|
|
عدد : 02-2024 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
عمير بن سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إبن الصحابي الأنصارى سعد بن عبيد رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام وهو ينتسب إلى بني عمرو بن عوف بن مالك الذين كانوا يسكنون قباء وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم أولا عند قدومه المدينة المنورة في ديارهم عندما وفد إليها مهاجرا من مكة المكرمة ومكث لديهم أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء ثم قدم بعد ذلك إلى المدينة المنورة ونزل بدار الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصارى رضي الله عنه ومما يذكر أن بني عمرو بن عوف أحد بطون قبيلة الأوس التي كانت إحدى القبائل العربية الرئيسية في المدينة المنورة وكانت القبيلة الأخرى هي قبيلة الخزرج وكانت هناك نزاعات وصراعات وحروب طاحنة بين القبيلتين قبل الإسلام إستمرت 140 عاما وكانت قبائل اليهود التي تسكن المدينة تغذى تلك النزاعات والحروب وتحيك المؤامرات والفتن بما يحقق لهم البقاء والريادة بالمدينة ولم تتوقف تلك الحروب بين القبيلتين إلا قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات وبدخول معظم أبناء القبيلتين في الإسلام إنتهت الصراعات والحروب وساد السلام بين القبيلتين حيث أصلح النبي صلى الله عليه وسلم بين قلوبهم من خلال إستيعاب كلا الفصيلين في المجتمع المسلم ومنع سفك الدماء بين المسلمين وتم تضمين كل من القبيلتين في دستور المدينة بكونهم مسلمين في دولة واحدة ومجتمع واحد وقد شكلت القبيلتان الأنصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وكان من أشهر رجال قبيلة الأوس الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكان سيد الأوس وأسيد بن حضير رضي الله عنهما وكانا من سادات القبيلة كما كان الصحابة أبو لبابة الأنصارى ومبشر بن عبد المنذر بن زبير وعويم بن ساعدة والحارث بن حاطب ممن ينتمون إلى بني مالك بن عوف بن مالك وكان ميلاد الصحابي الجليل عمير بن سعد بالمدينة المنورة في العام العاشر قبل الهجرة وكان أبوه الصحابي سعد بن عبيد كما أسلفنا من السابقين إلى الإسلام وكان من حفظة القرآن الكريم ولذا فقد عرف بلقب سعد القارئ وكان يؤم المصلين في مسجد قباء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما كما أنه كان أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الأنصار كما أنه شهد مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم غزواته كلها ثم شارك بعد وفاته في الفتح الإسلامي لبلاد العراق وفارس حيث شهد موقعة الجسر في شهر شعبان عام 13 هجرية والتي كانت المعركة الوحيدة التي خسرها المسلمون في حروب العراق وفارس بسبب وقوع قائد المسلمين يومذاك أبي عبيد بن مسعود الثقفي في خطأ جسيم بعبوره إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات ومواجهته للفرس في جبهة ضيقة مخالفا بذلك تعليمات الخليفة وما أشار عليه به قادة الجيش ثم شهد سعد رضي الله عنه بعد ذلك معركة القادسية في شهر شعبان عام 15 هجرية والتي قادها الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والتي كانت معركة محورية وفيصلية في فتوحات العراق وفارس وخطب في المسلمين ليلة المعركة قائلا إنا ملاقو العدو غدا وإنا مستشهدون فلا تغسلن عنا دما ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا وقد أكرمه الله بالشهادة في تلك المعركة وكان عمره رضي الله عنه 64 عاما .
وبعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وإستقراره بها إصطحب الصحابي سعد بن عبيد رضي الله عنه إبنه الطفل الذى كان يبلغ من العمر عشر سنوات لكي يبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام ولم تمض سوى أيام قليلة حتى تعلق الطفل الصغير بدينه الجديد ورسوله صلى الله عليه وسلم فكان على حداثة سنه لا يتأخر عن صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أمه تغمرها الفرحة كلما رأته ذاهبا إلى المسجد أو آيبا منه وعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه حرص على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ومصاحبته وتلقى توجيهاته وتعليماته والتعلم منه وتفتح قلبه للإيمان وتمكن الإيمان من قلبه وألفى الإسلامُ في نفسه الصافية الشفافة تربةً خصبةً فتغلغل فيها وعرف هذا الطفل النجيب بين المهاجرين والأنصار بشدة التقوى والورع وكثرة العبادة وحب طاعة الله ورسوله كما عرف أيضا بغيرته الشديدة على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم وتقديم عقيدته على كل شئ حتى على أسرته ومحبيه ففي السنة التاسعة من الهجرة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم للناس عزمه على المسير إلى تبوك للقاء الروم وكان السفر بعيد والحر شديد والثمار قد أينعت والظلال قد طابت حتى سميت هذه الغزوة بغزوة العسرة وسمي جيشها بجيش العسرة نظرا لبعد المسافة وقلة الزاد وشدة الحر وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحث الناس على البذل في تجهيز الجيش فلا تسل عن تسابق الصحابة وتنافسهم في الإستجابة للدعوات المحمدية مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذى جاء بكل ماله وعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذى جاء بشطر ماله وعثمان بن عفان رضي الله عنه الذى تكفل بتجهيز ثلث الجيش وعبد الرحمن بن عوف الذى تبرع بمائتي أوقية من الذهب وحتى النساء كن يأتين بذهبهن وخلاخلهن في سبيل الله وكان عمير بن سعد وكان في التاسعة عشر من عمره يرى هذه الأيادى الباذلة والمشاهد المبهجة فأسرع إلى عمه الجلاس بن سويد وكان من أثرياء الأوس فحدثه عما رأى من تنافس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنفاقهم للقليل والكثير في سبيل الله وجعل عمير يستحث عمه الجلاسَ للإنفاق في سبيل الله وإذا بالجلاس بن سويد يصعق عميرا بكلمة كبيرة أفقدته صوابه وهزت وجدانه وما ظن من عمه الجلاس الذى كان يظهر الإسلام آنذاك بينما هو من المنافقين أن يتفوه بها يوما حيث قال له إن كان محمد صادقا في ما يدعيه فنحن شر من الحمير وعندما سمع عمير هذا الكلام غضب غضبا شديدا وأسرع بالرد عليه قائلا والله يا جلاس إنك لمن أحب الناس إليّ وأحسنهم عندى يدا وأعزهم علي أن يصيبه شئ يكرهه ولقد قلت الآن مقالة لو أذعتها عنك لآذتك ولو صمت عليها ليهلكن ديني ولأخونن نبيه صلى الله عليه وسلم وإن حق الدين ونبي الإسلام لأولى بالوفاء وإني مبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت ووالله إن رسول الله صادق وأنت أشر من الحمير وحاول الجلاس أن يستدرك الأمر قائلا لعمير إكتمها علي يا بني ولكن عمير رضي الله عنه رفض هذا الطلب وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قال الجلاس ولكن رسول الله لم يتعجل لأنه هو الذى نزل عليه قول ربه في سورة الحجرات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد وأرسل إلى الجلاس بن سويد فجاءه فحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس فقال له النبي ما هذه المقالة التي بلغتنا عنك وأخبره بما قال عمير رضي الله عنه فأنكر وقال كذب وأقسم بأنه لم يقل ذلك الكلام ولام بعض الحضور الغلام عمير بن سعد رضي الله عنه وقالوا له هل هذا جزاء إحسانه إليك فبكى الغلام الصغير وإلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليه فرأى الدم قد إحتقن في وجهه وإنهالت الدموع مدرارا على وجنتيه ودعا ربه قائلا اللهم أنزل على نبيك صلى الله عليه وسلم تبيان ما تكلمت به وفي هذه اللحظة غشيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه السكينة فعرف الصحابة أنه الوحي يتنزل عليه فلزموا أماكنهم وسكنت جوارحهم ولاذوا بالصمت وتعلقت أبصارهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلاس وبدا التلهف والتشوق على عمير رضي الله عنه وظل الجميع كذلك حتى سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الوحي بآيات تؤكد صدق عمير بن سعد رضي الله عنه وكذب الجلاس حيث قال الله تعالى في محكم آياته في سورة التوبة يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ وهنا إعترف الجلاس بكذبه وصدق عمير رضي الله عنه وقال بل أتوب يا رسول الله بل أتوب يا رسول الله صدق عمير رضي الله عنه وأنا من الكاذبين وهنا توجه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى عمير رضي الله عنه فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق ومد يده الكريمة إلى أذنه وقال وفت أذنك يا غلام ما سمعت وصدقك ربك وكان هذا الموقف سببا في ندم وتوبة الجلاس توبة نصوحا وعودته إلى صحيح الإسلام فلم يمنع خيرا كان يصنعه مع عمير وكان يقول بعد هذا الموقف جزى الله عميرا خيرا فلو تركني على حالي لكنت مت على الكفر وكان مثواى جهنم وبئس المصير ولم ير بعد ذلك من الجلاس أى شئ يكره هذا وقد ظلت أمانة عمير بن سعد رضي الله عنه وصدقه محفورة في وجدان الصحابة وقال عنه التايعي عروة بن الزبير ما زال عمير في علياء بعد هذا حتى مات .
