بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
الزيارة لهذا المكان مع تأدية أحد الفرائض في مسجد نصر الدين، فسوف تشعر بروحانية خاصة تمتزج بجمال المكان وتاريخه العريق .. وهناك عدة مشاعر قد تسيطر عليك بعد الصلاة، أهمها السكينة والراحة النفسية والإستمتاع بمشاهدة الطابع التقليدي الهادئ للمسجد، مع جدرانه الطينية البيضاء وقبته التاريخية، وهذا يخلق إحساسًا بالسلام الداخلي والطمأنينة.
المسجد هو مسجد نصر الدين الذى يعتبر أحد أقدم المساجد الأثرية في محافظة الوادي الجديد، ويقع في قرية القصر الإسلامية بمركز الداخلة و يعود تاريخ بناء المسجد إلى القرن الأول الهجري، وقد أسسه الشيخ نصر الدين، الذي عمل خادمًا للمسجد والمصلين فيه.
بُني المسجد من الطوب اللبن، ويتميز ببساطته المعمارية .. يحتوي على منبر تم ترميمه عدة مرات، وقبلة مبنية من الطوب اللبن ومطلية بالجير الحي الأبيض .. أما سقف المسجد مصنوع من جريد وأفلاق النخيل. تُعتبر مئذنة المسجد من أبرز معالمه، حيث يبلغ ارتفاعها حوالي 21 مترًا، وتتبع نمط المآذن في العصر الأيوبي وتتكون المئذنة من ثلاثة طوابق، وكانت تُستخدم قديمًا للمراقبة ورصد تحركات الوافدين نحو أسوار مدينة القصر، التي كانت عاصمة الواحات في العصر الإسلامي.
تُعد مدينة القصر الإسلامية تحفة معمارية تحتفظ بمعالمها الأثرية، حيث تضم ديوان المحكمة من العصر الفرعوني، والمدرسة القرآنية لتعليم الدين الإسلامي، بالإضافة إلى مسجد نصر الدين، الذي يُعتبر من أقدم الجوامع الباقية على حالتها في مصر.
يُذكر أن المسجد تم تجديده على يد الأمير درويش علي أفندي، حاكم الواحات، عام 1273 هجرية. وتُظهر المئذنة تشابهًا مع مئذنة مسجد الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة، مما يعكس التأثيرات المعمارية لتلك الفترة.
يُعتبر مسجد نصر الدين شاهدًا على التاريخ الإسلامي في المنطقة، ويعكس براعة العمارة الإسلامية في ذلك الوقت، مما يجعله مقصدًا مهمًا للمهتمين بالتراث والتاريخ الإسلامي.
* من هو الشيخ نصر الدين خادم المسجد ؟
- الشيخ نصر الدين هو شخصية إسلامية تاريخية يُنسب إليه تأسيس مسجد نصر الدين في قرية القصر الإسلامية بمركز الداخلة في محافظة الوادي الجديد .. كان رجل دين وزاهدًا عاش في المنطقة، وعمل خادمًا للمسجد والمصلين فيه. ويُقال إنه كان من أوائل الشخصيات التي ساهمت في نشر التعاليم الإسلامية في الواحات المصرية، وخاصة في مدينة القصر التي كانت تُعد مركزًا إسلاميًا وإداريًا مهمًا في العصور الإسلامية المبكرة.
* المسجد الذي يحمل اسمه يُعد أحد أقدم المساجد الأثرية في الوادي الجديد، حيث يعود تاريخه إلى القرن الأول الهجري، وتمت إعادة تجديده في عهد الأمير درويش علي أفندي، حاكم الواحات عام 1273هـ.
* براعة الفنان المعماري في الواحات المصرية : الفنان المعماري في الواحات المصرية يتمتع بمهارات فريدة نشأت نتيجة الظروف البيئية القاسية والحاجة إلى توفير مساكن ومبانٍ تتناسب مع طبيعة المناخ الصحراوي .. وتعكس العمارة في الواحات عبقرية البناء المحلي، حيث استطاع المعماريون المزج بين الوظيفة الجمالية والاحتياجات المناخية والبيئية، مما أنتج طرازًا معماريًا أصيلًا متكيفًا مع البيئة الصحراوية.
