الخميس, 30 يوليو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

أبو سفيان صخر بن حرب
-ج1-

أبو سفيان صخر بن حرب
-ج1-
عدد : 01-2024
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"

أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام القرشي الأموى رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلتقي معه في الجد الثالث عبد مناف بن قصي بن كلاب ويعد من أبناء عمومته وهو ينتمي إلى بني أمية والتي كانت من عشائر قبيلة قريش الثرية وكان ينظر إليهم على أنهم من بين بطون قبيلة قريش الثلاث الأقوى والأكثر نفوذا في مجتمع مكة المكرمة قبل ظهور الإسلام وكانوا مسؤولين عن العلاقات السياسية بين قريش وسائر قبائل الجزيرة العربية وكان منهم غير الصحابي أبي سفيان صخر بن حرب أولاده السيدة أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعاوية بن أبي سفيان وأخيه يزيد بن أبي سفيان والخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا وكان البطن الثاني بنو هاشم قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأعمامه العباس وحمزة وأبى طالب وأبنائه علي وجعفر وعقيل وكانوا مسؤولين عن السقاية والرفادة وخدمة الحجيج أما البطن الثالث فكان بنو مخزوم وكانوا مسؤولين عن إعداد وتجهيز قريش للحرب والقتال وكانت لهم أعنة الخيل والسلاح في قريش وكان أطفالهم يتدربون منذ الصغر على إستعمال الأسلحة بأنواعها المختلفة وإصابة الهدف وترويض الخيل وكان منهم أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها الزوجة السادسة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيف الله المسلول عبقرى الحرب خالد بن الوليد بن المغيرة وأخواه الوليد وهشام وعكرمة بن أبي جهل أحد قادة جيوش الإسلام في حروب الردة وفتوحات الشام بعد إسلامه وكان ميلاد أبي سفيان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بحوالي أربع سنوات ونشأ في أسرة ثرية من أكبر عائلات مكة وكان أبوه حرب بن أمية هو أول من كتب باللغة العربية وكان قائدا لجيوش بني كنانة ومنها قبيلة قريش في حرب الفجار ضد قبائل قيس عيلان وهي إحدى حروب العرب في الجاهلية ووقعت بين قبائل كنانة ومنها قريش وبين قبائل قيس عيلان ومنها هوازن وغطفان وسليم وثقيف وسميت بالفجار لما إستحل فيه هذان الحيان من المحارم بينهم في الأشهر الحرم ولما قطعوا فيه من الصلات والأرحام بينهما وكانت بدايتها بسبب خلافات بين أفراد من الحيين على بعض المعاملات التجارية بسوق عكاظ تحولت إلي خصومة وعداء وقتال إستمر قرابة 10 سنوات من عام 43 قبل الهجرة حتى عام 33 قبل الهجرة وكان أبو سفيان بن حرب قبل الإسلام قد أصبح أحد رجال وزعماء قريش الكبار وأحد ساداتها وكان سيدا على بني عبد شمس وكان يتصف بالمكر والدهاء والحلم ولما بدأت الدعوة للإسلام في مكة كان من أشد أعداء الإسلام وممن كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم هو وزوجته هند بنت عتبة بن ربيعة والتي كان أبوها وجيها من وجهاء مكة ومن حكماء قريش وشخصية بارزة عند ظهور الإسلام وكان يلقب بالعدل لأنه كان يعدل قريش كلها بالحلم والرأى السديد وكان هو أحد من أوقفوا حرب الفجار بحكمته ورأيه السديد والتوفيق بين الطرفين المتحاربين لكنه أيضا عادى الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستجب له بل حاول أن يصرفه عن الدعوة بشتى الطرق والمغريات دون جدوى وقد إستمر عداء أبي سفيان بن حرب وزوجته هند بنت عتبة وحميه عتبة بن ربيعة للإسلام ونبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم طوال فترة الدعوة في مكة المكرمة وإلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة .


وفي شهرى جمادى الأولى وجمادى الآخرة في العام الثاني للهجرة خرج الرسول محمد في مائة وخمسين أو مائتين من المهاجرين لإعتراض عير لقريش ذاهبة بتجارة من مكة إلى الشام تحمل أموالا عظيمةً لقريش معظمها من أموال المسلمين المهاجرين الذين كانوا قد تركوها وراءهم في مكة فإستولت قريش عليها وكان يقود هذه القافلة أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلا فلما وصل النبي مكانا يسمى ذا العشيرة وجد العير قد فاتته بأيام فعاد هو ومن كان معه من الصحابة إلى المدينة المنورة ولما إقترب رجوع العير من الشام إلى مكة بعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الصحابيين طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما إلى الشمال ليقوما بإكتشاف خبرها فوصلا إلى منطقة تسمى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير فأسرعا إلى المدينة ليخبرا الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم بالخبر والذى كان قد وصل فعلا للمدينة قبل عودتهما فندب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج وقال لهم هذه عير قريش فيها أموالهم فإخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزم على أحد بالخروج لأنه لم يكن يتوقع عند هذا الخروج أنه خارج للقتال في معركة مع قريش ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة المنورة ولم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة حيث لم يكن في نيته قتال وإنما كان الخروج لإعتراض عيرَ قريش التي كانت فيها أموال المهاجرين المسلمين من أهل مكة كما أسلفنا والتي إستولت عليها قريش ظلما وعدوانا ومن جانب آخر كان أبو سفيان يتحسس أخبار المسلمين وعلم بخروج النبي وأصحابه لإعتراض العير فغير مسار القافلة إلى الطريق الموازى لساحل البحر الأحمر وبذلك نجت القافلة إلا أنه كان قد أرسل لقريش يستنفرهم لإنقاذ أموالهم وليخبرهم أن النبي محمدا قد عرض لها في أصحابه فتحفز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير إبن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي فإنه عوض عنه رجلا كان له عليه دين وعلى الجانب الآخر عندما تأكد أبو سفيان من نجاة القافلة أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجحفة وهو موضع بين المدينة ومكة برسالة أخبرهم فيها بذلك وطلب منهم العودة إلى مكة إلا أن أبا جهل عمرو بن هشام قام فقال والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف لنا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا ولكن بني زهرة عصوه وإنشقوا عن الجيش وعادوا إلى مكة وكانت بنو عدى قبلهم قد تخلفت عن الخروج أما غالبية قوات قريش وأحلافهم فقد تقدمت حتى وصلت بدرا وفي هذه الأثناء وصلت هذه الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإستشار الصحابة وأجمعوا كلهم سواء المهاجرين أو الأنصار على ملاقاة قريش وكانت غزوة بدر أو غزوة الفرقان في يوم 17 رمضان عام 2 هجرية وكتب الله فيها النصر للمسلمين وغنموا فيها غنائم عظيمة وأسر عدد 70 من المشركين وقتل مثلهم بينما إستشهد من المسلمين عدد 14 شهيدا فقط ولم يتم أسر أى من جند المسلمين وكان ممن قتل من المشركين عدد لا بأس به من كبار زعماء قريش وصناديد الكفر على رأسهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والذين بمقتلهم إنتقلت زعامة قريش إلى أبي سفيان بن حرب .


