|
|
عدد : 01-2024 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام القرشي الأموى رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكان يكنى بأبي محمد وبأبي عبد الرحمن وهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الثالث عبد مناف بن فصي بن كلاب وهو ينتسب إلى بني أمية والتي كانت من عشائر قبيلة قريش الثرية وكان ينظر إليهم على أنهم من بين بطون قبيلة قريش الثلاث الأقوى والأكثر نفوذا وتأثيرا في مجتمع مكة المكرمة قبل ظهور الإسلام وكانوا مسؤولين عن العلاقات السياسية بين قبيلة قريش وسائر قبائل الجزيرة العربية وكان منهم غير الصحابي عتاب بن أسيد زعيم قريش أبو سفيان صخر بن حرب وأولاده السيدة أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخواها يزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان والخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا وكان البطن الثاني بنو هاشم قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأعمامه العباس وحمزة وأبى طالب وأبنائه علي وجعفر وعقيل وأم هانئ وكانوا مسؤولين عن السقاية والرفادة وخدمة الحجيج أما البطن الثالث فكان بنو مخزوم وكانوا مسؤولين عن إعداد وتجهيز قريش للحرب والقتال وكانت لهم أعنة الخيل والسلاح في قريش وكان أطفالهم يتدربون منذ الصغر على إستعمال الأسلحة بأنواعها المختلفة وإصابة الهدف وترويض الخيل والفروسية وكان منهم أم المؤمنين السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها الزوجة السادسة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيف الله المسلول عبقرى الحرب خالد بن الوليد وأخواه الوليد وهشام وعكرمة بن أبي جهل أحد قادة جيوش الإسلام في حروب الردة وفتوحات الشام بعد إسلامه رضي الله عنهم جميعا وكان ميلاد الصحابي عتاب بن أسيد رضي الله عنه على الأرجح بمكة المكرمة قبل البعثة بحوالي 4 سنوات لأبوين أمويين أبناء عم فأبوه هو أَسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس وأمه هي زينب بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس
وكان أبوه أَسيد بن أبي العيص من كتاب العرب القليلين وكان متعصبا لقومه بني عبد مناف بن قصي مدافعا عنهم وكان يفاخر قبائل قريش بذلك فيصيب مرة ويخسر مرة فلما ظهر الإسلام وقف أسيد مع زعماء قريش معاندا للإسلام متعصبا للكفر ومآثر قريش في الجاهلية فكان يبغض الإسلام ومن أسلم بغضا شديدا حتى كان من تعصبه أنه كان يعادى الكفار الذين يساندون النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم لعمرى لقد أجرى أسيد وبكره إلى بغضنا وجزانا لآكل وهي قصيدة طويلة يعاتب فيها أبو طالب قريش وزعمائها على ما فعلوه في وقوفهم ضد غبن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا البيت يقصد بأسيد أسيد بن أبي العيص ويقصد ببكره عتاب بن أسيد وقيل أخوه الأكبر خالد بن أسيد وهو الأغلب لأن خالدا كان كبير السن يوم أسلم وشهد بدرا مع المشركين وأُسر يومئذ أما أخوه عتاب فقد كان صغير السن يوم أسلم فيكون بكره خالد وفد بقي أسيد على حاله كارها للإسلام ونبيه والمسلمين حتى عمي ومات قبل فتح مكة بيوم وكان من الطبيعي وقد نشأ إبنه عتاب في بيت يكره الإسلام ويعادى المسلمين أن يشب على كراهية الإسلام والمسلمين وأى مظهر إسلامي وإستمر على هذا الحال حتى يوم فتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية .
