بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
زيارة إلى صديق أثري خلوق يعمل مديراً عاماً ببيت السحيمى بقطاع الآثار الإسلامية، وقبل الوصول طرأ بذهنى سؤال:هل فعلا كما يقال : إن اللي بنى مصر كان حلواني ؟.. الجواب : العبارة الشهيرة "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني" هي جزء من التراث الشعبي المصري، وقد ارتبطت بالعامية المصرية للتعبيرعن مهارة وإتقان صانع الحلويات (الحلواني) في عمله، واستحضار هذا المثال للدلالة على أهمية الإتقان في بناء الحضارات أو الأعمال الكبرى.
لكن من الناحية التاريخية، ليس هناك دليل يثبت أن "اللي بنى مصر" كان حلوانياً فعلاً. المقصود في العبارة هو الاحتفاء بالحرفيين المهرة ودورهم الكبير في تشييد المباني وإقامة الحضارات، تماماً كما يبدع الحلواني في إعداد الحلويات المتقنة.
العبارة تجسد روح المصريين في المزاح والإبداع اللغوي، وربما استُخدمت للإشارة إلى أن من بنى مصر كان يملك مهارة ودقة، مثل الحلواني في صنعته.
مصر دولة ذات تاريخ عريق وحضارة تمتد لآلاف السنين، تقع في شمال شرق قارة إفريقيا، وتربط بين قارتي آسيا وإفريقيا عبر شبه جزيرة سيناء.
تُعد مصر من أقدم الحضارات في العالم، حيث كانت موطناً للحضارة الفرعونية التي ازدهرت منذ أكثر من 5000 عام. وضمت العديد من المعالم الأثرية مثل الأهرامات وأبو الهول ومعابد الأقصر والكرنك و شهدت تطور الحضارات القبطية، الإسلامية، والحديثة ،فتركت إرثاً ثقافياً ومعمارياً عظيماً.
فمصر ذات ثقافة غنية ومتنوعة نتيجة التفاعل بين الحضارات المختلفة على مر التاريخ وعاصمتها القاهرة، وهي أكبر مدينة في مصر ومن أكثر المدن كثافة سكانية في إفريقيا و تُعرف أيضاً بألقاب عديدة مثل "أم الدنيا" و"مهد الحضارات"، نظرًا لدورها الريادي عبر التاريخ.
القاهرة واحدة من أعرق وأقدم المدن في العالم، حيث تجمع بين التاريخ العريق والحياة العصرية .. تأسست عام 969 مً خلال الحقبة الفاطمية، لكنها كانت مأهولة منذ آلاف السنين بفضل موقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر النيل .. فهى تمتلك تراثاً ثقافياً غنياً يعكس التنوع الحضاري عبر العصور الفرعونية، القبطية، الإسلامية، والعصر الحديث.
القاهرة الفاطمية كانت داخل سور حصين وعناصره من ابراج ومغازل وشرافات وأبواب تغلق ليلآ لحماية سكان القاهرة وعناصرها المعمارية وهذه الأبواب فى كل الإتجاهات الاربعة وهى جزء من تاريخ المدينة العريق، وترتبط بفترة حكم الفاطميين والأيوبيين والمماليك. هذه الأبواب كانت بوابات لحماية المدينة وتحصينها، كما كانت رموزًا معمارية بارزة .
أشهر أبواب القاهرة التاريخية:
1- باب الفتوح : يقع شمال المدينة، بين باب النصر وباب زويلة .. بني عام 1087م في عهد الوزير بدر الجمالي خلال العصر الفاطمي. ويتميز بتصميمه الهندسي القوي وأبراجه الدائرية. يقال أن تسمية هذا الباب ترجع إلى الغرض الرئيسي في أنشائه حيث كانت تخرج من بوابته الجيوش أثناء سيرها للفتوحات .. ثم تعود وتدخل القاهرة وهي منتصرة من باب النصر .. بالإضافة إلى أن الباب كان مركزاً لدخول وخروج قوافل الحجاج المصريين كل عام لزيارة مكة.
2- باب النصر : يقع شرق باب الفتوح .. بني عام 1087م، وهو من أعمال بدر الجمالي .. يتميز بنقوشه الحجرية وتصميمه العسكري الذي يعكس قوة المدينة.