وكان من نتائج غزوة بدر إزدياد قوة المسلمين وتهديدهم لطريق قريش التجارى إلى بلاد الشام بل وشكلوا تهديدا لنفوذها في منطقة الحجاز بأسرها لأن إقتصاد قريش كان قائما على رحلتي الشتاء والصيف لليمن والشام وإن تم قطع أحد الطرق إليهما فذلك يلحق ضررا بالآخر لأن تجارتهم في بلاد الشام قائمة على سلع بلاد اليمن وتجارتهم في تلك البلاد قائمة كذلك على سلع بلاد الشام فأرادت قريش أن تهاجم المسلمين لتقضي عليهم قبل أن يصبحوا قوة تهدد كيانهم وللثأر من الهزيمة المهينة التي لحقت بهم في غزوة بدر فكان أن جمعت قريش ثلاثة آلاف مقاتل بأسلحتهم وعدد 700 درع وكان معهم أيضا عدد 3 آلاف بعير وعدد 200 فرس وعدد 15 ناقة ركبت عليهن 15 إمرأة لتشجيع المقاتلين وإثارة حماسهم وتذكيرهم بما حدث في غزوة بدر ودعمهم في حال الحاجة وكان على رأسهم هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان والتي قتل أبوها وعمها وأخوها في غزوة بدر وريطة بنت منبه زوجة عمرو بن العاص والتي قتل أيضا أبوها وعمها وأخوها في غزوة بدر وأم حكيم بنت الحارث بن هشام زوجة عكرمة بن أبي جهل والتي قتل حموها في غزوة بدر وكانت القيادة العامة للجيش بيد أبي سفيان في حين كان خالد بن الوليد قائد الفرسان بمعاونة عكرمة بن أبي جهل أما قيادة اللواء فكانت لبني عبد الدار ووصلت أخبار هذا الحشد للمسلمين في المدينة المنورة فإستعدوا وكانت خطة المسلمين في المعركة هي أن يجعل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المدينة أمامه وجبل أحد خلفه ووضع خمسين من الرماة على قمة هضبة عالية مشرفة على ميدان المعركة وأمرَهم الرسول بالبقاء في أماكنهم وعدم مغادرتها إلا بإذن منه مهما كانت نتيجة المعركة وقال لهم إدفعوا الخيل عنا بالنبال وقام بتقسيم الجيش إلى عدة أقسام وإستلم قيادة المقدمة ولما تلاقى الجمعان إستطاع المسلمون قتل أصحاب اللواء من بني عبد الدار من قريش حيث إستطاع علي بن أبي طالب قتل طلحة الذى كان حامل لواء قريش فأخذ اللواء بعده شخص يسمى أبو سعد ولكن سعد بن أبي وقاص تمكن من قتله وإستطاعت نبال المسلمين من إصابة الكثير من خيل أهل مكة وتدريجيا بدأ جيش مكة بإلقاء دروعهم وتروسهم تخففا للهرب وفي هذه الأثناء صاح الرماة الذين تم وضعهم على الجبل الغنيمة الغنيمة ونزل 40 منهم إلى الغنيمة مخالفين أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه هي الفرصة التي إغتنمها خالد بن الوليد الذى كان قد إنتظر بخيالته يترقب الموقف فلما رأى ترك الرماة لموقعهم وفي هجمة مرتدة سريعة أطبق على وسط المسلمين وتمكنت مجموعة من جيش مكة من الوصول إلى موقع الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأت الكفة تميل نحو المشركين تدريجيا وإنتشرت شائعة بمقتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونجح الرماة حول الرسول صلى الله عليه وسلم كسعد بن أبي وقاص وأبو طلحة الأنصارى في رد المشركين الذين حاولوا صعود جبل أحد وبذلك تمكن المسلمون الشاردين أن يلحقوا بالنبي ومن معه وإنتهت المعركة بالفصل بين الطرفين المتحاربين ومع أنه إستشهد في تلك الغزوة عدد 70 من الصحابة كان على رأسهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع ويزيد بن السكن وأنس بن النضر وحنظلة بن أبي عامر وعمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام ولم يتم أسر أى من جند المسلمين ولم تغنم قريش أى غنائم وقتل عدد 22 منهم وأخذ أبو سفيان بعد إنتهاء الغزوة ينادى يوم بيوم بدر أعلى هبل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته ردوا عليه ليس يوم بيوم بدر قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .


وفي شهر شعبان عام 4 هجرية عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الموعد وتسمى أيضا بدر الصغرى وبدر الآخرة وبدر الثانية وكان السبب في وقوعها أنه لما إنصرف أبو سفيان بن حرب قائد المشركين يوم أحد ومن معه نادى إن موعدكم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم هو بيننا وبينك موعد وقبل أن يخرج أبو سفيان إلى بدر بعث نعيم بن مسعود الأشجعي وكان لم يسلم بعد ليخيف المسلمين في المدينة المنورة من كثرة أعداد قريش وقوتها وجعل له عشرين بعيرا إن أدى هذه المهمة ولم يخرج محمد وقال له إنه بدا لي أن لا أخرج وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزداد المسلمون جرأة فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فإذهب إلى المدينة وأعلمهم إننا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندى من الإبل عشرون أدفعها لك على يد سهيل بن عمرو ووصل نعيم إلى المدينة المنورة وبدأ يبث إشاعاته وساعده في ذلك المنافقون واليهود وقالوا لا يفلت محمد من هذا الجمع ولعبت هذه الإشاعات دورها مما جعل الصحابيين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطابـ رضي الله عنهما يقولان للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله مظهر نبيه ومعز دينه وقد وعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف عنه فيرون أن هذا جبن فسر لموعدهم فوالله إن في ذلك لخيرا فسر النبي مما قاله صاحباه وأعلن أنه في طريقه إلى بدر وقال والذى نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد فنادى رسول الله في الناس للخروج فإجتمع حوله ألف وخمسمائة مقاتل وإستعمل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه على المدينة المنورة وكانت الخيل عشرة أفراس وحمل اللواء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونزل النبي صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام فيها ثمانية أيام ينتظر جيش المشركين وأبا سفيان بن حرب والذى خرج من مكة على رأس قوة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل وقيل ألفان وخمسمائة وقيل ألفا مقاتل وفي نفسه رغبة ألا يحدث هذا اللقاء الذى ينتظر نتيجته كثير من رجال القبائل والأعراب وأهل المدن إذ قضت المدينة ومكة قرابة العام بعد غزوة أحد في الإستعداد له وكان في خروج أبي سفيان بن حرب محاولة لإخافة المسلمين وإرهابهم كي لا يخرجوا فيكونوا هم الذين نكلوا عن الخروج ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر في جيشه وعسكر هناك ومكث ثمان ليال كما أسلفنا ينتظر قريشا ولكنها لم تأت إذ عادت جموعها من عسفان وهي على بعد 80 كم من مكة المكرمة على الطريق المؤدى للمدينة المنورة خوفا من اللقاء وكانت حجتها في ذلك أن الظروف غير ملائمة للحرب إذ كانت سنة جدب وقال أبو سفيان يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون اللبن وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فإرجعوا فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق لا للقتال .


وفي العام التالي الخامس الهجرى وبعد أن إستقر يهود بني النضير بخيبر بعد أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة بعد غزوة أحد من المدينة أخذوا يرسمون الخطط للإنتقام من المسلمين فإتفقت كلمتهم على التوجه إلى القبائل العربية المختلفة لتحريضها على حرب المسلمين وكونوا لهذا الغرض وفدا يتكون من عشرين رجلا من كبار زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس ووصل الوفد إلي مكة وبدأ يحرض مشركيها وعلى رأسهم زعيمها أبي سفيان بن حرب على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة والقضاء على المسلمين ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم فأجابتهم قريش ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشا فإستجابوا لذلك ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فإستجاب له من إستجاب وهكذا