تأليف :
د. فهمى عبد العليم
مقدمة
تُعد فترة حكم السلطان المؤيد شيخ المحمودي ٨١٥ ٨٢٤هـ / ١٤١٢ - ١٤٢١ م احدى فترات حكم سلاطين المماليك التي تميزت بالازدهار الفني والنشاط العلمي .
وتبدو مظاهر هذا الازدهار فيما خلفته تلك الفترة بالرغم من قصرها من عمائر متنوعة الأغراض ، فمنها العمائر الدينية من مساجد ومدارس وخانقاوات ، والمدنية مثل القصور والوكالات والخانات والبيمارستانات والأسبلة والصهاريج التي اندثر بعضها بينما لا يزال الباقي منها قائماً يتحدى الزمن بشموخه وعظمته ويشهد على قدرة وكفاءة واتقان المعمارى المسلم في تلك الفترة .
وقد واكب هذا النشاط المعمارى نهضة أدبية وعلمية قامت وازدهرت في نفس الوقت ، ولاشك أن تشجيع السلطان نفسه كان وراء ذلك وهذا ما يؤكده معظم مؤرخي عصره على اختلاف مشاربهم وأهوائهم ، فقد أجمعوا على حبه للعلم وتشجيعه للعلماء والأدباء الذين كثيراً ما كان يحضر مجالسهم يناقشهم ويستمع إليهم ويستمتع بالحديث معهم . وقد كان ظهور و بروز مؤرخين أفذاذ في تلك الفترة مثل بن حجر العسقلاني ، وبدر الدين العينى، والخطيب الجوهرى وتقى الدين المقريزي وغيرهم علامات بارزة تتوج هذه النهضة وتقودها وتسجل أحداثها ونظمها الاقتصادية والاجتماعية والقضائية والعسكرية .
كما تميزت هذه الفترة باتصال مصر بما جاورها من الدول الإسلامية شرقاً وغرباً وتبادل التجارة معها وهجرة الفنانين المتبادلة ، الأمر الذى كان له أكبر الأثر فى ظهور عناصر من العمارة والزخارف الإسلامية من الشرق والغرب الإسلامي في العمارة والفنون الإسلامية في مصر.
ولاشك أن قوة الشعور والتأثير الديني في تلك الفترة كان وراء اهتمام سلاطين المماليك والسلطان المؤيد بحركة التشييد والعمارة وخاصة تشييد العمائر الدينية حيث أوقفوا عليها المنشآت والأراضي العديدة ووصفوها في هذه الوثائق بالتفصيل .
وقد كان لوثيقة المؤيد شيخ أهمية كبيرة في هذا البحث، حيث أمدتنا بوصف للعديد من العمائر والمنشآت الدارسة والتى لم يتبق منها أمثلة قائمة حتى الآن والتي تشكل في مجموعها فكوة عن طبيعة الحياة والنظام المعماري الذي ساد في تلك الفترة مثل مطابخ السكر والبساتين والمناظر والخنقاوات والشون والمعاصر والمخابز والتي توضح تنوع العمائر واختلاق وظائفها وأغراضها.
وقد اعتمدت في دراستي على مصادر معاصرة مثل الخطط للمقريزى وعقد الجمان والسيف المهند لبدر الدين العيني وانباد الغمر بأنباء العمر لابن حجر العسقلاني ووثيقة السلطان المؤيد بالمقارنة بالوثائق الأخرى المعاصرة كما رجعت في هذه الدراسة إلى دراسات الباحثين المحدثين في العمارة والفنون والوظائف ومعاجم وقواميس اللغة ودائرة المعارف الاسلامية والقاموس الجغرافي وغيرها .
كما رجعت إلى الدراسات العلمية التي قام بها بعض الزملاء من الباحثين للحصول على درجات علمية في نفس المجال ومن العمائر التي سبق دراستها وأعدت تناولها جزئياً في هذا البحث جامع المؤيد شيخ ومدرسة الأمير عبدالغنى الفخرى ومدرسة القاضي عبدالباسط والبيمارستان المؤيدي لأسباب مختلفلة وذلك لأن هذه المنشآت جميعها سواء ما أقامه السلطان المؤيد نفسه مثل الجامع والبيمارستان أو ما أقامه بعض امرائه مثل مدرسة الأمير عبدالغنى الفخرى ومدرسة القاضي عيدالباسط، بالاضافة إلى باقى المنشآت التي تعرضت لها في الدراسة والتي تشترك جميعها في تكوين الرأى عن الطابع المعماري والفني الذي تميز به عصر السلطان المؤيد ، وتشترك هذه العمائر في العديد من العناصر المعمارية والزخرفية ، كما تتباين أيضًا في بعضها ، وقد تناولت ذلك في الباب الثاني من هذه الدراسة بالتفصيل .
كما أثبت أن جامع المؤيد شيخ كان جامعاً ومدرسة وخانقاه ، وبالنسبة المدرسة الأمير عبدالغنى الفخرى فقد صححت بعض المعلومات التي وردت في بحث سابق عنها ، وقد تناولت البيمارستان المؤيدي بالدراسة التفصيلية لاثبات حقائق جديدة .
وقد قسمت الدراسة الى مقدمة وتمهيد وقسمين ، ثم خلاصة البحث والمصادر العربية والأجنبية وفهرس الأشكال واللوحات، وقد اشتمل التمهيد على دراسة المجتمع وصلته بالفن والعمارة والأحوال الاقتصادية ومدى تأثيرها على العمارة والفنون .
كما اشتمل القسم الأول على بابين ، الباب الأول ويتكون من فصلين الفصل الأول ويشتمل على وصف العمائر الدينية الباقية والدارسة فى ضوء الآثار الباقية والوثائق، والفصل الثاني وهو وصف العمائر المدنية الباقية والدارسة . والباب الثاني ويتكون أيضًا من فصلين، الأول عن العناصر المعمارية ، والثاني عن العناصر الزخرفية .
أما القسم الثاني من الدراسة ، فيشتمل على نبذة عن الوثائق التي تتضمنها الدراسة ونشر وثيقة السلطان المؤيد شيخ بالكامل بما فيها من وصف للعمائر وما أوقف عليها من أراض وممتلكات بالقرى والمدن والبلاد المختلفة ، كما استخلصت منها المصطلحات الفنية والمصطلحات الوثائقية والوظائف والألقاب وأسماء القرى والبلاد والخطط والحارات وغيرها .
وأرجو من الله التوفيق فيما استهدفته من هذه الدراسة ، وهو نعم المولى ونعم النصير ،،، |