|
|
عدد : 02-2024 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية أبو عبد الرحمن الأنصارى رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينتسب إلى بني أمية بن زيد أحد بطون قبيلة الأوس التي كانت إحدى القبائل العربية الرئيسية في المدينة المنورة وكانت القبيلة الأخرى هي قبيلة الخزرج وكانت هناك نزاعات وصراعات وحروب طاحنة بين القبيلتين قبل الإسلام إستمرت 140 عاما وكانت قبائل اليهود التي تسكن المدينة تغذى تلك النزاعات والحروب وتحيك المؤامرات والفتن بما يحقق لهم البقاء والريادة بالمدينة ولم تتوقف تلك الحروب بين القبيلتين إلا قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات وبدخول معظم أبناء القبيلتين في الإسلام إنتهت الصراعات والحروب وساد السلام بين القبيلتين حيث أصلح النبي صلى الله عليه وسلم بين قلوبهم من خلال إستيعاب كلا الفصيلين في المجتمع المسلم ومنع سفك الدماء بين المسلمين وتم تضمين كل من القبيلتين في دستور المدينة بكونهم مسلمين في دولة واحدة ومجتمع واحد وقد شكلت القبيلتان الأنصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وكان من أشهر رجال قبيلة الأوس غير الصحابي عويم بن ساعدة رضي الله عنه الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكان سيد الأوس وأسيد بن حضير رضي الله عنهما وكان أحد سادات القبيلة ومحمد بن مسلمة ومعن بن عدى وسعد بن خيثمة وأبو بردة بن نيار رضي الله عنهم جميعا وكان ميلاد الصحابي الجليل عويم بن ساعدة رضي الله عنه بالمدينة المنورة وغير معلوم لنا تاريخ ميلاده بالتحديد مثله مثل الكثير من الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم جميعا وإن كان من المؤكد أنه كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم هجرته إلى المدينة المنورة وغير معلوم لنا أيضا تفاصيل عن حياته ومسيرته قبل إسلامه وقال بعض المؤرخون إنه كان ضمن الثمانية أشخاص الذين قابلوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة الأولى فعرض عليهم الإسلام فقال بعضهم لبعض يا قوم تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه وقد كان اليهود يتوعدون أهل المدينة بقتلهم نبي آخر الزمان فأسلم أولئك النفر ثم إنصرفوا عائدين إلى بلادهم فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم خبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذى ظهر بمكة وفي العام التالي كان الصحابي عويم بن ساعدة رضي الله عنه ضمن وفد الأنصار المكون من إثنى عشر رجل عدد عشرة منهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ومعاذ بن الحارث وذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر السلمي والعباس بن عبادة ويزيد بن ثعلبة ورافع بن مالك وعدد إثنين من الأوس هما عويم بن ساعدة ومالك بن التيهان رضي الله عنهم جميعا والذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى حيث بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصون الله في معروف وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم ذلك فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وأوفد النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع وفد الأنصار الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه لكي يعلمهم القرآن الكريم وفرائض الإسلام ولكي يدعو باقي أهل المدينة المنورة للدخول في الإسلام وبالفعل فقد أقبل الكثير منهم على الدخول فيه لما وجدوا فيه من يسر وسهولة ولمسوا أنه دين الله الذى هو سبيل النجاة والنجاح والفوز في الدنيا والآخرة وكان على رأسهم سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس وأسيد بن حضير أحد سادة الأوس أيضا واللذان بإسلامهما دخلت عشيرتهما من بني عبد الأشهل بالكامل في الإسلام ومن بعدها باقي عشائر الأوس ومن بعدهم عشائر الخزرج .
