بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
حي الدرب الأحمر هو أحد أعرق أحياء القاهرة التاريخية، يزخر بتراث معماري فريد وآثار إسلامية نادرة تعكس روعة الحضارة الإسلامية عبر العصور. يضم الحي العديد من المساجد والمدارس والتكايا التي أنشأها السلاطين والأمراء، مثل مسجد السلطان حسن، ومسجد الرفاعي، وسبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا.
هذا الحي شاهداً على تاريخ مصر العريق، حيث تجتمع فيه روح الأصالة مع عبق التاريخ، وما زال يحتفظ بسحره الخاص الذي يجذب عشاق التراث والثقافة منها التحفة المعمارية فى قلب الدرب الأحمر وهى مسجد أصلم السلحدار بجوار ستنا فاطمة النبوية وسيدنا محمد الدسوقي أخو سيدى إبراهيم الدسوقي رضى الله عنهم جميعاً.
* يقع مسجد أُصلم السلحدار في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، وهو أحد المساجد الأثرية التي تعود إلى العصر المملوكي البحري .. بُني في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) خلال حكم المماليك، وكان يُنسب إلى الأمير أُصلم السلحدار، أحد قادة الجيش في ذلك العصر.
* يتميز المسجد بتصميمه المعماري الفريد الذي يعكس أسلوب العمارة المملوكية، حيث يحتوي على واجهة مزخرفة بالأشرطة الهندسية والنقوش العربية، كما يضم مئذنة شاهقة ذات طراز مملوكي أنيق.
أما القبة، فهي تبرز جماليات العمارة الإسلامية بزخارفها الداخلية والخارجية.
* تم بناء مسجد أصلم السلحدار باستخدام مواد تقليدية شائعة في العمارة المملوكية، حيث اعتمد البناء بشكل أساسي على الأحجار الجيرية والجص، مع استخدام الطوب والطين في قاعدة الأساسات.
- الأحجار الجيرية والجص: استُخدمت في بناء الجدران والأقسام الرئيسية للمسجد، مما يوفر هيكلًا قويًا ومتينًا.
- الطوب والطين : استُخدم في تأسيس القواعد، مما يعكس تقنيات البناء التقليدية في ذلك الوقت.
يُذكر أن المسجد كان جزءًا من مجمع أكبر يضم ثكنات للفرسان، إسطبلات، ونافورة عامة (سبيل)، بالإضافة إلى مبنى سكني وقصر. حاليًا، لم يتبقَ سوى المسجد من هذا المجمع.
- يُعتبر مسجد أصلم السلحدار مثالًا بارزًا على العمارة المملوكية في القاهرة، ويعكس استخدام المواد التقليدية وتقنيات البناء المتقدمة في ذلك العصر.
* المسجد إلى جانب كونه مكانًا للصلاة، كان المسجد يلعب دورًا مهمًا كمركز تعليمي وديني، حيث احتضن حلقات تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية كما ارتبط اسمه بعدد من الأحداث التاريخية، نظرًا لموقعه داخل نسيج القاهرة الإسلامية.
* سبب تسمية المسجد بـ "أُصلم السلحدار" : يرجع اسم مسجد أُصلم السلحدار إلى الأمير أُصلم السلحدار، الذي كان أحد أمراء الدولة المملوكية في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون.
أُصلم : هو اسم الأمير، ويبدو أنه كان من أصول غير عربية، كما هو الحال مع العديد من أمراء المماليك الذين جُلبوا صغارًا وتم تدريبهم في بلاط السلطان ليصبحوا قادة في الدولة.
السلحدار : تعني حامل السلاح، وهو لقب عسكري رفيع كان يُمنح للشخص المسؤول عن تسليح السلطان وجيشه، مما يعكس المكانة العسكرية الرفيعة للأمير أُصلم.
* كيفية الوصول إلى المسجد : يقع مسجد أصلم السلحدار في درب شعلان المتفرع من شارع فاطمة النبوية بحي الدرب الأحمر في القاهرة.