نجح سادة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب المشركين على الرسول ودعوته والمسلمين وقد وافقت قريش على غزو المدينة لأنها شعرت بمرارة الحصار الإقتصادى الذى ضربه عليها المسلمون ووافقت غطفان طمعا في خيرات المدينة وفي السلب والنهب وقد قال وفد اليهود لمشركي مكة إن دينكم خير من دين محمد وأنتم أولى بالحق منه وفي ذلك نزلت الآيات أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا وقد أبرم الوفد اليهودى مع زعماء أعراب غطفان إتفاقيةً ضد المسلمين وكان أهم بنود هذا الإتفاق هو أن تكون قوة غطفان في جيش الإتحاد هذا ستة آلاف مقاتل وأن يدفع اليهود لقبائل غطفان مقابل ذلك كل تمر خيبر لسنة واحدة وفعلا خرجت من الجنوب قريش في أربعة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان صخر بن حرب حتى نزلوا وادى العقيق ووافاهم بنو سليم وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس وخرجت من الشرق بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدى وقبائل غطفان بنو فزارة يقودهم عيينة بن حصن وبنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف وبنو أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعر بن رخيلة ونزلت غطفان بجانب أحد ثم إتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل أربعة آلاف من قريش وأحلافها وستة آلاف من غطفان وأحلافها بني أسد وسليم وكانت إستخبارات الدولة الإسلامية على حذر تام من أعدائهم لذا فقد كانوا يتتبعون أخبار الأحزاب ويرصدون تحركاتهم ويتابعون حركة الوفد اليهودى منذ أن خرج من خيبر في إتجاه مكة وكانوا على علم تام بكل ما يجرى بين الوفد اليهودى وبين قريش أولا ثم غطفان ثانيا وبمجرد حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدو شرع الرسول محمد في إتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة ودعا إلى إجتماع عاجل حضره كبار الصحابة وقادة جيش المسلمين من المهاجرين والأنصار وبحث فيه معهم هذا الموقف الخطير فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي على الرسول محمد بحفر خندق شمالي المدينة قائلا يا رسول الله إنا كنا في أرض فارس إذا حوصرنا وخوفتنا الخيل خندقنا علينا فهل لك يا رسول الله أن تخندق وكان الجانب الشمالي من المدينة هو الجانب المكشوف أمام العدو والذى يستطيع منه دخول المدينة وتهديدها أما الجوانب الأخرى فهي حصينة منيعة تقف عقبةً أمام أى هجوم يقوم به الأعداء أو أى محاولة لدخول المدينة من تلك الجهات حيث كانت الدور من ناحية الجنوب متلاصقة عالية كالسور المنيع وكانت حرة واقم من جهة الشرق وحرة الوبرة من جهة الغرب تقومان مقام حصن طبيعي وكانت حصون بني قريظة في الجنوب الشرقي كفيلة بتأمين ظهر المسلمين إذ كان بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبين بني قريظة عهد ألا يمالئوا عليه أحدا ولا يناصروا عدوا ضده وأَعجب المسلمون برأى سلمان رضي الله عنه وقال المهاجرون سلمان منا وقالت الأنصار سلمان منا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت .


وبالفعل فقد تم حفر الخندق في الجهة الشمالية من المدينة وكان طوله 5544 مترا ومتوسط عرضه 4.62 مترا ومتوسط عمقه 3.62 مترا ولما وصل الأحزاب فوجئوا بهذا الخندق حيث لم يكن حفر الخنادق من الأمور المعروفة لدى العرب في حروبهم بل كان الأخذ بهذا الأسلوب غريبا عنهم ولم يعتادوه وبهذا يكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من إستعمل الخندق في الحروب في تاريخ العرب والمسلمين ومن ثم كانت المفاجأة مذهلة لأعداء الإسلام أبطلت وأفسدت خطتهم التي رسموها ولذا فتلك الغزوة تسمى أيضا غزوة الخندق ولما عجزت الأحزاب عن دخول المدينة المنورة ضربوا حصارا محكما عليها دام ثلاثة أسابيع وحاول المشركون في بعض الأيام إقتحام الخندق لكن المسلمون نجحوا في التصدى لهم وأفسدوا محاولاتهم المتكررة لإقتحامه حيث قاموا برشقهم بالنبل والسهام وناضلوهم أشد النضال