3- باب زويلة : يقع جنوب المدينة القديمة .. بني عام 1092م على يد الفاطميين .. مشهور بارتباطه بأحداث تاريخية مثل إعدام طومان باي آخر سلاطين المماليك .. ويعد من أجمل أبواب القاهرة، بفضل زخارفه وبرجيه الرائعين.
4- باب الخلق : يقع في شارع باب الخلق، قرب ميدان باب الخلق .. بني في العصر الأيوبي لكنه تغير عبر الزمن.
5- باب الوزير : بني في العصر المملوكي (1354م) على يد الأمير سيف الدين شيخون .. يقع قرب القلعة، وكان يستخدم كمدخل للمدينة من ناحية القلعة.
6- باب القوس : يُعتقد أنه من أقدم الأبواب ويعود للعصر الطولوني .. لم يتبقَّ منه الكثير، لكنه ذكر في كتب التاريخ.
أهميتها:
- كانت تحمي المدينة من الأعداء، وتتحكم في حركة الدخول والخروج.
- تعكس مهارات الهندسة المعمارية في عصورها المختلفة.
- أصبحت معالم سياحية وتاريخية تجذب الزوار المهتمين بتاريخ مصر الإسلامي.
كانت الزيارة مشياً على الأقدام للإستمتاع بشوارع القاهرة العريقة وبالنظر إلى آثارها المعمارية الحضارية التى تشع نوراً على عالمنا الجميل.
الغورية
الغورية واحدة من المناطق التاريخية المميزة في القاهرة الإسلامية، وتمثل امتدادًا لشارع المعز لدين الله الفاطمي و تقع في حي وسط القاهرة بالقرب من منطقة الحسين، وتشتهر بجمال عمارتها الإسلامية وأسواقها التقليدية التي تعكس الطابع التراثي القديم. وسميت الغورية نسبة إلى السلطان قنصوة الغوري، آخر سلاطين المماليك البرجية، الذي حكم مصر في أوائل القرن السادس عشر (1501-1516م).وكانت الغورية مركزًا حضريًا وتجاريًا هامًا خلال العصر المملوكي، حيث أنشأ السلطان الغوري فيها مجموعة من المباني الضخمة، مثل المدارس، الأسواق، والسبل.
أهم معالمها:
1- مجموعة السلطان قنصوة الغوري، والتى تضم: مسجدًا، مدرسة، خانقاه، وكالة، وسبيل، وتقع على جانبي الشارع، مما يجعلها نقطة بارزة تجمع بين العمارة الدينية والتجارية، وتتميز بأقواسها المزخرفة، النقوش الإسلامية الرائعة، والمآذن المميزة.
2- وكالة الغوري: كانت مركزًا للتجارة وإقامة التجار، وهي اليوم مكان مخصص للأنشطة الثقافية والعروض الفنية مثل عروض التنورة التراثية.
3- مسجد الغوري: تحفة معمارية تعكس عظمة العمارة المملوكية، ويتميز بمحرابه المزخرف وقبته الجميلة.
4- الأسواق التقليدية: تشتهرالغورية بأسواقها النشطة، حيث تُباع المنتجات التقليدية مثل الأقمشة المطرزة، الملابس، السجاد اليدوي، والمشغولات النحاسية.
أهميتها:
• سياحياً : تعد وجهة رئيسية للسياح الذين يبحثون عن تجربة أصيلة للتاريخ المصري.
• تجارياً : لا تزال الأسواق تحتفظ بدورها التقليدي، وهي مركز رئيسي لبيع الأقمشة والملابس.
• ثقافياً: تحتضن المنطقة فعاليات فنية وتراثية مثل عروض التنورة التي تُقام في وكالة الغوري.
الحياة في الغورية:
المنطقة نابضة بالحياة وتتميز بالشوارع الضيقة المرصوفة بالحجر والأسواق الملونة.وتعد نقطة وصل بين شارع المعز ومنطقة الحسين، مما يجعلها مكانًا مليئًا بالحركة والنشاط.وتضفي الأجواء التراثية وروائح العطور والبخور في أسواقها طابعًا ساحرًا على زيارتها.