بالسيارة الخاصة أو التاكسي :يمكنك توجيه السائق إلى شارع فاطمة النبوية في حي الدرب الأحمر، ثم الدخول إلى درب شعلان حيث يقع المسجد.
الوصول كفسحة ماشياً على الأقدام : الدخول من أمام متحف الفن الإسلامي ناصية مديرية أمن القاهرة يوجد شارع ( أحمد ماهر ) تحت الربع وفى هذا الشارع تجد يميناً مسجد فاطمة الشقرا - محلات بيع الفوانيس والعطارة إلى يميناً زازية فرج بن برقوق ويساراً مسجد المؤيد شيخ وباب زويلة ومن هنا يبدأ شارع الدرب الأحمر ثم يساراً مسجد أبو حريبه فيسارلً مسجد الطنبغا الميرداني ثم إستكمالاً حتى يميننا شارع سوق السلاح المتقاطع مع شارع باب الوزير وأمام هذا التقاطع شارع السيدة فاطمة النبوية ثم إلى مسجد أصلم السلحدار.
* يُعتبر مسجد أصلم السلحدار تحفة معمارية تعود إلى العصر المملوكي، حيث تم بناؤه عام 1345م (746هـ) بأمر من الأمير بهاء الدين أصلم السلحدار يتميز المسجد بتخطيطه المعماري الفريد الذي يعكس الابتكار في تصميم المساجد خلال تلك الفترة.
التخطيط العام للمسجد :
- الصحن المسقوف: يُعد هذا المسجد من أوائل المساجد التي اعتمدت تصميم الصحن المسقوف، حيث تم تغطية الصحن بسقف خشبي مزخرف، مما يميزه عن المساجد الأخرى ذات الأصحن المكشوفة.
- الإيوانات الأربعة : يحيط بالصحن أربعة إيوانات متقابلة ومتماثلة :
1- الإيوان الشرقي والإيوان الغربي: كلاهما مفتوحان على الصحن بواسطة عقدين كبيرين.
2- الإيوان البحري (الشمالي) والإيوان القبلي (الجنوبي): يفتح كل منهما على الصحن بواسطة ثلاثة عقود صغيرة محمولة على أعمدة رخامية.
3- إيوان القبلة: يقع في الجهة الجنوبية الشرقية، ويضم المحراب المزخرف بالرخام الملون، بالإضافة إلى منبر خشبي مزين بحشوات محفورة بزخارف بارزة.
4- القبة الضريحية : تقع في الركن الشرقي القبلي للمسجد، وتتميز بقبتها المضلعة المزينة ببقايا من الفسيفساء الخزفية (القاشاني) التي تحمل آيات قرآنية. يُعتبر استخدام القاشاني في تزيين القباب من الأمثلة النادرة في العمارة المملوكية.
- الواجهة القبلية (الجنوبية): تتميز بوجود القبة المضلعة في نهايتها الشرقية، وتُزين بتربيعة رخامية كبيرة تعلو الباب الرئيسي، مصنوعة من الرخام الأبيض والملون بأشكال زخرفية بديعة.
- الواجهة الغربية: تضم بابًا يؤدي إلى صحن المسجد عبر ممر منثني، ويُعتبر هذا الباب نموذجًا رائعًا لأبواب المساجد المملوكية، حيث يغطيه مقرنصات متقنة الصنع.
* الزخارف والتفاصيل المعمارية :
- أسقف الإيوانات : تُظهر بقايا الزخارف في أسقف الإيوانات تنوعًا في النقوش متعددة الألوان، مما يعكس الثراء الفني للحقبة المملوكية.
- زخارف الصحن : تُحلى واجهات الصحن العلوية بدوائر ومعينات من الجص المزخرف، تتخللها شبابيك ذات عقود مثلثة على شكل مراوح، محاطة بإطارات من الكتابات الكوفية.