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام 11 هجرية وخلفه الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه شارك الصحابي عمير بن سعد رضي الله عنه في فتوحات بلاد الشام وبعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه تولى الخلافة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بعده كان عمير بن سعد رضي الله عنه ما يزال يجاهد في سبيل الله في فتوحات بلاد الشام فبعثه عمر رضي الله عنه على رأس جيش من قبل الشام فوفد عمير إليه وقال يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها عرب السوس تطلع عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون فقال عمر خيرهم بين أن ينتقلوا من مدينتهم ونعطيهم مكان كل شاة شاتين ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شئ شيئين فإن فعلوا فأعطهم ذلك وإن أبوا فإنبذ إليهم على سواء ثم أجلهم سنة فقال إكتب لي يا أمير المؤمنين عهدك بذلك فعرض عمير عليهم ما أمره به الخليفة فأبوا فأجلهم سنة ثم نابذهم فقيل لعمر إن عميرا قد خرب عرب السوس وفعل وفعل فتغيظ عليه فلما إستقدمه إليه علاه بالدرة وقال خربت عرب السوس وهو ساكت فلما دخل عمر رضي الله عنه بيته إستأذن عمير عليه فدخل وأقرأه عهده فقال له عمر غفر الله لك خراب عرب السوس وبعد ذلك أراد عمر أن يعين واليا على حمص وكان له أسلوبه الفريد والمتميز في إختيار ولاته وأمرائه وفق دستور كان قد أعلنه ولخصه في عبارته الشهيرة أريد رجالا إذا كانوا في القوم وليسوا أمراء عليهم بدوا وكأنهم أمراءهم وإذا كانوا فيهم وهم عليهم أمراء بدوا وكأنهم منهم أريد ولاة لا يميزون أنفسهم على الناس في ملبس ولا في مطعم ولا في مسكن يقيمون فيهم الصلاة ويقسمون بينهم بالحق ويحكمون فيهم بالعدل ولا يغلقون أبوابهم دون حوائجهم وهكذا كان من المعلوم أن أسلوب عمر رضي الله عنه في إختيار ولاته ومعاونيه كان أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر والدقة والأناة والحرص الشديد ذلك أنه كان يؤمن أن أى خطأ يرتكبه وال في أقصى الأرض سيسأل الله عنه إثنين عمر أولا وصاحب الخطأ ثانيا وكانت معاييره في تقييم الناس وإختيار الولاة مرهفة ومحيطة وبصيرة أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذا وكانت حمص حاضرة كبيرة وكانت الحياة فيها قبل دخول الاسلام بقرون تتقلب بين حضارات مختلفة علاوة على أنها مركز هام للتجارة ومرتع رحيب للنعمة وهي بهذا ولهذا محل إغراء ولا يصلح لها في رأى عمر إلا قديس تفر كل شياطين الإغراء أمام عزوفه وإلا زاهد عابد قانت أواب وأخذ عمر يقدح زناد فكره فألهمه الله إلى إختيار عمير بن سعد رضي الله عنه وكان مايزال يجاهد في سبيل الله في فتوحات بلاد الشام وأرض الجزيرة الفراتية وهي المنطقة الواقعة بين بلاد الشام والعراق والأناضول وتشمل المنطقة اليوم شمال شرق سوريا وشمال غرب العراق وجنوب شرق تركيا وقال عمر رضي الله عنه في نفسه قد وجدته إلي بعمير بن سعد فجاء إليه فعرض عليه أمير المؤمنين ولاية حمص وكانت تدعى الكويفة وهو تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة فما جاءهم من وال إلا وجدوا فيه عيوبا وأحصوا له ذنوبا ورفعوا أمره إلى خليفة المسلمين وتمنوا عليه أن يبدلهم به من هو خير منه فعزم الفاروق رضوان الله عليه أن يبعث إليهم بوال لا يجدون فيه مطعنا ولا يرون في سيرته مغمزا ولذا فقد وقع إختياره بعد بحث دقيق على عمير بن سعد رضي الله عنه وقال له عمر رضي الله عنه يا عمير إنا مولوك على أهل حمص فقال عمير رضي