وعندما نجح بعض قادة المشركين في عبور الخندق كان منهم فرسان من أكبر فرسانهم وهم عمرو بن عبد ود وضرار بن الخطاب الفهرى وعكرمة بن أبي جهل تصدى لهم المسلمون وبارزوهم حتى قتل عمرو بن عبد ود على يد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهرب بقيتهم وبذلك فشل المشركون ولم يفلحوا في إقتحام الخندق وقد أدى هذا الحصار إلى تعرض المسلمين في المدينة المنورة للأذى والمشقة والجوع وإشتد عليهم البلاء وبلغ منهم الجهد والضنك كل مبلغ حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر كما وصفهم الله تعالى في القرآن الكريم وأخذ بعض المسلمين يظنون بالله الظنون وفي وسط تلك الأحداث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود الأشجعي مسلما وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمره بما شاء فقال له إنما أنت فينا رجل واحد فما إستطعتَ أن تخذل عنا الناسَ فخذل فقال للنبي أفعل ولكن يا رسول الله ماذا أقول فقال النبي قل ما بدا لك فأنت في حل وإنما الحرب خدعة فذهب إلى بني قُريظة وقال لهم إكتموا عني فقالوا نفعل فقال لهم إني لكم نديم وصديق قد عرفتم ذلك فقالوا صدقت فقال تعلمون والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد لبلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلادهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا فرصة أصابوها وإلا إستمروا إلى بلادهم وتركوكم تواجهون محمدا وأنتم لا طاقة لكم به فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا قالوا لقد أشرت بالرأى السديد علينا والنصح لنا ثم خرج إلى أبي سفيان بن حرب قائد مشركي قريش وقال له قد جئتك بنصيحة فإكتم عني قال أفعل قال تعلم أَن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وأرادوا إصلاحه ومراجعته أرسلوا إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان سبعين رجلا من أشرافهم نسلمهم إليك تضرب أعناقَهم ونكون معك على قريش وغطفان حتى نردهم عنك وترد جناحنا الذى كسرتَ إلى ديارهم يعني بني النضير فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنا فلا تدفعوا إليهم أحدا وإحذروهم ثم أتى غطفان فقال لهم يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني فقالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فإكتموا عني فقالوا نفعل فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم فصدقوه وأرسل بنو قريظة إلى قريش إنا والله ما نخرج فنقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب وإشتد عليكم القتال أن تنصرفوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه فقال أبو سفيان هذا ما قاله نعيم وأرسلوا إلى غطفان بمثل ما أرسلوا إلى قريش فقالوا لهم مثل ذلك وقالوا جميعا إنا والله ما نعطيكم رهنا ولكن إخرجوا فقاتلوا معنا فقالت اليهود نحلف بالتوراة إن الخبر الذى قال نعيم لحق وجعلت كلا من قريش وغطفان يقولون الخبر ما قال نعيم بن مسعود ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء وهؤلاء من نصر هؤلاء وإختلف أمرهم وتفرقوا وبذلك فقد نجح نعيم بن مسعود في تمزيق صفوف الأحزاب وتفريق كلمتهم وأرسل الله على قريش وأحلافها ريحا صرصرا عاتية فجعلت تقتلع خيامهم وتكفأ قدورهم وتطفئ نيرانهم وتصفع وجوههم وتملأ أعينهم ترابا وهنا قام أبو سفيان فيهم خطيبا وقال يا معشر قريش إني قائل لكم قولا أخشى أن يبلغ محمدا إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار لقد هلكت رواحلنا وتخلت عنا بنو قريظة ولقينا من شدة الريح ما ترون فإرتحلوا إني مرتحل وبالفعل قام أبو سفيان إلى جمله ففك عقاله وجلس عليه ثم ضربه فوثب قائما وإتخذ طريقه عائدا إلى مكة فلم يجد المشركون مفرا من الرحيل فرحلوا تحت جنح الظلام ولما أصبح المسلمون وجدوا أعداء الله من قريش والأحزاب قد ولوا مدبرين فجعلوا يهتفون ويهللون لا إِله إِلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شئ بعده .