وفي العام التالي الثاني عشر قبل الهجرة شهد الصحابي الجليل عويم بن ساعدة رضي الله عنه بيعة العقبة الثانية حيث وفد في موسم الحج مبعوث الرسول للمدينة المنورة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه مع عدد 73 رجلا وإمرأتين من الأنصار كان منهم عدد 62 رجلا والإمرأتين من الخزرج كان على رأسهم الصحابة الكرام سعد بن عبادة سيد الخزرج وأسعد بن زرارة وأبو أيوب الأنصارى والبراء بن معرور وسعد بن الربيع وعبد الله بن عمرو بن حرام وبشير بن سعد رضي الله عنهم جميعا بالإضافة إلى عدد 11 رجلا من الأوس كان على رأسهم أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة رضي الله عنهم جميعا وواعد هذا الوفد النبي صلى الله عليه وسلم بشعب العقبة فإجتمعوا عليه فرادى أو كل إثنين معا حتى لا تنتبه قريش ولما إكتمل عددهم قالوا يا رسول الله نبايعك قال تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقاموا إليه فبايعوه وبعد تمام البيعة قال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد الأنصار أخرجوا إلي منكم 12 نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا منهم عدد 12 نقيبا تسعة من الخزرج وهم سعد بن عبادة سيد الخزرج وأسعد بن زرارة والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن حرام وثلاثة من الأوس وهم أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر رضي الله عنهم جميعا وقال النبي صلى الله عليه وسلم للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لنبي الله عيسى بن مريم عليه السلام وأنا كفيل على قومي وجعل أسعد بن زرارة رضي الله عنه نقيبا على هؤلاء النقباء فأصبح يلقب بنقيب النقباء وعند البيعة كان الرجال يصفقون على يدى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيعة أما الإمرأتان اللتان حضرتا البيعة مع أزواجهما فقال لهما النبي قد بايعتكما إني لا أصافح النساء ومما يذكر أن قريش لما علمت بأمر هذه البيعة لما ذهب زعماء مكة إلى أهل المدينة للإحتجاج عليها لكن مشركي الخزرج كانوا لا يعرفون شيئا عنها فأنكروا ذلك ولما عادوا تأكدوا من صحة الخبر فطاردوا وفد الأنصار المسلمين المبايعين للنبي صلى الله عليه وسلم فأدركوا إثنين منهما هما سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو رضي الله عنهما فأما المنذر فقد إستطاع الهرب وأما سعد فقد لحقوا به وأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه فجاء جبير بن مطعم بن عدى والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم حيث كان بينهما وبين سعد تجارة وجوار وتشاور الأنصار حين فقدوا سعدا فيما يفعلون فإذا هو قد طلع عليهم فواصل المبايعون جميعا طريقهم إلى المدينة المنورة حتى وصلوها في سلام ومما يذكر أن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا هذه البيعة مع أنه كان لم يسلم بعد وبهذه البيعة بدأت هجرة المسلمين إلى المدينة ثم هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليها لما أذن له ربه بذلك وفي المدينة المنورة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابيين عويم بن ساعدة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ولتبدأ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية من أجل بناء حضارة عظيمة كان لها الأثر الأكبر في تقدم ونهضة البشرية منذ بزوغ شمسها وحتى وقتنا الحاضر .