- أهم ملامح براعة الفنان المعماري الواحاتي :
1- استخدام مواد البناء المحلية : يعتمد المعماري الواحاتي على الطوب اللبن (الطين المخلوط بالتبن) في البناء، مما يوفر عزلًا حراريًا ممتازًا يحمي المباني من الحرارة الشديدة في النهار والبرودة في الليل.
- يستخدم النخيل وجريد النخل في تسقيف المنازل والمساجد، مما يمنح المباني خفة في الوزن وتهوية طبيعية.
2- تصميم معماري متكيف مع المناخ : تتميز المباني بالجدران السميكة التي تعزل الحرارة ولذلك يتم تصميم الشوارع الضيقة والمباني المتلاصقة لتوفير الظل وتخفيف حدة الشمس، وهو ما يُعرف بأسلوب "التخطيط العضوي" للمدن.
- يتم الاعتماد على الفناء الداخلي في المنازل، وهو عنصر معماري يسمح بالتهوية الطبيعية والإضاءة دون التعرض المباشر لأشعة الشمس.
3- الزخرفة والنقوش الهندسية : تتميز العمارة الواحاتية باستخدام الزخارف الهندسية والنقوش البسيطة على الجدران والأبواب الخشبية، خاصة في المساجد والمنازل القديمة.
- يتم نقش بعض الآيات القرآنية والرموز التراثية على الأبواب، مما يعكس البعد الروحي والثقافي في فن العمارة.
4- المآذن والأقواس المعمارية : تتسم مآذن المساجد في الواحات بتصميمها الهرمي أو الأسطواني البسيط، وغالبًا ما تكون قصيرة نسبيًا مقارنة بمآذن المدن الكبرى.
- تُستخدم الأقواس المدببة والمداخل المرتفعة لإضفاء الطابع الإسلامي التقليدي، مع تحقيق توزيع متوازن للأحمال في البناء.
5- التكامل مع البيئة : يتم استغلال الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة، حيث يعتمد المعماريون على الآبار والعيون الجوفية لتوفير المياه، كما يستفيدون من اتجاهات الرياح في تصميم المنازل والمساجد لتوفير التهوية الطبيعية.
وهذه أمثلة على العمارة٫ الواحاتية المتميزة :
- قرية القصر الإسلامية في الداخلة: تحتوي على مسجد نصر الدين والمنازل الطينية ذات النقوش الفريدة.
- منازل وسراديب الخارجة: مبانٍ طينية بُنيت بأسلوب يحميها من العواصف الرملية ويحتفظ بالبرودة داخلها.
- مدينة البجوات الأثرية: نموذج للعمارة القبطية المبكرة في الواحات.
* قرية القصر الإسلامية : هي إحدى القرى التاريخية في مركز الداخلة، محافظة الوادي الجديد، وتُعد من أقدم القرى الإسلامية في الواحات المصرية .. كانت عاصمة الواحات في العصر الأيوبي، وتتميز بعمارتها الإسلامية الفريدة، حيث تضم منازل مبنية من الطوب اللبن، وشوارع ضيقة تعكس التخطيط الإسلامي القديم .. ولذلك تعد نموذجًا حيًا للتخطيط العمراني الإسلامي في الصحراء، وما زالت تحتفظ بطابعها الأثري، مما يجعلها وجهة مهمة لعشاق التاريخ والتراث.
- ومن أهم معالمها : المحكمة الشرعية القديمة - المنازل الإسلامية - مسجد نصر الدين .
* مواد البناء المستخدمة في بناء مسجد نصر الدين بالوادي الجديد :
مسجد نصر الدين هو أحد أقدم المساجد الأثرية في الواحات المصرية، وقد بُني باستخدام مواد محلية تتناسب مع طبيعة المناخ الصحراوي. فيما يلي المواد المستخدمة في بنائه مع شرح لكل منها:
1- الطوب اللبن (الطين المخلوط بالتبن) : يتكون الطوب اللبن من الطين والتبن (القش) والماء، ويتم تشكيله في قوالب وتركه ليجف في الشمس و يتميز بعزل حراري ممتاز، مما يساعد على إبقاء المسجد باردًا في الصيف ودافئًا في الشتاء.
- مادة متينة لكنها خفيفة مقارنة بالحجر، مما يسهل استخدامها في البناء.