يُبرز مسجد أصلم السلحدار تطور العمارة الإسلامية في القاهرة خلال العصر المملوكي، ويعكس الابتكارات التصميمية التي ظهرت في تلك الفترة، مما يجعله شاهدًا على التاريخ المعماري الغني للمدينة.
* يُعتبر مسجد أصلم السلحدار من أبرز المعالم المعمارية التي تعكس روعة الفن الإسلامي في العصر المملوكي حيث تتميز الحوائط الداخلية للمسجد بتصميمات وزخارف فنية دقيقة، تبرز مهارة الحرفيين في ذلك الوقت.
- تُزين الحوائط الداخلية بزخارف جصية غنية بالتفاصيل، مما يعكس الدقة والإتقان في تنفيذها.
الألواح الرخامية:
- تُكسى الجدران بألواح رخامية ملوّنة، تضفي لمسة من الفخامة والرقي على المساحات الداخلية.
المحاريب والزخارف الهندسية:
- تتضمن الحوائط محاريب مزخرفة بتصاميم هندسية ونباتية، تُظهر التناغم بين العناصر المعمارية والزخرفية.
- الكتابات الكوفية :تزيّن بعض أجزاء الحوائط بكتابات كوفية، تضيف بُعدًا جماليًا وروحانيًا للمكان و
تُظهر هذه العناصر مجتمعةً مدى الإبداع الفني والاهتمام بالتفاصيل في تصميم الحوائط الداخلية لمسجد أصلم السلحدار، مما يجعله تحفة معمارية تستحق الزيارة والتأمل.
* يُعتبر محراب مسجد أصلم السلحدار تحفة فنية تعكس روعة العمارة المملوكية في
القاهرة. يتميز المحراب بالخصائص الفنية والزخرفية التالية :-
1- المواد والتقنيات المستخدمة : تم استخدام الجص المنحوت بدقة لتشكيل الزخارف المعقدة التي تزين المحراب، مما يعكس مهارة الحرفيين في ذلك العصر.
2- الزخارف الجصية : تُظهر الزخارف الجصية تفاصيل نباتية وهندسية متداخلة، مما يضفي على المحراب جمالًا وروحانية خاصة.
3- الكتابات الكوفية : تُزين بعض أجزاء المحراب بكتابات كوفية، تضيف بُعدًا جماليًا وروحانيًا للمكان.
يُجسّد محراب مسجد أصلم السلحدار تميز العمارة المملوكية واهتمامها بالتفاصيل والزخارف الفنية، مما يجعله مثالًا بارزًا على الإبداع الفني في تلك الحقبة.
* يُعتبر منبر مسجد أصلم السلحدار تحفة فنية تعكس روعة العمارة المملوكية في القرن الرابع عشر الميلادي ويتميز المنبر بصناعته الدقيقة وزخارفه البارزة الجميلة.
- صُنع المنبر من الخشب، حيث تم حفر حشواته بزخارف بارزة متقنة، مما يعكس مهارة الحرفيين في ذلك العصر.
- يتميز المنبر بتصميم هندسي دقيق، مع حشوات محفورة بزخارف بارزة جميلة، مما يضفي عليه طابعًا فنيًا مميزًا.
- يقع المنبر بجانب المحراب في إيوان القبلة، مما يتيح للإمام الارتقاء عليه لإلقاء الخطب والمواعظ.
يُعَدّ هذا المنبر مثالًا رائعًا على الإبداع الفني في العصر المملوكي، ويعكس الاهتمام بالتفاصيل والزخارف في تصميم المساجد آنذاك.
* الواجهة الرئيسية : تتزين الواجهة الرئيسية بوحدة زخرفية بارزة، تتضمن نصًا تأسيسيًا محفورًا بدقة، مما يعكس مهارة الحرفيين في ذلك العصر.
المدخل الرئيسي:يتميز المدخل بتربيعة رخامية كبيرة تعلو الباب، مكونة من الرخام الأبيض الملبس بالرخام الملون، بأشكال زخرفية بديعة ومتقنة.
