كتب دكتور / صبحي الشافعي
شهد التاريخ العديد من مُحاولات الاغتيال التي استهدفت ملوك ورؤساء وقادة مُؤثرين في بلدانهم وبين شعوبهم، وما بين مُحاولات فاشلة وأخرى ناجحة استطاعت اقتناص روح الرئيس المُستهدف، تبقى محاولة اغتيال واحدة شهدها التاريخ الحديث، انتهت بدخول المتهمين إلى غرفة التحقيق، ليجدو أمامهم رئيس الجمهورية المراد اغتياله يسألهم لماذا حاولتما قتلي؟ فماذا كان موقفهم.
"المتهمين " هما اثنين من الذين خططوا ونفذوا لعملية الاغتيال و"الرئيس" هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي أمر بأن يمثل أمامه بمقر قيادة الثورة، منفذي عملية الاغتيال التي تعرض لها في يوم 26 أكتوبر 1954 خلال القاء خطاب جماهيري من إحدى الشرفات المطلة على ميدان بمحافظة الإسكندرية، فيما عرف تاريخياً بـ "حادث المنشية"
قرار عبد الناصر بلقاء من حاولوا قتله، كان شجاعة مواجهة تضاف إلى شجاعة الثبات التي واجه بها الرصاصات الثمانية التي انطلقت نحوه في "المنشية" لتخطأ جميعها الهدف المنشود، وجاء لينتفض بعدها بثواني ليهتف في الجماهير بعباراته الخالدة: فليبق كلن في مكانه أيها الرجال أيها الأحرار.. دمي فداء لكم.. حياتي فداء لمصر".
عملية القبض على المتهمين لم تستغرق أياماً قليلة، والحكم عليهم بالإعدام كان سريعاً أيضاً، ثم تم تخفيف العقوبة الصادرة في حقهم بعد أيام من صدور الأحكام في القضية إلى المؤبد 25 سنة، وفور إبلاغ المتهمين بتخفيف العقوبة، تم اقتياد اثنين منهما، هما خليفة عطوة، وأنور حافظ وفي ايديهم الحديد إلى سيارة جيب سوداء، لتحملهما إلى جهة غير معلومة لهم.
العربة توقفت أمام "مبنى قيادة الثورة" وبعد السير في ممر طويل، ليتوقفا أمام غرفة، ثم يتم ادخالهما إلى غرفة شبه مظلمة، بها مكتب في أحد الأركان عليه أباجورة ضوئها خافت، يجلس وراءه شخص يرتدي الزي العسكري، يتفحص عشرات الصور أمامه، ولا يتطلع نحو المتهمين، وبعد 10 دقائق، يلتفت لهما، ليتعرفا على شخصه، ويدركا أنهما أمام الرئيس جمال عبد الناصر شخصياً .
ثم وجه لهم الرئيس سؤلا مباشرا لماذا حاولتم قتلي ؟
لماذا حاولتم اغتيالي ؟ فأجابا بصوت مرتعش، أن جماعة الإخوان أكدت لهم أنه يعتبر خائن بتوقيعه على معاهدة الجلاء، والغريب في الامر أن سيادة الرئيس مضى يشرح لهما المغزى من التوقيع على الاتفاقية، وأمر بإحضار عشاء لهم، وتناولا العشاء وهما يرتعشان من الخوف، ولا يدركان سر ما يحدث معهما.
مع نهاية لقائهما غير المتوقع مع الرئيس عبد الناصر، أمر ناصر الضابط بأن يأخذهما وسارت السيارة في شوارع القاهرة، نحو محطة القطارات، ليأمرهما الضباط بالنزول صارخاً "انزل إنت وهو" لقد أصدر الرئيس جمال عبد الناصر أوامره بالإفراج عنكم".
وفي اليوم التالي خرجت الصحف لتحكي قصتهما وخبر الإفراج عنها، وكيف تحولا من مشاركين في محاولة اغتيال عبد الناصر إلى حماة له وتصديا لرصاصات زميلهما محمود عبد اللطيف.
حوادث إجرامية تكشف حقيقة الجماعة الإرهابية
"حادث المنشية" كان الدافع لقرار عبد الناصر التاريخي والسريع في 29 أكتوبر 1954، بحل جماعة الإخوان المسلمين، لتظل الجماعة في الجحور، حتى سمح لها الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالظهور مرة أخرى، وتبنى نهج التصالح مع الإخوان، وهو النهج الذي كان سبباً في اغتياله فيما بعد في 6 أكتوبر 1981، لتؤكد تلك الحوادث على أن جماعة الإخوان المسلمين إحدى أذرع جماعات الإرهاب، التي تبنى نهجاً من العنف والدعوة له، وهو ما يتناقض مع كل مبادئ السلام والتسامح التي يعتنقها البشر في شتى أنحاء الأرض، كما أن لهم هدفاً فئوياً كانوا يسعون إلى التخطيط له وتنفيذه دونما النظر الى أية محددات أخرى
وهذا الهدف هو السعي للوصول للسلطة دون ان يكون لهم خبرة في شئون الحكم او ان يكون لهم ظهير شعبي يتسم بالأغلبية
وهذا كان السبب الرئيس في ان يلفظهم الشعب المصري ويبعدهم عن السلطة في البلاد
|