الأزهر الشريف
وبإنتهاء شارع الغورية وصلنا إلى تقاطع شارع الغورية مع شارع الأزهر وقد قربت صلاة الظهر وكان لنا آداء فريضتها بالأزهر الشريف.وهو أحد أقدم وأهم المؤسسات الإسلامية في العالم، ويعتبر رمزاً للعلم والدعوة الإسلامية الوسطية. تأسس في عام 972 ميلادية (361 هـ) في عهد الدولة الفاطمية، ويُعد من أبرز معالم القاهرة التاريخية والدينية. أنشأه القائد جوهر الصقلي بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ليكون جامعاً للصلاة ومركزاً لنشر الدعوة الفاطمية .. وبعد دخول صلاح الدين الأيوبي إلى مصر عام 1171م وإسقاط الدولة الفاطمية، تحول الأزهر إلى مركز لتدريس المذهب السني، وأصبح حاضنة للعلوم الإسلامية بمختلف فروعها.
دوره :
1- تعليمياً : تعليم علوم الشريعة واللغة العربية، والعلوم الحديثة ،ويضم العديد من الكليات التي تتنوع بين العلوم الشرعية والعلمية.
2- دينياً: يُعد مرجعاً عالمياً للإفتاء ونشر الفكر الإسلامي الوسطي .. ويساهم في الحفاظ على التراث الإسلامي ونشر الثقافة الإسلامية.
3- اجتماعياً وسياسياً: كان ولايزال مركزاً للتأثير الاجتماعي في مصر والعالم الإسلامي .. وله دور كبير في مواجهة التطرف والدعوة إلى الحوار بين الأديان والثقافات.
معالم الأزهر:
يتميز بطرازه المعماري الإسلامي الفريد،و يضم 5 مآذن وعدداً من الأروقة التي تُستخدم للدراسة والصلاة،و به مكتبة واحدة من أهم المكتبات الإسلامية في العالم، تحتوي على آلاف المخطوطات والكتب القيمة،ويضم مجمع البحوث الإسلامية الذى يستهدف دراسة القضايا الإسلامية ونشر الفكر المعتدل.
الأزهر في العصر الحديث
يُعتبر الأزهر منارة للفكر الإسلامي الوسطي في مواجهة الأفكار المتطرفة،و يمتلك فروعاً في مختلف أنحاء مصر، وله تأثير عالمي من خلال بعثاته إلى الدول الأخرى،كما يستقبل طلاباً من جميع أنحاء العالم لتعلم علوم الدين واللغة العربية.
شعار الأزهر:
"الإسلام دين الوسطية" مما يعكس جوهر رسالة الأزهر التي تهدف إلى نشر التسامح والسلام والتعايش بين الشعوب. فالأزهر الشريف ليس مجرد مؤسسة تعليمية ودينية، بل هو رمز للهوية الإسلامية والتراث الثقافي والديني لمصر والعالم الإسلامي.
وبعد صلاة الظهر واصلنا السير إلى شارع المعز عن طريق خان الخليلي.
خان الخليلي
هو أحد أشهر الأسواق التاريخية في القاهرة، ويعد رمزًا للثقافة والتجارة منذ العصور الإسلامية .. يتميز بموقعه في قلب حي الحسين، بالقرب من مسجد الإمام الحسين والمنطقة المحيطة به، ويعتبر من أبرز المزارات السياحية في القاهرة. تأسس في العصر المملوكي عام 1382م على يد الأمير جهاركس الخليلي، أحد أمراء السلطان الظاهر برقوق، ليكون مركزًا تجاريًا ومقرًا للإقامة للتجار ،وأقيم الخان على أنقاض مقابر الفاطميين، وكان يُستخدم كمجمع تجاري وسكني ولكن تطور عبر الزمن وشهد السوق تطورات معمارية وتجارية في العصور العثمانية وما بعدها، حيث أصبح مركزًا للحرف اليدوية والمنتجات التقليدية. ويتميز بتصميم معماري إسلامي رائع، بما في ذلك الأقواس المزخرفة، والبوابات التاريخية، والشوارع الضيقة المرصوفة بالحجر، فيه المحال التجارية الصغيرة تصطف على الجانبين، مما يمنح المكان طابعًا تراثيًا ساحرًا.
