بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
إذا زرت مدينة بورسعيد الباسلة، فلا تفوّت فرصة زيارة المسجد التوفيقي، تلك التحفة الفنية والتاريخية التي تبعث الطمأنينة والسمو الروحي.. عند دخولك إلى المسجد والتجول في أروقته، ستشعر بعظمة هذا الصرح الذي شهد على تاريخ المدينة وكفاح أهلها.
وما إن تصلي ركعتين في صحنه، حتى يغمرك إحساس بالفخر والاعتزاز، فهنا تجتمع روح الإيمان والشجاعة التي تجسدها هذه المدينة العريقة. إنه ليس مجرد مسجد، بل شاهدٌ على صمود بورسعيد وأهلها في وجه المحن والتحديات.
يُعتبر المسجد التوفيقي أقدم مساجد مدينة بورسعيد، حيث أُنشئ عام 1882م في عهد الخديوي توفيق، وسُمّي نسبةً إليه .. يقع المسجد في حي العرب، أحد أقدم أحياء المدينة، ويُعتبر قلب بورسعيد لتوسطه هذا الحي.
* بدأت فكرة إنشاء المسجد عندما قامت شركة قناة السويس باستقدام العمال المصريين لحفر القناة، فقامت ببناء مسجد لهم في قرية العرب سنة 1860م، وكان هذا المسجد عبارة عن شونة للغلال عليها مئذنة، ولم تكن الخدمات في هذا المسجد على قدر أعداد المصلين المتزايدة .. ومع تزايد عدد المصلين، قررت إدارة مدينة بورسعيد عام 1868 الاهتمام بهذا المسجد من حيث فرشه والاعتناء به. وفي يونيو 1869، صدرت التعليمات بإنشاء مسجد ببورسعيد على نفقة الحكومة المصرية.
* واجهت عملية بناء المسجد عدة صعوبات، منها عدم توفر مواد البناء والمياه اللازمة. وفي عام 1881، زار الخديوي توفيق بورسعيد واطّلع على حالة المسجد، فأصدر أمرًا بإنشاء مسجد جديد مع مدرسة ملحقة لتربية الأطفال .. وفي السابع من ديسمبر 1882، احتُفل بوضع أساس المسجد التوفيقي في موكب ضخم شارك فيه العلماء وأعيان المدينة.
* لعب المسجد دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية والسياسية للمدينة، حيث انطلقت منه المظاهرات المطالبة بالحرية خلال سنوات مقاومة الاحتلال، وكذلك أثناء تصدي شعب المدينة للعدوان الثلاثي عام 1956م .. كما انطلقت منه التظاهرات خلال ثورتي 25 يناير و30 يونيو.
* يُعتبر المسجد التوفيقي من أشهر مساجد المحافظة التي يتوافد عليها المصلون من أحياء بورسعيد كافة لأداء شعائر صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، وتتزين الشوارع المحيطة به بزينة رمضان والأنوار ابتهاجًا بالشهر المبارك.
* كيفية الوصول إلى المسجد التوفيقي :
- بالسيارة: إذا كنت قادمًا من خارج بورسعيد، يمكنك استخدام الطريق السريع المؤدي إلى المدينة. بعد دخول بورسعيد، اتجه نحو حي العرب وابحث عن شارع الثلاثيني حيث يقع المسجد.
- بالنقل العام: تتوفر حافلات وميكروباصات محلية تصل إلى حي العرب. يمكنك النزول في محطة قريبة من شارع الثلاثيني والسير لبضع دقائق للوصول إلى المسجد.
- سيرًا على الأقدام: إذا كنت في وسط المدينة، يمكنك السير نحو حي العرب واتباع الإشارات المؤدية إلى شارع الثلاثيني.
* التخطيط العام للمسجد التوفيقي
يتميز المسجد التوفيقي بتخطيط معماري إسلامي تقليدي يجمع بين البساطة والجمال المعماري، ويتكون من العناصر التالية:
1- المصلى الرئيسي : عبارة عن قاعة مستطيلة واسعة تتسع لعدد كبير من المصلين و تعلوه قبة مركزية مزخرفة، تتيح الإضاءة الطبيعية من خلال النوافذ الجصية الملونة ..ويتوسط القاعة منبر خشبي مزخرف ومحراب نصف دائري غائر داخل جدار المسجد، وهو الشكل التقليدي للمحاريب الإسلامية.