- متوفر محليًا في الواحات، مما يجعله مادة اقتصادية وصديقة للبيئة.
2- الجير الحي الأبيض : الجير الحي (أكسيد الكالسيوم) يُستخرج من الحجر الجيري ويُستخدم بعد إطفائه بالماء ليتحول إلى جير مطفأ يُستخدم في الطلاء وفى تغطية الجدران الداخلية والخارجية، مما يمنحها لونًا أبيض عاكسًا لأشعة الشمس، مما يساعد في تقليل امتصاص الحرارة.
- له خصائص مطهرة تمنع نمو الفطريات والحشرات على الجدران.
- مقاوم للتآكل، ويزيد من عمر المباني الطينية عند استخدامه كطبقة حماية.
3- جريد وأفلاق النخيل : يتم أخذ الجريد (سعف النخل) وأفلاق النخيل (السيقان الداخلية للجريد) واستخدامها في التسقيف فهى تخفف من حرارة الشمس، حيث يسمح بمرور الهواء بين الألياف، مما يحافظ على تهوية المسجد.
- مادة متوفرة بكثرة في الواحات، وسهلة الاستخدام والتجديد.
- يتميز بالمرونة والمتانة، مما يساعد في إنشاء سقف مستقر وخفيف الوزن.
4- الخشب (الأثل والنخيل) : استُخدم خشب شجر الأثل والنخيل في صناعة الأبواب والنوافذ والعوارض الخشبية الداعمة للسقف حيث يتمتع بمقاومة جيدة للرطوبة، مما يجعله مناسبًا للبيئة الصحراوية.
- خفيف الوزن لكنه قوي، مما يجعله مناسبًا لدعم هيكل المسجد دون زيادة الحمل على الجدران الطينية.
- يُستخدم في النقوش والزخرفة، حيث يتم حفر الزخارف الهندسية والآيات القرآنية على الأبواب.
5- الأحجار المحلية (الحجر الجيري والطَفلة) : استخدمت الأحجار المحلية في بعض الأساسات لتقوية البناء، حيث تم جلب الحجر الجيري والطَفلة من المناطق القريبة.
- يوفر صلابة إضافية للأساسات، مما يساعد في مقاومة عوامل التعرية.
- يستخدم أحيانًا في المحراب أو الأجزاء الزخرفية لمنح المسجد طابعًا جماليًا فريدًا.
* الوصف الداخلي لمسجد نصر الدين : يتميز مسجد نصر الدين بتصميمه البسيط الذي يعكس العمارة الإسلامية التقليدية في الواحات، حيث يُراعي المناخ الصحراوي ويعتمد على المواد المحلية في البناء.
1- تخطيط المسجد الداخلي :
- المساحة : المسجد ذو تصميم مستطيل الشكل، ويضم قاعة صلاة رئيسية واسعة، بالإضافة إلى بعض الملحقات مثل المحراب والمنبر.
- الجدران : مصنوعة من الطوب اللبن، ومطلية بالجير الأبيض، مما يساعد في عكس أشعة الشمس والحفاظ على برودة المكان.
- الأرضية : كانت في الأصل مصنوعة من الطين المدكوك، ثم أضيفت إليها بعض التحسينات لاحقًا.
2- المحراب والمنبر :
المحراب : يقع في الجدار الشرقي، وهو نصف دائري، ومبني من الطوب اللبن المغطى بالجير الحي فهو
بسيط التصميم بدون زخارف معقدة، لكنه يعكس الطابع الروحاني للمسجد .. أما المنبر فمصنوع من الخشب المحلى (الأثل أو النخيل)، وتم تجديده عدة مرات لأنه يتميز ببعض الزخارف الهندسية البسيطة المحفورة يدويًا.
3- الأعمدة والسقف : يعتمد المسجد على أعمدة خشبية من أشجار النخيل لدعم السقف .. أما السقف مصنوع من جريد النخيل المغطى بطبقة من الطين والتبن لعزل الحرارة مع ضرورة وجود فتحات صغيرة في الجدران (مشربيات) تسمح بمرور الهواء والإضاءة الطبيعية.