القبة :تقع القبة المضلعة في الركن الشرقي القبلي للمسجد، ويحيط برقبتها أسفل التضليع بقايا طراز من القاشاني (الفسيفساء الخزفية) كُتبت عليه آيات قرآنية، ويُعتبر استخدام القاشاني في تزيين القباب من الأمثلة النادرة في العمارة المملوكية.
* مرّ مسجد أصلم السلحدار بعدة مراحل ترميمية منذ إنشائه في عام 1345م، بهدف الحفاظ على قيمته التاريخية والمعمارية. وفيما يلي أبرز عمليات الترميم التي شهدها المسجد:
1- ترميم عام 1894م (1312هـ): أُجريت أعمال ترميم للمسجد في هذا العام، بهدف الحفاظ على بنيته ومعماره.
2- ترميم عام 1982م :شهد المسجد عملية ترميم أخرى في هذا العام، لتعزيز هيكله والحفاظ على تفاصيله المعمارية.
3- مشروع الترميم الشامل (2006-2009م) :
الجهات المنفذة: تولى صندوق الآغا خان للثقافة (AKTC) عملية ترميم المسجد وتوثيقه، بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية. كما شارك في تمويل المشروع مركز البحوث الأمريكي وجهات مانحة أخرى.
مدة التنفيذ: استمرت أعمال الترميم لمدة ثلاث سنوات، من عام 2006م حتى 2009م.
* العمليات الترميمية شملت العناصر الخشبية للمسجد، بهدف الحفاظ على قيمته التاريخية والمعمارية. أبرز هذه العمليات تمت خلال الفترة من عام 2006م إلى 2009م، حيث قامت مؤسسة الأغاخان الثقافية بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار بتنفيذ مشروع ترميم شامل للمسجد.
أعمال الترميم التي شملت العناصر الخشبية:
1- ترميم السقف الخشبي :تمت أعمال الترميم للسقف الخشبي للمسجد، بما في ذلك تنظيفه، إصلاح الأجزاء التالفة، ومعالجة الشروخ، بهدف استعادة حالته الأصلية وضمان استدامته.
2- ترميم الشرفات والأروقة الداخلية :شملت أعمال الترميم الشرفات والأروقة الداخلية للمسجد، حيث تم 3- إصلاح العناصر الخشبية المتضررة، ومعالجة التلف الناتج عن العوامل البيئية والزمنية، لضمان استقرارها وجمالها.
4- ترميم دكة المبلغ :تم ترميم دكة المبلغ، وهي المنصة الخشبية المستخدمة لرفع صوت المؤذن أو الإمام، حيث شملت الأعمال إصلاح الأجزاء المتضررة ومعالجة الأخشاب للحفاظ على سلامتها.
* تُظهر هذه الجهود الترميمية مدى الاهتمام بالحفاظ على العناصر الخشبية في مسجد أصلم السلحدار، مما يساهم في إبراز القيمة التاريخية والفنية للمسجد كجزء من التراث المعماري للقاهرة.
* فيما يخص الحوائط الحجرية، تضمنت أعمال الترميم ما يلي :
- تنظيف وترميم التصاميم الجصية والجدران الرخامية: شملت عمليات الترميم تنظيف وترميم التصاميم الجصية الغنية بالتفاصيل والجدران الرخامية الملوّنة التي تزيّن المسجد من الداخل والخارج، بهدف استعادة رونقها الأصلي والحفاظ على جمالياتها.
تُظهر هذه الجهود الترميمية المستمرة مدى الاهتمام بالحفاظ على مسجد أصلم السلحدار كمعلم تاريخي يعكس روعة العمارة الإسلامية في العصر المملوكي وتكون أهداف أعمال الصيانة والترميم كالآتي :
- إعادة المسجد إلى حالته الأصلية والحفاظ على عناصره المعمارية والزخرفية.
- تعزيز البنية التحتية للمسجد لضمان استدامته.
- إبراز القيمة التاريخية والثقافية للمسجد كجزء من التراث المعماري للقاهرة.
|