وفي هذا اليوم المشهود من أيام الإسلام وبعد أن تم الفتح ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وكان هذا اليوم يوم ملئ بالأحداث فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في البلد الحرام وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة قائلا لهم إذهبوا فأنتم الطلقاء بعد أن قال لهم ما تظنون أني فاعل بكم فقالوا أخ كريم وإبن أخ كريم وأمن أهل مكة سواء من أسلم أو من ظل على الشرك وتم هدم الأصنام وتطهير الكعبة المشرفة منها وحان موعد صلاة الظهر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنه بلال بن رباح رضي الله عنه والذى كان عبدا مستضعفا في مكة برفع الأذان من فوق سطح الكعبة فخلع بلال لباس الحرب وتسلق جدران الكعبة وصعد فوق سطحها ورفع الأذان لأول مرة في مكة فسمعه زعماء قريش وكل أهل مكة فهال وغاظ بعضهم ما سمعوه حيث لم يكن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم فقد أسلموا قبل سويعات ولما بلغ بلال أشهد أن محمدا رسول الله قالت جويرية بنت أبي جهل قد لعمرى رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي ووالله لا نحب من قتل الأحبة أبدا ولقد كان قد جاء أبي الذى جاء محمدا من النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه وقال خالد بن أسيد الحمد لله الذى أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم وقال أخوه عتاب لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه وقال الحارث بن هشام بن المغيرة واثكلاه ليتني مت قبل هذا اليوم ولا كنت أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة وقال الحكم بن أبي العاص هذا والله الحدث العظيم أن يصيح عبد بني جمح على بناية أبي طلحة وقال سهيل بن عمرو إن كان هذا سخط الله فسيغيره وإن كان رضا الله فسيقره وقال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئا لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في جوف الكعبة فأخبره بخبر القوم فلما خرج أخبرهم بخبرهم فأسلموا جميعا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقالوا والله ما سمعنا أحد فيما قلنا وما إطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل مكة قال إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم من الشرك وأرغب لهم في الاسلام فقيل ومن هم يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام وسهيل بن عمرو وقد اكرم الله الأربعة بالإسلام فعلا يوم فتح مكة ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى أسيد بن أبي العيص في الجنة فهاله ذلك وكان أسيد قد مات على الشرك فكيف يدخل الجنة فَعَرَضَ له عتاب بن أسيد فقال هذا الذى رأيت فكلفه النبي بإمارة مكة فكان أول من تولى إمارتها في الإسلام وحين خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزو هوازن في شهر شوال عام 8 هجرية بعد حوالى عشرين يوما من فتح مكة أراد عتاب رضي الله عنه أن يخرج معه للجهاد فقد روى الزبير بن بكار بسنده أن عتابا قال يا رسول الله لم تخلفني عنك فقال ما ترضى أني إستعملتك على آل الله عز وجل وأوصاه بألا يأكل أحد منهم من ربحِ ما لم يضمن وأن ينهاهم عن سلف وبيعٍ وعن الصفقتين في البيعِ الواحد وأن يبيع أحدهم ما ليس عنده ثم أنهى وصيته قائلا لعتاب رضي الله عنه فإستوص بهم خيرا وكررها ثلاثة مرات ويفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعتاب أنه في عمله هذا أفضل من الجهاد فلذلك سكت عتاب رضي الله عنه وإنصرف لعمله أميرا على مكة فأى فضل هذا وأى ثقة وأمانة حملها النبي صلى الله عليه وسلم لعتاب وهو كان قد أسلم قبل أيام وفي جيش الإسلام من هو أشرف وأفضل منه ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء .
وفي واقع الأمر فقد كان عتاب رضي الله عنه شابا له عقل وافر وحكمة أهلته للمهمة التي كلفه بها النبي صلى الله عليه وسلم وكان آنذاك يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما تقريبا وكان تأمير الرسول صلى الله عليه وسلم له وهو شاب صغير ولم يؤمر أبا سفيان زعيم قريش مماثلا لتأميره فيما بعد عثمان بن أبي العاص الثقفي على ثقيف وهو أيضا شاب وعزل كنانة بن عبد ياليل زعيم ثقيف حيث كان الإيمان لم يدخل قلبه كاملا وكلف النبي كل من معاذ بن جبل وهبيرة بن شبل الثقفي رضي الله عنهما بأن يعينا عتاب رضي الله عنه فكان معاذ يفقه الناس وهبيرة يصلي بهم ولما إستعمل النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وقف يخطب في الناس قائلا أصبت في عملي الذى إستعملني عليه رسول الله بردين معقدين كسوتهما غلامي كيسان فلا يقولن أحدكم أخذ مني عتاب كذا فقد رزقني رسول الله كل يوم درهمين فلا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان فليست بي حاجة إلى أحد وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما إستعمل عتاب بن أسيد على مكة عرف عنه إجتماع الأمانة والقوة فيه فكان شديدا على المريب لينا على المؤمنين وكان أسيد يقول والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن هذه الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عنها أحد إلا منافق فقال أهل مكةَ يا رسولَ الله إستعملت على أهل الله أعرابيا جافيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني رأيت فيما يرى النائم كأنه أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها حتى فتح له فدخل أى أنه إختار لهم أميرا من أهل الجنة وفي يوم حنين وبعد أن إنكشف المسلمون في البداية فر البعض إلى مكة وأخبروا أهلها بهزيمة المسلمين فسر بذلك قوم من أهلها وأظهروا الشماتة وقال قائلهم ترجع العرب إلى دين آبائها وقد قتل محمد وتفرق أصحابه فقال عتاب بن أسيد رضي الله عنه إن قتل محمد فإن دين الله قائم والذى يعبده محمد حي لا يموت فما أمسوا حتى جاءهم الخبر بنصره صلى الله عليه وسلم فسر عتاب بن أسيد ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وكبت الله من كان يسر خلاف ذلك وعند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حصار الطائف وفي الطريق سمع أبو محذورة الجمحي يؤذن بإستهزاء وكان شابا لا زال على كفره فعن أبي محذورة رضي الله عنه قال خرجت في نفر فَكنا ببعض الطريقِ فأذن مؤذن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالصلاة عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه منتكبون فصرخنا نحاكيه ونهزأ به فسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال أيكم الذى سمعت صوته قد إرتفع فأشار إلي القوم كلهم وصدقوا فأرسلهم النبي وإستبقاني وقال لي قم فأذن فقمت ولا شئ أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به فقمت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى علي صيغة الأذان بنفسه ولما جاءت أشهد ألا إله إلا الله ثم أشهد أن محمدا رسول الله قال لي إرفع صوتك ثم دعاني حين إنتهيت من التأذين فأعطاني صرة فيها شئ من فضة ثم وضعَ يده على ناصيتي ثم مررها على وجهي ثم على صدرى ثم على كبدى ثم بلغت يد النبي صلى الله عليه وسلم سرتي ثم قال بارك الله لك وبارك عليك فقلت يا رسول اللَّه أتأمرني بالتأذين بمكةَ قال نعم قد أمرتك فذهب من قلبي كل شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية وعاد ذلك كله محبة له فقدمت على عتاب بن أسيد أمير مكة فأذنت معه بالصلاة بأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وظل يؤذن فيها حتى توفي في مكة عام 59 هجرية قرب أواخر عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