4- النوافذ والإضاءة : نوافذ صغيرة مستطيلة مغطاة بألواح خشبية أو مشربيات تسمح بدخول الهواء والضوء مع تقليل الحرارة ولأن الإضاءة كانت تعتمد قديمًا على المصابيح الزيتية، وتم استبدالها لاحقًا بالإضاءة الكهربائية.
5- المئذنة (المرتبطة بالمسجد داخليًا) : تتميز المئذنة بارتفاعها الذي يصل إلى 21 مترًا، وهي من الداخل تحتوي على سلم خشبي دائري للوصول إلى الأعلى وكانت المأذنة تُستخدم قديمًا للمراقبة إلى جانب رفع الأذان.
* الوصف الخارجي للمسجد : يتميز مسجد نصر الدين بطرازه المعماري البسيط الذي يعكس الطابع الإسلامي التقليدي في الواحات المصرية، حيث يُراعى في تصميمه الظروف المناخية الصحراوية مع استخدام المواد المحلية في البناء.
1- الشكل العام للمسجد من الخارج :المسجد مستطيل الشكل، ذو جدران سميكة مصنوعة من الطوب اللبن، مما يساعد على العزل الحراري ولون الجدران مغطى بالجير الأبيض، مما يعكس أشعة الشمس ويساعد في تقليل الحرارة داخل المسجد.
- المداخل: يحتوي المسجد على باب رئيسي مصنوع من خشب الأثل، وهو مزخرف بنقوش هندسية بسيطة.
- النوافذ: صغيرة ومستطيلة الشكل، ومغطاة بمشربيات خشبية تسمح بمرور الهواء والإضاءة الطبيعية مع تقليل دخول الغبار.
2- المئذنة : الارتفاع: حوالي 21 مترًا، وهي الأطول في الواحات المصرية .. مبنية من الطوب اللبن ومغطاة بطبقة من الجير وهى مستديرة الشكل وتضيق كلما ارتفعت للأعلى، وفقًا للطراز الإسلامي التقليدي في الواحات م
3- القبة : المحيط يبلغ حوالي 10 أمتار، وهي متناسبة مع مساحة المسجد الداخلية.
- نصف كروية، مبنية من الطوب اللبن ومغطاة بطبقة من الجير الأبيض.
- تحتوي على فتحات صغيرة للتهوية، مما يساعد على تقليل تأثير الحرارة داخل المسجد.
- تعمل كعنصر معماري لتوزيع الأحمال وتقليل الضغط على الجدران وتقوم بتوفير تهوية وإضاءة طبيعية للمسجد
* مرَّ مسجد نصر الدين في قرية القصر ، بعدة عمليات ترميم على مر العصور للحفاظ على بنيته التاريخية ومعالمه الأثرية .. وفيما يلي أبرز محطات الترميم التي مر بها المسجد:
1- التجديد في عام 1273 هـ (1856 م) :
- تم تجديد المسجد على يد الأمير درويش علي أفندي، حاكم الواحات في ذلك الوقت. وقد شمل التجديد ترميم الجدران والأعمدة والسقف، مع الحفاظ على الطابع المعماري الأصلي للمسجد.
يُذكر أن هذا التجديد موثق بنص كتابي موجود على عتبة المدخل الرئيسي للمسجد، يشير إلى دور الأمير درويش علي أفندي في عملية التجديد.
2- ترميمات لاحقة (تواريخ غير محددة) :
- خضع منبر المسجد لعدة عمليات ترميم على مر السنين، بهدف الحفاظ على هيكله الخشبي وزخارفه البسيطة.
- تمت صيانة المئذنة البالغ ارتفاعها 21 مترًا، والتي تتبع نمط المآذن في العصر الأيوبي، لضمان استقرارها وسلامتها الإنشائية.
- أُعيد طلاء الجدران الداخلية والخارجية بطبقة من الجير الحي الأبيض، للمحافظة على المظهر التقليدي ولحماية الجدران الطينية من العوامل البيئية .
- ****************
الإعداد لحق المعرفة إستكمالأ لسلسة المساجد الأثرية والتاريخية التى تزخر بها مصر وعلاقتها بالشهر الكريم والتواصل مع عظمة التراث الإسلامي من خلال البساطة المعمارية العميقة ولأن المكان يساعده على التفكر في الحياة، والتأمل في الماضي والحاضر. |