الله عنه يا أمير المؤمنين ناشدتك بالله ألا تفتنني وكان يفضل الجهاد في سبيل الله على أن يكون أميرا لأى ولاية فغضب عمر رضي الله عنه وقال ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني والله لا أدعك وإقتنع عمير رضي الله عنه في لحظة فقد كانت كلمات عمر رضي الله عنه حرية بهذا الإقناع حيث أدرك عمير رضي الله عنه أنه ليس من العدل والإنصاف أن يقلدوه أمانتهم وخلافتهم ثم يتركوه وحيدا وإذا إنفض عن مسؤولية الحكم أمثال عمير ين سعد رضي الله عنه فأنى للخليفة عمر رضي الله عنه من يعينه على تبعات الحكم الثقال فكان أن ولاه عمر رضي الله عنه على حمص ولقد عرف عمير رضي الله عنه مسؤولية الإمارة ورسم لنفسه وهو أمير حمص واجبات الحاكم المسلم وفي بداية إمارته لحمص خطب في أهلها قائلا ألا إن الإسلام حائط منيع وباب وثيق فحائط الإسلام العدل وبابه الحق فإذا هدم الحائط وخطم الباب إستفتح الإسلام ولا يزال الإسلام منيعا ما إشتد السلطان وليست شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط ولكن قضاءا بالحق وأخذا بالعدل وقضى عمير رضي الله عنه في إمارته لحمص حولا كاملا لم يكتب خلاله لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه كتابا ولم يبعث إلى بيت مال المسلمين بالمدينة المنورة من الفئ درهما ولا دينارا .
وهنا أخذت الشكوك تساور الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ كان شديد الخشية على ولاته من فتنة الإمارة فلا معصوم عنده أو منزه عن الخطأ غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال لكاتبه إكتب إلى والي حمص عمير بن سعد رضي الله عنه وقل له إذا جاءك كتاب أمير المؤمنين فدع حمص وأقبل عليه وإحمل معك ما جبيت من فئ المسلمين ولما تلقي عمير رضي الله عنه الكتاب سارع بتنفيذ أمر الخليفة وأخذ جراب زاده وحمل على عاتقه قصعته ووعاء وضوئه وأمسك بيده حربته وخلف حمص وإمارتها وراءه وإنطلق يحث الخطى مشيا على قدميه إلى المدينة المنورة وما كاد عمير رضي الله عنه يبلغ المدينة المنورة حتى كان قد شحب لونه وهزل جسمه وطال شعره وظهرت عليه وعثاء السفر ودخل على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في حالة تعب شديد متكئا على عصاه فدهش الفاروق من حالته وقال ما بك يا عمير قال ما بي من شئ فأنا صحيح معافى بحمد الله أحمل معي الدنيا كلها وأجرها من قرنيها قال ما معك من الدنيا قال معي جرابي وضعت فيه زادى ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل عليها رأسي وثيابي ومعي قربة لوضوئي وشرابي ثم إن الدنيا كلها يا أمير المؤمنين تبع لمتاعي وفضلة لا حاجة لي ولا لأحد غيرى بها فقال عمر وجئت ماشيا قال نعم قال أما أعطيتَ من الإمارة ولا دابة تركبها قال هم لم يعطوني وأنا لم أطلب منهم قال عمر وأين ما أتيت به لبيت المال قال لم آت بشئ فقال عمر ولم فقال عمير لما وصلت حمص جمعت صلحائها ووليتهم جمع فيئهم فكانوا كلما جمعوا شيئا إستشرتهم في أمره فوضعته في مواضعه وأنفقته على المستحقين منهم فقال عمر لكاتبه جدد عهدا لعمير على ولاية حمص فقال عمير رضي الله عنه هيهات فإن ذلك شئ لا أريده ولن أعمل لك ولا لأحد من بعدك يا أمير المؤمنين ثم إستأذنه بالذهاب إلى قرية من ضواحي المدينة يقيم فيها مع أهله فأذن له وبقي عمر يشك فيه فلم يمض على ذهاب عمير إلى قريته وقت طويل حتى أراد عمر أن يختبر صاحبه وأن يستوثق من أمره فقال لأحد ثقاته يدعى الحارث إنطلق يا حارث إلى عمير بن سعد رضي الله عنه وإنزل به كأنك ضيف فإن رأيتَ عليه آثار نعمة فَعد كما