جمال كمال محمود
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
Arab Center for Research & Policy Studies
مقدمة:
يُعدّ البحر الأحمر همزة وصل بين الشرق والغرب على مر العصور؛ إذ يختصر المسافة بين الشرق الأفريقي والغرب الآسيوي من ناحية، والغرب الأوروبي من ناحية أخرى، فيوفر كثيرًا من الوقت والجهد والمال. لذا لا عجب في أنه كان محط اهتمام القوى الكبرى التي لها مصالح فيه وعبر مياهه في العصور كلها. وبناء عليه، جذب هذا البحر الرحالة والتجار والشعوب؛ كي يتمتعوا بالسيادة عليه، لما يعود عليهم بالنفع اقتصادياً واستراتيجياً.
كان البحر الأحمر من أهم شرايين التجارة العالمية منذ العصور القديمة، فنجد المصريين القدماء يصنفونه في مكانة مهمة، وحذا حذوهم من تبعهم من دول بسطت سيادتها على المنطقة، مثل الإغريق والرومان، ثم الدولة العربية الإسلامية بفتراتها المختلفة حتى عصر سلاطين المماليك الذين احتكروا التجارة الشرقية، ما دفع القوى الغربية إلى البحث عن طرق بديلة منه، على نحو أدّى إلى اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح في عام 1498 .
لم يقتنع البرتغاليون بذلك، بل أرادوا الاستيلاء على البحر الأحمر، وتهديد الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز، ما دفع المماليك إلى أن يهبوا للدفاع عنه، واستعانوا بالدولة العثمانية الفتية التي قدمت إليهم العتاد والسفن. لكن محاولات المماليك باءت بالفشل، ثم سقطت سلطنتهم في يد الدولة العثمانية التي ورثت أملاكها ودورها في مواجهة البرتغاليين، أو ما يمكن أن نُسمّيه استراتيجية الدولة العثمانية في الدفاع عن البحر الأحمر، موضوع هذا الكتاب.
يطرح الكتاب إشكاليات عدة، منها :
. ما مدى أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية والاقتصادية خلال العصور القديمة والوسطى ومحاولات القوى الكبرى للسيطرة عليه ؟
• ما سياسة الدولة العثمانية في البحر الأحمر ومدى نجاحها أو إخفاقها في الدفاع عنه ضد الخطر البرتغالي ؟
• ما رؤية الدولة العثمانية في الاستراتيجيا التي اعتمدتها في البحر الأحمر، المتمثلة في إغلاقه أمام السفن الأوروبية؟
ما مدى نجاح الدولة العثمانية في تطبيق منظومتها الأمنية في البحر الأحمر ؟
. كيف كان البحر الأحمر شريانًا ملاحيًا بالغ الأهمية للتجارة الدولية؟
ما أهمية التجارة عبر البحر الأحمر ؟ وما أهم السلع التي نقلت عبره؟
• هل أثر ضعف الدولة العثمانية في استراتيجيتها في البحر الأحمر؟ وما نتائج ذلك؟
قسمنا الكتاب مقدمةً وستة فصول وخاتمة، إضافة إلى عشرة ملاحق.
عرض الفصل الأول الكيفية التي كان بها البحر الأحمر موضع اهتمام الفراعنة، مرورًا بالإغريق والرومان والدولة الإسلامية خلال عهودها المختلفة، وانتهاءً بسلطنة المماليك وتعاونها مع الدولة العثمانية لمواجهة الخطر البرتغالي وناقش الفصل الثاني تحوّل الدولة العثمانية بفتوحاتها من أوروبا إلى الشرق واستيلائها على الشام ومصر، وتحوّل تبعية الحجاز إلى الدولة العثمانية، والحملات العثمانية على اليمن، على نحو أدى إلى جعل البحر الأحمر بحيرة عثمانية خالصة.
وعرض الفصل الثالث المواجهة بين العثمانيين والبرتغاليين التي حسمت لمصلحة الأوائل الذين انتهجوا استراتيجيا جديدة، تتمثل في إغلاقه أمام الملاحة. ولم تنجح في الوصول إلى السويس إلا في نهايات القرن الثامن عشر، في فترة علي بك الكبير (1763-1771)، وتحديدًا في عام 1768 ، على الرغم من محاولات أوروبا فتح البحر الأحمر أمام سفنها واعتمدت الدولة العثمانية منظومة للأمن في البحر الأحمر من خلال أسطولها وقواعدها العسكرية التي مكنتها من القيام بعملياتها العسكرية فيه والدفاع عنه، في الوقت الذي فكر العثمانيون في شق قناة تربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.
واهتم الفصل الرابع بنشأة علم الملاحة عند العرب والتعرف إلى موانئ البحر الأحمر المختلفة، وسفنه، والملاحة ومعوّقاتها ومخاطرها. وخصص الفصل الخامس للتعرف إلى تطور تجارة البحر الأحمر والبضائع التي تمر عبره، مثل البن والتوابل والأقمشة الهندية والبخور والمر والخزف الصيني وأنياب الفيلة، وغيرها.
أما الفصل السادس، فعرض عوامل ضعف الدولة العثمانية الداخلية والخارجية، وأثر ذلك الضعف في استراتيجيتها في البحر الأحمر، خصوصًا بعد وصول السفن الأوروبية إلى السويس مباشرة، وتأجج التنافس الدولي في البحر الأحمر إبان الحملة الفرنسية. وجاءت الخاتمة عرضًا لأهم النتائج التي توصل إليها الكتاب. اعتمد المؤلف على المصادر الأولية المحفوظة في دار الوثائق القومية، خصوصاً سجلات المحاكم الشرعية، مثل محاكم الإسكندرية وباب الشعرية والباب العالي والصالح والصالحية النجمية والقسمة العربية والقسمة العسكرية، إلى جانب سجلات إسقاط القرى واستند أيضًا إلى بعض المخطوطات لإبراهيم اللقاني وعبد القادر الجزيري وعلاء الدين المكي وقطب الدين محمد النهروالي، وكان للمصادر المنشورة دور مهم في اكتمال الموضوع؛ إذ عكست وجهة نظر المؤرخين المعاصرين بشأن الحوادث التي كتبوا عنها وعايشوا بعضها. وفي مقدمة هذه المصادر كتاب الفضائل الباهرة لمحمد بن محمد بن ظهيرة، وكتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد لشهاب الدين أحمد بن ماجد، وكتاب بدائع الزهور المحمد بن أحمد بن إياس، وآخرة المماليك لابن زنبل الرمال، وعجائب الآثار لعبد الرحمن الجبرتي، وأخبار أهل القرن الثاني عشر الهجري لإسماعيل الخشاب.
كان لموسوعة وصف مصر دور مهم أيضًا، ومثلت مع كتابات الرحالة الأجانب، ما يمكن وصفه بوجهة النظر الغربية أو رؤية الأنا في مرآة الآخرين؛ والأنا هنا هو الشرقي في مقابل الآخر الغربي عمومًا. واستعنا بكم كبير من المراجع العربية والمعربة والأجنبية، إنكليزية وفرنسية، في توضيح صورة البحر الأحمر في الاستراتيجيا العثمانية. |