وفي شهر ذى الحجة من العام الثامن الهجرى لم يكن الحج قد فرض على المسلمين كخامس ركن من أركان الإسلام لمن إستطاع إليه سبيلا لكن كان هناك الحج الإبراهيمي الذى شوهه المشركون وأدخلوا عليه طقوس وثنية وفي هذا العام لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم الحج الإبراهيمي ولم يكن قد منع المشركون بعد من دخول الحرم ولم يتم تكليف عتاب بن أسيد رضي الله عنه بأن يكون أميرا على من حج من المسلمين لكنه بصفته أمير مكة كان المسلمون في ناحية يدفع بهم عتاب رضي الله عنه ويقف بهم المواقف طبقا لما أمر به الإسلام في الطواف والسعي وخلافه بينما كان المشركون ممن كان له عهد ومن لم يكن له عهد منهم في ناحية وخلال العام التاسع للهجرة جاء بنو عمرو بن عمير الثقفي وهم عبد ياليل وحبيب وربيعة ومسعود إلى عتاب يشكون بني المغيرة في ربا لهم ففي تفسير الطبرى عن إبن جريج قوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين قال كانت ثقيف قد أرسلت وفدها في شهر رمضان من العام المذكور إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكي تعلن إسلامها وأقروا على أن ما لهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع وكان بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم بعد أن دخلوا في الإسلام ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتيه في هذا الأمر فنزلت آية في سورة البقرة نصها يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فإذنوا بحرب من الله ورسوله فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال له إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب فأرسل عتاب إلى بني عمرو رد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بل نتوب إلى الله عز وجل وفي شهر ذى الحجة من العام المذكور كان قد فرض الحج على المسلمين ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام حيث سيكون الحج أيضا فيه المسلمون والمشركون فآثر الإنتظار لعل الله يحدث أمرا وأخرج بعثة الحج من المدينة المنورة وأمر عليها أبا بكر الصديق رضي الله عنه وبعد خروج البعثة نزلت آيات سورة التوبة التي تفيد بأن الله برئ من المشركين ورسوله وبأن المشركين نجس وألا يحجوا أو يقربوا البيت الحرام بعد عامهم هذا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقته القصواء في إشارة أنه يحمل رسالة هامة من النبي وهي آيات سورة التوبة أو براءة ليخبر بها أبا بكر ومن معه من المسلمين ويتلوها على أهل الموقف سواء في المسجد الحرام أو في عرفة أو المزدلفة وخلال أيام منى الثلاثة ونفذ علي رضي الله عنه المهمة المكلف بها على أكمل وجه ورافق عتاب كل من أبي بكر وعلي طوال أيام الحج وفي السنة العاشرة للهجرة حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وعلم خلالها المناسك للمسلمين وقال خذوا عني مناسككم وكان عتاب رضي الله عنه مايزال واليا على مكة وحج مع النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أنه حمل إبنه الرضيع عبد الرحمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يباركه ويدعو له وكانت هذه عادة الصحابة أن يأخذوا أبنائهم للنبي صلى الله عليه وسلم ليباركهم ويدعو لهم ولم يزل عتاب بن أسيد رضي الله عنه أميرا على مكة المكرمة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وحين جاء الخبر بنعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى عتاب بن أسيد رضي الله عنه صدم وخرج من مكة وهو لا يشعر بذلك فعن إبن هشام مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مكة المكرمة وعملها عتاب بن أسيد رضي الله عنه فلما بلغهم ذلك ضج أهل المسجد فبلغ عتابا فخرج حتى دخل شعبا من شعاب مكة وسمع أهل مكة الضجيج فتوافى رجالهم إلى المسجد الحرام فقال سهيل بن عمرو رضي الله عنه أين عتاب وجعل يستدل عليه حتى أتى عليه في الشعب فقال ما لك قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قم في الناس فتكلم قال لا أطيق مع موت رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام قال فإخرج معي فأنا أكفيكه فخرجا حتى أتيا المسجد الحرام فقام سهيل رضي الله عنه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وخطب فيهم يحثهم على عدم الإرتداد عن الإسلام والثبات عليه وكان مما قاله قد تعلمون أني أكثر قريش قتبا فِي بر وجارية فِي بحر فأقروا أميركم وأعطوه صدقاتكم وأنا ضامن إن لم يتم الأمر أن أردها عليكم وأردف قائلا كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أول من يرتد وبكى وسكن الناس ورجع عتاب إلى إمارته ولما تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة أقر عتاب بن أسيد رضي الله عنه أميرا على مكة وأعمالها وحج بالناس في موسم الحج في عام 11 هجرية وفي العام الثاني عشر للهجرة إعتمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه فدخل مكة ضحوة فأتى منزله وكان أبوه أَبو قحافة والذى أسلم يوم الفتح جالسا على باب داره ومعه فتيان أحداث يحدثهم إِلى أن قيل هذا إبنك فنهض قائما فعجل أَبو بكر إِليه قبل أن ينيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة وجعل يقول يا أبت لا تقم فلاقاه فإلتزمه وقبل أَبو بكر رضي اللَّه عنه اباه بين عينيه وجعل الشيخ يبكي فرحا بقدوم إبنه وجاءه والي مكة عتاب بن أسيد وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أَبي جهل والحارث بن هشام رضي الله عنهم جميعا وكانوا كلهم ممن أسلموا يوم الفتح وحسن إسلامهم فسلموا على أبي بكر بالخلافة قائلين سلام عليك يَا خليفة رسول اللَّه وصافحوه جميعا فجعل أَبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه يبكي إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على أبيه أبي قحافة والذى قال لأبي بكر يا عتيق أحسن صحبة هؤلاء الملأ فقال أبو بكر رضي الله عنه لقد قلدت أمرا عظيما لا يد لي به ولا قوة إِلا بالله ثم دخل فإغتسل وخرج فإتبعه أصحابه فنحاهم وقال لهم إمشوا على رسلكم ولقيه الناس يحيونه ويسلمون عليه ويعزونه عن نبي اللَّه محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهو يبكي حتى إنتهى إِلى البيت الحرام فإضطبع بثوبه أَو بردائه حتى إستلم الركن ثُم طاف بالبيت سبعا وركع ركعتين ثم إنصرف إِلى منزله فلما كان الظهر خرج فطاف أَيضا بالبيت ثم جلس قريبا من دار الندوة فقال هل من أحد يشكو مظلمة أَو يطلب حقا فما أتاه أحد وأثنى الناس على واليهم خيرا ثم صلى العصر وجلس فودعه الناس ثم خرج رضي الله عنه عائدا إلى المدينة المنورة .
وكانت هذه آخر حجة لعتاب بن أسيد رضي الله عنه فقد توفي في نفس اليوم الذى توفي فيه الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في يوم الإثنين 22 من شهر جمادى الآخرة عام 13 هجرية ونختم مقالنا هذا عن الصحابي الشاب عتاب بن اسيد رضي الله عنه بذكر بعض من سيرة حياته الشخصية فقد تزوج عتاب رضي الله عنه من جويرية بنت أبي جهل رضي الله عنها بعد فتح مكة وكانت أمها عمته فهي أروى بنت أبي العيص رضي الله عنها وكانت قد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح هي وبناتها صخرة وجويرية والحنفاء وأسماء بنات أبي جهل لعنه الله ورضي الله عن زوجته وبناته وكان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد كلم الحارث بن هشام رضي الله عنه أخا أبي جهل بن هشام لعنه الله في أن يتزوج من إبنة أخيه جويرية بعد فتح مكة فقال له أهلها لا نزوجك على السيدة فاطمة الزهراء إبنة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها ولما سمعت بذلك فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحا إبنة أبي جهل ثم أن الحارث وأخوه سلمة ذهبا للنبي صلى الله عليه وسلم يستأذناه في ذلك وفي كتاب صحيح الإمام البخارى عن المسور بن مخرمة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة إستأذنوني في أن ينكحوا إبنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يريد إبن أبي طالب أن يطلق إبنتي وينكح إبنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها وإني لا أحرم شيئا أحله الله ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا فترك الإمام علي رضي الله عنه الخطبة فكان أن تزوجها إبن خالها عتاب بن أسيد رضي الله عنه فولدت له إبنه عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وفضلا عن ذلك فقد روى عتاب بن أسيد رضي الله بعض المواقف والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فعن إبن شهاب الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم وبهذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكروم إنها تخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا رحم الله الصحابي الجليل عتاب بن أسيد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|