocks. Prentice-Hall.
Tucker, M. E. (2001). Sedimentary Petrology. Blackwell Publishing.
هل تمثال أبو الهول منحوت من قطعة واحدة أم أكثر؟؟؟؟
يعتبر تمثال أبو الهول بالجيزة (Sphinx of Giza) أحد أضخم التماثيل المنحوتة في العالم القديم، وهو منحوت بالكامل من كتلة واحدة من صخر الهضبة الجيرية (Eocene limestone) المتاخمة لهضبة الأهرام.
أولًا: تكوين التمثال (One-piece monolith) وفقًا لمعظم الدراسات الأثرية والجيولوجية فقد تم نحت أبو الهول مباشرةً من الكتلة الصخرية الأم (in situ) التي تُعد جزءًا من تكوين الهضبة الجيرية ذات الطبقات الرسوبية (Mokattam Formation). إذ تم استخلاص الشكل الأساسي للتمثال من صخرة واحدة، ولم يتم تجميعه من عدة كتل و هذا يؤكده:
- تتابع الطبقات الرسوبية في منطقة النحت.
- عدم وجود فواصل تركيبية أو خطوط فصل أفقي عمودية تدل على تجميع التمثال من أجزاء مستقلة.
- غياب الأدلة الأثرية أو النصوص القديمة التي تشير إلى نقل أو تركيب أجزاء.
المرجع:
Lehner, M. (1991). The Complete Pyramids. Thames & Hudson.
Hawass, Z. (2000). The Secrets of the Sphinx: Restoration Past and Present. American University in Cairo Press.
ثانيًا: تكوين الرأس وصلابته النسبيّة تشير الدراسات الجيولوجية المفصّلة (Gauri, 1984; Dobecki and Schoch, 1992) :إلى أن تمثال أبو الهول يتكون من طبقات جيولوجية متعاقبة، تندرج تحت تكوين الهضبة الجيرية المذكورة ، وكل طبقة تختلف في درجة صلابتها:
الرأس: نُحت من طبقة صخرية أكثر تماسكًا وصلابة نسبيًا، وتتكوّن من حجر جيري دقيق الحبيبات (fine-grained limestone) عالي الضغط.
الرقبة والجسم: نُحتا من طبقات أقل تماسكًا، غالبًا ذات محتوى أعلى من الشوائب، وأكثر عرضة للتعرية بفعل الرياح والأمطار.
والسبب العلمي لذلك يعود إلى:
أن الرأس يقع في طبقة علوية رسوبية تكونت بفعل تراكم فتات صخري أكثر تماسكًا نتيجة الضغط الجيولوجي على مر العصور (diagenesis)، مما أدى إلى تماسكه أكثر من الطبقات السفلى.
في المقابل، تحتوي الطبقات السفلى (الرقبة والجسم) على نسب متفاوتة من الطين أو الرمال، ما يجعلها أقل صلابة وأكثر عرضة للنحت بفعل الرياح (Aeolian erosion) والتجوية الكيميائية (chemical weathering).
المرجع:
Gauri, K. L. (1984). Weathering of the Sphinx. Archaeometry, 26(2), 143–158.
Dobecki, T. L., & Schoch, R. M. (1992). Seismic Investigations in the Vicinity of the Great Sphinx of Giza, Egypt. Geoarchaeology, 7(6), 527–544.
هل المصري القديم بعد نحت تمثال أبو الهول من صخرة هضبة الهرم كساه بالأحجار، أم أن الكسوة الموجودة على الجانبين هي ترميم قديم بسبب ضعف هذه المناطق؟
أولًا: أصل التمثال والتقنية المعمارية تشير الأدلة الأثرية والجيولوجية : إلى أن تمثال أبو الهول نُحت بالكامل من كتلة واحدة متصلة بصخرة هضبة الجيزة (Lauer, 1961; Lehner, 1991). ومع ذلك، كانت بعض المناطق الجانبية من الجسم ضعيفة نسبيًا نتيجة التركيب الرسوبي، مما جعلها أكثر عُرضة للتعرية (Gauri, 1984).
المرجع:
Lehner, M. (1991). The Complete Pyramids. Thames & Hudson.
Gauri, K. L. (1984). Weathering of the Sphinx. Archaeometry, 26(2), 143–158.
ثانيًا: هل غُلِّف أبو الهول بكسوة حجرية؟
- لا يوجد دليل أثري أو نصوص قديمة تشير إلى أن المصري القديم قام بتغطية جسم التمثال بكسوة حجرية متكاملة كتلك التي نراها في الأهرامات (التي كُسيت بالكسوة البيضاء المصقولة).
- تُظهر الدراسات الميدانية الحديثة (Lehner, 1991; Hawass, 2000) أن ما يُرى اليوم من "ألواح حجرية" مثبتة على الجانبين (خاصةً عند منطقة الجسم الأمامية والجانبية) هي في الغالب محاولات ترميم تعود للعصور اللاحقة، خصوصًا من عهد الدولة الحديثة (الأسرة 18، في عهد تحتمس الرابع) وما بعدها (الدولة الحديثة واليونانية والرومانية والإسلامية).
- هذه "الألواح" الموجودة الآن على الجانبين ليست كسوة أصلية بالكامل، بل هي عبارة عن أعمال دعم وترميم نتيجة تدهور الطبقات الجيرية الهشة في هذه المناطق بفعل عوامل التعرية.
المرجع:
Lehner, M. (1991). The Complete Pyramids. Thames & Hudson.
Hawass, Z. (2000). The Secrets of the Sphinx. American University in Cairo Press.
Gauri, K. L. (1984). Weathering of the Sphinx. Archaeometry, 26(2), 143–158.
--
ثالثًا: سبب ترميم الأجزاء الجانبية أثبتت الدراسات الجيوتقنية أن:
الجسم الأوسط والسفلي للتمثال منحوت من طبقات أقل صلابة وأكثر مسامية، ما جعله عرضة للتعرية المائية والريحية .. ولذلك، اضطر المصري القديم، ومن بعده المرممون (الأسرة 18 وما بعدها)، لتدعيم هذه المناطق، عبر إضافة مداميك حجرية (revetments) أو ألواح حجرية ذات طبيعة أكثر صلابة في محاولة لحمايتها من التآكل.
المرجع:
Dobecki, T. L. & Schoch, R. M. (1992). Seismic Investigations in the Vicinity of the Great Sphinx of Giza, Egypt. Geoarchaeology, 7(6), 527–544.
Lehner, M. (1991). The Complete Pyramids. Thames & Hudson.
* التمثال الأصلي لم يكن مكسوًا بأحجار إضافية تغطيه بشكل كامل ولكن الكسوة الموجودة حاليًا على الجانبين هي في معظمها أعمال ترميم قديمة الأولى كانت بواسطة الإدارة الهندسية و إستخدم الأسمنت البور تلاندى فى تثبيت هذه الكسوة أما الثانية كانت بإستبدال الأولى بلأحجار مثبتة بالعجينة الجيرية وهى من طبيعة الحجر وكان ذلك بواسطة النحات آدم حنين وتنفيذ ا.د. محمود مبروك والنحاتين بقيادة الريس سعيد النشرتى وهو حي يرزق فهذا الترميم يعكس فهم الفنان المصري لأهمية صيانة وصون الآثار الضخمة. |