2- الصحن المكشوف : ساحة مفتوحة تحيط بها أروقة، توفر التهوية والإضاءة الطبيعية وتستخدم للصلاة في الأيام ذات الطقس المعتدل ولتجمع المصلين خلال المناسبات الدينية.
3- المآذنة : للمسجد مئذنة واحدة ذات طراز عثماني، تتميز بارتفاعها النسبي وشرفاتها المزخرفة وتستخدم للأذان وتعكس طراز العمارة الإسلامية في فترة بناء المسجد.
4- الأروقة والظلات : تحيط بالصحن وتوفر الظل والراحة للمصلين .. وتعتمد على أعمدة حجرية تحمل عقودًا مدببة مستوحاة من الطراز الإسلامي التقليدي.
5- مدخل المسجد : يتوسط الواجهة الرئيسية، وهو مدخل بارز محاط بزخارف هندسية ونقوش عربية.
ويحتوي على أبواب خشبية ضخمة مزخرفة بالنحاس.
6- المدرسة الدينية والمرافق الملحقة :كان المسجد يضم مدرسة لتحفيظ القرآن وتعليم العلوم الدينية.
يضم أماكن مخصصة للوضوء ودورات مياه ملحقة لتلبية احتياجات المصلين.
* خضع المسجد التوفيقي في بورسعيد لعدة عمليات ترميم للحفاظ على قيمته التاريخية والمعمارية. وأبرز هذه العمليات كانت في عام 2018، حيث هدفت إلى الحفاظ على تفاصيله المعمارية الدقيقة وحمايته من عوامل التعرية والزمن.
تُشرف وزارة السياحة والآثار المصرية على هذه الجهود، كجزء من مشروع وطني لحماية التراث الإسلامي في المدن الساحلية وخاصة المسجد التوفيقي كمعلم ديني وتاريخي في بورسعيد، وحرص الجهات المختصة على الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
* الدور الوطني للمسجد التوفيقي ببورسعيد:
المسجد التوفيقي لعب دورًا وطنيًا بارزًا في تاريخ بورسعيد، حيث كان شاهدًا على العديد من الأحداث الوطنية، خاصة خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م واهم هذه الأدوار :-
1- دور في المقاومة الشعبية : خلال العدوان الثلاثي (1956)، كان المسجد أحد مراكز تجمع المقاومة الشعبية، حيث اجتمع فيه المجاهدون والمواطنون للتنظيم والتخطيط لمواجهة الاحتلال كما استخدمه الفدائيون كموقع لتخزين السلاح والإمدادات، كما كان ملجأً للمصابين خلال القصف.
2- نشر الروح الوطنية والدعوة للجهاد :كان المسجد منبرًا لخطب تحفيزية تدعو للمقاومة والدفاع عن الوطن ضد الاحتلال البريطاني والفرنسي والإسرائيلي خلال العدوان الثلاثي كما لعب أئمة المسجد دورًا مهمًا في رفع معنويات الشعب ودعوتهم للصمود والتكاتف في وجه الاحتلال.
3- دور ديني وثقافي في تشكيل الوعي الوطني : لطالما كان المسجد مركزًا لنشر الوعي الديني والاجتماعي، حيث تمت فيه دروس وخطب تعزز الهوية الوطنية والقيم الإسلامية ولذلك ارتبط المسجد تاريخيًا بتجمعات شعبية ومناسبات وطنية، مما عزز مكانته كموقع رمزي في ذاكرة أهالي بورسعيد.
المسجد التوفيقي ليس فقط مكانًا للصلاة، بل هو نبضٌ من تاريخ مصر، يحمل في جدرانه ذكريات الأجداد ومواقف البطولة. فاحرص على زيارته، وتأمل في جماله المعماري، واستشعر الروح الوطنية التي تسكن زواياه.
|