أهميتة:
1- سياحياً: يعتبر وجهة رئيسية للسياح من جميع أنحاء العالم الباحثين عن تجربة الثقافة المصرية التقليدية.
2- تجارياً: يشتهر ببيع المنتجات اليدوية مثل المصوغات الذهبية والفضية، المشغولات النحاسية، السجاد، العطور، البخور، وأزياء الفلكلور المصري.
3- ثقافياً: مكان مليء بالقصص التاريخية والذكريات، ويضم مقاهي عريقة مثل مقهى الفيشاوي، الذي ارتاده أدباء وشخصيات بارزة مثل نجيب محفوظ.
أبرز المعالم حوله:
- مسجد الحسين: ذو مكانة دينية عظيمة عند المصريين والمسلمين.
- جامع الأزهر: مركز التعليم الإسلامي على مر العصور.
- سبيل محمد علي: تحفة معمارية عثمانية.
الحياة فيه:
السوق لا يزال نابضًا بالحياة، ويعمل كمركز لتجارة الهدايا التذكارية والمنتجات التراثية. ويعد مكانًا مثاليًا للاستمتاع بتجربة تناول الشاي أو القهوة وسط أجواء تراثية ساحرة.
شارع المعز لدين الله الفاطمي
من أهم وأشهر الشوارع التاريخية في القاهرة، ويعتبر متحفًا مفتوحًا للعمارة الإسلامية .. يتميز بموقعه في قلب القاهرة الإسلامية، ويضم العديد من المعالم الأثرية التي تعكس تطور الفنون والعمارة في مصر على مر العصور. أنشئ عام 969م مع بداية تأسيس القاهرة الفاطمية، وسُمّي باسم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، الذي أسس الدولة الفاطمية في مصر. كان الشارع محورا رئيسياً للقاهرة، يمتد من باب الفتوح شمالاً إلى باب زويلة جنوبًا، ويحتوي على العديد من المساجد، المدارس، البيمارستانات (المستشفيات)، والقصور. كما كان مركزًا للتجارة والحرف اليدوية.
أهم معالمه:
1- باب الفتوح وباب زويلة : يمثلان مداخل القاهرة التاريخية، وهما من أروع نماذج العمارة العسكرية الفاطمية.
2- مسجد الحاكم بأمر الله : أحد أكبر مساجد القاهرة، يتميز بجمال عمارته وزخارفه المميزة.
3- قصر الأمير بشتاك : من أروع نماذج العمارة المملوكية، وكان مقراً لإقامة أحد أمراء المماليك.
4- مجموعة السلطان قلاوون : تضم مدرسة ومسجدًا وضريحًا وبيمارستان (مستشفى)، وتعد تحفة معمارية مملوكية رائعة.
5- سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا: منشأة عثمانية رائعة استخدمت لتوزيع المياه وتعليم الأطفال.
6- خانقاه الظاهر برقوق : كانت مكانًا لتعليم الدين وإيواء المتصوفين، وهي مثال فريد على العمارة المملوكية.
أهميتة :
- ثقافياً: يعد رمزًا لتاريخ القاهرة، ويمثل حقبًا متنوعة من الحكم الفاطمي، المملوكي، والعثماني.
- سياحياً: وجهة رئيسية للسياح المحليين والأجانب الذين يستمتعون بجولة بين الآثار الإسلامية ومشاهدة المعروضات اليدوية.
- تراثياً: تم ترميمه في بداية الألفية الجديدة ليصبح واحدًا من أجمل الأماكن التراثية في القاهرة.
الحياة فيه:
يضم الشارع العديد من المحال التي تبيع المشغولات اليدوية، المصوغات الفضية، والتحف الشرقية،و يحتضن فعاليات ثقافية وفنية مثل عروض التنورة والموسيقى التقليدية، كما يتميز الشارع بأجواء ليلية ساحرة، حيث تضفي الإضاءة على الآثار جمالًا خاصًا.
تم بحمد الله الوصول لبيت السحيمى للقاء الصديق ولكن للأسف لم يتواجد .. فقمت بعمل إستراحة تناولت فيها الشاى وعلى أمل اللقاء بزيارة أخرى إن كنا من أهل الدنيا.
|