بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
هل سمعت يومًا عن أحد الكنوز الطبيعية الخفية في قلب سيناء، وادٍ يجمع بين الجمال الأخّاذ والتكوينات الجيولوجية الفريدة، وتاريخ ممتد عبر مسارات القوافل وتحركات الشعوب؟ إنه وادي الكيد، أحد الأودية المهمة في جنوب شبه جزيرة سيناء، شرق مدينة الطور، والذي يمتد في سلسلة من الأودية الجبلية التي تشق جبال الجنوب وتصل إلى مناطق ذات قدسية وتاريخ مثل وادي فيران وجبل موسى وسانت كاترين.
يتميز هذا الوادي بمسالكه المتعرجة وتضاريسه الحادة، تتناثر فيه الصخور الجرانيتية والرملية، وتحيط به جبال شامخة تصنع مشهدًا طبيعيًا بالغ الجمال. يحمل اسمه دلالة عميقة، إذ إن "الكيد" في اللغة يشير إلى المكر والحيلة والدهاء، وهو اسم لا يخلو من دقة وبلاغة، لما يتصف به الوادي من وعورة وتشابك في المسالك، قد يضل السالك دربه دون دليل، وكأن الأرض فيه تُكاد لمن لا يعرفها.
ويرجح أن هذا الاسم ارتبط كذلك باستخدام الوادي عبر التاريخ كموقع دفاعي أو كمصيدة طبيعية، يُخفي من يحتمي به عن أعين المتسللين. كما تتداول بعض الروايات البدوية أساطير شفاهية حول تسميات تعود إلى حوادث معينة، توارثتها الأجيال حتى ترسّخ الاسم رسميًا.
ورغم غياب الإشارات المباشرة إلى "وادي الكيد" في السجلات الفرعونية أو الكلاسيكية، إلا أنه يُعتقد أنه كان معبرًا ضمن طرق التجارة والحج القديمة بين مصر والحجاز. أما في العصور الإسلامية والعثمانية، فقد شكّل ممرًا لحملات قبائل بدوية، ومسلكًا رعويًا وزراعيًا ضمن شبكة الطرق التقليدية لسيناء.
يسكن جوار الوادي اليوم عدد من القبائل البدوية مثل العليقات والطميلات، والذين ما يزالون يحافظون على نمط الحياة التقليدي، ويستخدمون الوادي للرعي واستغلال مصادر المياه النادرة فيه. وتُعد هذه المجتمعات جزءًا من هوية الوادي وثقافته الحية.
ورغم أنه لم يتحول بعد إلى وجهة سياحية شهيرة، فإن وادي الكيد بات مقصدًا للباحثين وهواة السياحة البيئية وسياحة المغامرات، حيث تزدهر فيه أشجار النخيل وبعض الأشجار المثمرة التي تنمو بفعل تجمع مياه الأمطار، وتضفي عليه طابعًا أخضر في قلب الصحراء. ويُعد الموقع مثاليًا للتخييم، والتأمل في مشاهد الشروق والغروب، والتجوال الجبلي (الهايكينج)، كما يدخل ضمن برامج المحميات الطبيعية والتنمية المستدامة في سيناء.
وقد بات الوادي جزءًا من توجهات السياحة المجتمعية التي تشجع على الإقامة لدى العائلات البدوية والتعرف على التراث المحلي من حرف يدوية، وعادات غذائية، وتقاليد بدوية أصيلة، بما يعزز فرص التنمية المتوازنة التي تراعي البيئة والإنسان.
وادي الكيد، بفرادته الجغرافية وعمقه التراثي، يستحق أن يُدرج ضمن أجمل أودية مصر التي تنتظر اكتشافها... فبين الجبال الصامتة تنطق الطبيعة بحكمة لا تنضب.
وادي الكيد شاهد على عبقرية المكان وسحر الطبيعة |