بقلم الدكتور/ مصطفي محمود مطاوع
باحث في التاريخ و الآثار الإسلامية و القبطية
رسخ المماليك في حكم مصر الذي امتد من القرن الثالث عشر حتى القرن السادس عشر الميلادي و شهد تطورًا ملحوظًا في مجالات عدة جاء علي رأسها مجال الرعاية الصحية بما فيها الطب والصيدلة لإدراكهم المستنير بأهميتها القصوي في بناء الإنسان لنهضة والحفاظ علي قوة دولتهم؛ كانت الرعاية الصحية تُدار بنظام متكامل يشمل المستشفيات، الصيدليات، والمدارس الطبية.
• المستشفيات: أُسست مستشفيات مثل البيمارستان المنصوري بالقاهرة، التي كانت تقدم العلاج مجانًا للمرضى من مختلف الطبقات الاجتماعية.
• التعليم الطبي: كانت هناك مدارس طبية مثل المدرسة الناصرية، التي كانت تُعلم الطب والصيدلة وتُخرج الأطباء والصيادلة المهرة.
• الصيدلة: تطورت الصيدلة بشكل كبير، وكان الصيادلة يُعدون الأدوية وفقًا للوصفات الطبية، وكانت هناك رقابة صارمة على جودة الأدوية.
أُديرت هذه المؤسسات بنظام دقيق وكان لها دور كبير في الحفاظ على الصحة العامة وتطوير العلوم الطبية في ذلك العصر ولم يكن هناك براءات اختراع كما هو الحال اليوم، لكن كان هناك اعتراف بمهارة الصيادلة والمعالجين.
أما بالنسبة لصرف الأدوية، فكان يتم في الصيدليات التي كانت تُعرف بالبيمارستانات، والتي كانت تقدم خدمات طبية وصيدلانية، وكانت أيضاً مراكز للتعليم النظري والعملي. و علي هذا فقد تمتع الصيادلة بمكانة مرموقة في المجتمع نظراً لمعرفتهم الواسعة ودورهم الهام في الحفاظ على الصحة العامة.
أما بالنسبة للتصنيع الدوائي في ذلك العصر فكان يشمل إعداد الأدوية من مصادر نباتية وحيوانية ومعدنية، وكان يتم بطرق يدوية وباستخدام أدوات بسيطة مقارنةً بالتقنيات الحديثة. و من أمثلة الأدوية النباتية:
• القرفة: استخدمت لعلاج الاضطرابات الهضمية وكمضاد للالتهابات.
• الزنجبيل: استخدم لتحسين الدورة الدموية وكعلاج للغثيان.
الأدوية الحيوانية:
• العسل: كان يستخدم لخصائصه المضادة للبكتيريا وفي علاج الجروح.
• الصفراء: استخدمت في تحضير الأدوية لعلاج الأمراض الكبدية.
الأدوية المعدنية:
• الزئبق: استخدم في علاج الأمراض الجلدية رغم سميته المعروفة اليوم.
• الكبريت: استخدم في علاج الأمراض الجلدية وكمطهر.
هذه المكونات ظلت جزءًا من نظام طبي متكامل ساهم في تطور الطب والصيدلة خلال العصر المملوكي.و كما تعودنا فنحن نستدل علي ما نقول بأثر واضح و ملموس يبرهن علي جميع التفاصيل التي سبق ذكرها و من أهم تلك الآثار:
البيمارستان المنصوري، المعروف أيضًا ببيمارستان قلاوون، هو معلم تاريخي بارز في القاهرة، مصر، ويُعد من أشهر البيمارستانات في العصور الوسطي. تأسس هذا البيمارستان في القرن الثالث عشر الميلادي تحديدا في العام ١٢٨٤ ميلادية (٦٨٣ هجرية) بأمر من السلطان المملوكي قلاوون الذي نذر ببنائه بعد مرضه و تلقيه العلاج في بيمارستان نوري بدمشق فقرر أن يكون في مصر مركز للعلاج و الرعاية الصحية علي أعلي المستويات يقدم كافة الخدمات الطبية و العلاجية بكفاءة و بالمجان لجميع طبقات المجتمع و من أهم مميزات البيمارستان المنصوري:
• الخدمات الطبية: كان يقدم العلاج لكافة الأمراض ويضم أطباء في مختلف التخصصات.
• التعليم الطبي: كان يعمل كمدرسة لتدريس الطب وتدريب الأطباء والصيادلة.
التصميم المعماري: يتميز بتصميمه المعماري الفريد وكان يحتوي على أقسام متخصصة لعلاج الرجال والنساء وأقسام للأمراض المختلفة أقسام متخصصة لعلاج الحميات، الأمراض المعوية، أمراض العيون، والإصابات الناتجة عن الحوادث، بالإضافة إلى معامل لتركيب الأدوية. ضم أيضا طاقما طبيا كاملا من الأطباء ، الجراحين، المجبرين بالإضافة إلي أطباء العلاج الطبيعي و فصادي الدم – عملية فصد الدم بهدف علاجي بناء علي مدارس الطب القديم - .
البيمارستان المنصوري، الذي يُعرف أيضًا بمجمّع السلطان المنصور قلاوون، يُعتبر بداية لظهور طراز معماري جديد في العصر المملوكي.
. يتكون هذا المجمّع من ضريح، مدرسة، وبيمارستان، ويقع على شارع المعز لدين الله في القاهرة.
الواجهة الرئيسية: تمتد بطول 67 مترًا وبارتفاع 20 مترًا، مبنية من الحجر، وتشتمل على وحدات رأسية تتكون من جدران غائرة معقودة محمولة على أعمدة رخامية. الشبابيك مزخرفة بأشكال هندسية مفرغة، وتحتوي الواجهة على شريط كتابي محفور في الحجر بخط الثلث.
المسقط الأفقي للضريح: مربع الشكل بطول ضلع يبلغ 35 مترًا تقريبًا، ويتوسطه قبر المنصور قلاوون وابنه الناصر محمد. يغطي المنطقة المثمنة قبة ضخمة ذات رقبة مثمنة، وتشبه هذه المنطقة وقبتها إلى حد ما قبة الصخرة في القدس الشريف.
الزخارف: تحتوي جدران الضريح على أُزر (وزرات) رخامية مطعّمة بالصدف وتُعد من أرق أعمال الرخام في الآثار الإسلامية في مصر. وللضريح محراب زخرف بالرخام والصدف الدقيق، وهو أكبر وأفخم محراب في آثار مصر.
المدرسة: كانت تشتمل على صحن أوسط مكشوف يحيط به أربعة إيوانات، وكان يُعطى فيها دروس في الفقه على المذاهب الأربعة، ودروس في الطب كان الجانب العملي منها يجري داخل البيمارستان.
يُعد البيمارستان المنصوري شاهدًا على التطور المعماري والطبي في العصر المملوكي، ويُظهر الاهتمام الكبير بالعلوم والفنون في ذلك الوقت
و مم سبق و غيره الكثير يتبين لنا بشكل قاطع أن العلوم تنير العقول، والرعاية الصحية تحمي الأجساد، والفنون ترقى بالأرواح، ومعاً يبنون أمماً تسمو فوق العنف والتطرف و الهمجية، وتزدهر في ظل السلام والإنسانية.
|