أتيت وإن وجدت حالا شديدا فأعطه هذه الدنانير وناوله صرة فيها مائة دينار فإنطلق الحارث حتى بلغ القرية التي بها عمير رضي الله عنه وسأل عنه فدل عليه ولما لقيه قال السلام عليك ورحمة الله قال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته مِن أين قدمت قال من المدينة فقال له كيف تركت المسلمين قال بخير قال كيف أمير المؤمنين قال صحيح صالح قال أليس يقيم الحدود قال بلى قال اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديد الحب لك فأقام الحارث في ضيافة عمير ثلاث ليال وكان عمير يخرج له كل ليلة بقرص من الشعير يقدمه له فلما كان اليوم الثالث قال للحارث رجل من القوم لقد أجهدتَ عميرا وأهله فليس لهم إلا هذا الرغيف وقد أضر بهم الجوع والجهد فإن رأيت أن تتحول فتحول إلي عند ذلك فأخرج الحارث الدنانير ودفعها إلى عمير فقال عمير ما هذه قال دفع بها إليك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال ردها إليه وإقرأ عليه السلام وقل له لا حاجة لعمير بها فصاحت إمرأته مثل كل النساء خذها يا عمير فإن إحتجت إليها أنفقتها وإلا وضعتها في مواضعها فالمحتاجون هنا كثيرون فلما سمع الحارث قولها ألقى الدنانير بين يدى عمير وإنصرف عائدا إلى الخليفة .
وبعد إنصراف الحارث أخذ عمير الدنانير وجعلها في صرر صغيرة ولم يبت ليلته تلك إلا بعد أن وزعها بين ذوى الحاجات وخص منهم أبناء الشهداء وعاد الحارثُ إلى المدينة وقال له عمر ما رأيت يا حارث قال حالا شديدة يا أمير المؤمنين قال أدفعتَ إليه الدنانير قال نعم قال وما صنع بها قال الحارث لا أدرى وما أظنه يبقي لنفسه منها درهماً واحدا فكتب الفاروق إلى عمير يقول له إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل علي وتوجه عمير إلى المدينة ودخل على عمر رضي الله عنه فرحب به وأدنى مجلسه ثم قال له ما صنعتَ بالدنانير يا عمير قال وما عليك منها بعد أن خرجت لي عنها قال عزمت عليك أن تخبرني بما صنعت بها فقال إدخرتها لنفسي لأنتفع بها في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فدمعت عينا عمر رضي الله عنه وقال أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة فالآية قد إنطبقت عليه ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين فقال أما الطعام فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير وإلى أن نأكلهما يكون الله عز وجل قد جاء بالرزق وأما الثوبان فآخذهما لإمرأتي فقد بلي ثوبها وكادت أن تعرى وقد ظل عمير بن سعد رضي الله عنه في أواخر عمره مقيما بالقرية القريبة من المدينة المنورة التي كان قد إنتقل إليها حتى توفاه الله في خلافة الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومضى رضي الله عنه في طريق الآخرة وادع النفس واثق الخطا لا يثقل كاهله شئ من أحمال الدنيا ولا يؤود ظهره عبء من أثقالها وحزن عليه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حزنا شديدا وقال إنه كان نسيج وحده أى لا ثاني له ولا نظير وقال عمر رضي الله عنه أيضا عنه وددت أن كان لي رجالا مثل عمير بن سعد رضي الله عنه أستعين بهم على أعمال المسلمين وذلك من شدة ثقته به وقيل عنه أيضا كان زهاد الأنصار ثلاثة عويمر أبو الدرداء وشداد بن أوس وعمير بن سعد ن عبيد رضي الله عنهم جميعا وأيضا قال عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان بالشام أفضل من عمير بن سعد رضي الله عنه حيث كان نمطا نادرا وفريدا بين الرجال وتلميذا متفوقا في مدرسة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|