وقد شهد الصحابي عويم بن ساعدة رضي الله عنه المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث شهد بدرا في شهر رمضان عام 2 هجرية ثم أحد في شهر شوال عام 3 هجرية وندبه الرسول صلى الله عليه وسلم لقتل المنافق الأثيم اللعين الحارث بن سويد بن الصامت الذى غدر بالمسلمين وقتل منهم عددا فى هذه الغزوة فإستجاب لهذا الأمر وتربص به فقتله وبعد أحد شهد غزوة الخندق أو الأحزاب في شهر شوال عام 5 هجرية وغزوة بني قريظة في شهر ذى القعدة من نفس العام وفي شهر ذى القعدة عام 6 هجرية شهد بيعة الرضوان وصلح الحديبية وفي شهر المحرم عام 7 هجرية شهد غزوة خيبر وفي شهر ذى القعدة من نفس العام شهد عمرة القضاء ثم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية وغزوة حنين في شهر شوال من نفس العام وحصار الطائف في شهر ذى القعدة من نفس العام أيضا وفي شهر رجب عام 9 هجرية شهد غزوة تبوك أو غزوة العسرة وكانت آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وأخيرا شهد الصحابي عويم بن ساعدة حجة الوداع في أواخر العام العاشر الهجرى وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين 12 من شهر ربيع الأول عام 11 هجرية وفي الوقت الذى أُعلن فيه خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم برزت لدى كبار الصحابة من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج قضية إختيار خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك أنه وفقا لعلماء أهل السنة لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يحدد أُسس إنتخاب خليفة للرسول لكنه دعا إلى الشورى في سورة تحمل ذات الإسم حيث قال تعالى فيها وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وأيضا قال تعالى في سورة آل عمران وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالشورى كمبدا فيما لا نص فيه وكان يتخذ من أهل الرأى والبصيرة مجلسا للشورى وكان يكثر من مشاورة الصحابة وبالأخص كبارهم من السباقين إلى الإسلام وعلى رأسهم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وحدث أن إجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة وجاءوا بسعد بن عبادة سيد الخزرج وكان مريض بالحمى ليبايعوه بالخلافة وطلبوا إليه أن يخطب فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن محمدا عليه وعلى آله السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة فرزقكم الإيمان به وبرسوله والمنعة له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه حتى إستقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض إلا أن قوما إستبدوا بالأمر دون الناس فإنه لكم دونهم ولا شك في أن هذه الخطبة حازت إستحسان الأنصار ولا سيما الخزرج فأجابوا بأجمعهم أن قد وفقت في الرأى وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا ولما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان من خطبة سعد بن عبادة وما وقع من خلاف بين الأنصار الذين أثاروا هذا الموضوع وبين المهاجرين جاء إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه لكي يخرج إليه فأرسل إليه إني مشتغل فأرسل إليه أنه قد حدث أمر هام وأنه لا بد لك من حضوره فخرج إليه أبو بكر مسرعا فأعلمه بخبر إجتماع السقيفة فمضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم جميعا .
وبينما كان الثلاثة في الطريق لقوا رجلين من الأنصار هما معن بن عدى وعويم بن ساعدة رضي الله عنهما وكانا في طريقهما إليهم عندما رأيا بعض التعدد في الآراء في إختيار الخليفة فأخبروهم بما حدث في السقيفة من إجتماع الأنصار على سعد بن عبادة وجعل عويم يقول لأبي بكر مع صاحبه معن إن هذا الأمر باب فتنة نرجو أن يغلقه الله بك حيث كان رضى الله عنه لبيبا عاقلا له بصر بعواقب الأمور فإذا جد الجد يكون فى طليعة المجدين وإذا أبصر من بعيد شبح فتنة حاول أن يصدها بكل قوة قبل ظهورها وأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة وتكلم أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور ثم قرأ من سورة يونس ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقال أيضا في سورة الزمر وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس لهم مخالف فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله والرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من عبيده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم أنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضا الله بكم أنصارا لدينه ولرسوله صلى الله عليه وسلم وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتانون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور وكان من الطبيعي أن يحتج المهاجرون على كلام سيد الخزرج سعد بن عبادة فكان ما قاله أبو بكر ولما سمع الأنصار كلام أبي بكر قالوا منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبدا فقال سعد بن عبادة هذا أول الوهن فقال عمر بن الخطاب هيهات لا يجتمع إثنان في قرن ووالله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمرهم فيهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة وهنا قال أبو عبيدة بن الجراح يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من غير وبدل وعندئذ قام بشير بن سعد الأنصارى رضي الله عنه وفال يا معشر الأنصار إنا والله كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه به أحق وأولى وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فإتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم وطال الحوار وإحتدمت المناقشة فكان موقف سيد الأوس أسيد بن حضير رضي الله عنه فعالا في حسم الموقف وكانت كلماته كفلق الصبح في تحديد الإتجاه وحسم الأمر فقد وقف خطيبا وقال تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين فخليفته إذن ينبغي أن يكون من المهاجرين ولقد كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته بعد مماته وأراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه بحكمته أن يضع حدا لهذا الخلاف خشية إستحكامه فرشح للخلافة إثنين من المهاجرين قائلا هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا لا لا نتولى هذا الأمر عليك أبدا فإنك أفضل المهاجرين وثاني إثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك أبسط يدك نبايعك فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فكان بذلك أول من بايع أبا بكر وتبعه عمر علما منه بمكانته وإعترافا بفضله ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وعمر وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير قوموا إلى أبي بكر فبايعوه ثم أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب وأقبلت قبيلة أسلم بجماعاتها حتى تضايقت بهم السكك فبايعوا فكان عمر يقول ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر وهكذا تم حسم الأمر وتوحيد كلمة المسلمين سواء المهاجرين أو الأنصار على خليفة واحد إرتضوه جميعا وإلتفوا حوله من أجل نصرة الإسلام في وقت حرج للغاية مطلوب فيه التوحد لا الفرقة وهكذا نستطيع القول بأن الصحابيين الجليلين عويم بن ساعدة ومعن بن عدى رضي الله عنهما كان لهما دور وأثر مشهود وملموس في بيعة الخليفة الراشد الأول أَبي بكر الصديق ووأد الفتنة التي كادت أن تشتعل بين المهاجرين والأنصار .
وكان من مناقب الصحابي الجليل عويم بن ساعدة رضى الله عنه أنه كان دائما يطهر قلبه بذكر الله من كل ما يكدر جلوته ويطهر جوارحه عما حرم الله عليه ويطهر بدنه وثيابه حتى إشتهر بلقب الطهور لشدة تحريه من النجس والوسخ وتشدده فى ذلك أكثر من غيره فنجده قد فاق غيره فى التطهر فكان من الذين أثنى عليهم المولى عز وجل ووصفهم بأنهم يحبون أن يتطهروا في قوله تعالى في سورة التوبة فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا فعن إبن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال ما هذا الطهور الذى أثنى الله عليكم به والذى تتطهرون به فقال يا رسول الله واللَّه ما نعلم إِلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا فما خرج منا رجل ولا إمرأة من الغائط إلا غسل مقعده فقال النبي صلى الله عليه وسلم ففي هذا كما قيل عنه أنه كان أول من إستنجأ بالماء وقیل أيضا في حقه أنه قد نزلت الآیة 4 من سورة المائدة بعد سؤال عویم بن ساعدة ورجلین آخرین رضي الله عنهم جميعا عما أحل لهم فقد روی الإمام الطبرى أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث مولاه أبا رافع في قتل الكلاب فقتل حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدى وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة رضي الله عنهم فقالوا ماذا أحل لنا يا رسول الله فنزلت الآية يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ والمعنى هنا أنه قد أحل الله لكم الذبائح التي ذكر إسم الله عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما إصطدتموه بالجوارح وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله وما علمتم من الجوارح مكلبين وهي الكلاب المعلمة والفهود والصقور وكل طير يعلم للصيد بشرط أنه إذا أرسلت أحدها فإذكر إسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فإذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وفضلا عن ذلك فقد روى الصحابي عويم بن ساعدة بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها أَن النبي صلى اللَّه عليه وسلم َقال إن الله إختارني وإختار إلي أصحابي وجعل لي منهم أصهارا وأنصارا ووزراء فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر الصحابي الجليل عويم بن ساعدة رضي الله عنه بالجنة حيث قال نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويم بن ساعدة واخيرا فقد كانت وفاة الصحابي عويم بن ساعدة رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمره يناهز 65 عاما وترك من الولد عتبة وسويد وقرظة وأمهم أمامة بنت بكير بن ثعلبة الجشمية الخزرجية وقد روت إبنته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف على قبر أبيها فقال لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول أنه خير من صاحب هذا القبر ما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم راية إلا وعويم رضي الله عنه تحت ظلها رحم الله الصحابي الجليل عويم بن ساعدة رضي الله عنه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|