الدكتورة / سعاد ماهر محمد
( رحمها الله وغفر لها )
(اللهم أجعل هذا العلم النافع والأعمال الطيبة في ميزان حسنات استاذتي العزيزة المغفور لها الأستاذة الدكتورة/ سعاد ماهر رحمها الله.. نسألكم الفاتحة والدعاء لها بالرحمة والمغفرة وأن يسكنها الله فسيح جناته ويرزقها شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. اللهم آمين).
مقدمة
الحضارة أسمى وأبقى ما للأمة من تراث ، ولقد كان للعرب وللذين دخلوا في الإسلام تراث ومشاركة وإبداع منذ أقدم العصور ، ولكنه لم يصبح عميقاً شاملاً مضيئاً وهاجاً إلا بالإسلام ، الذي أمتدت فتوحه من الهند شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ، مستقراً في بعض بلدانها ، ماراً أو مجاوراً بعضها الآخر . وكان لهؤلاء وهؤلاء علوم وفنون فأدخلوها فيه ومزجوا بين علومه وعلومهم ، وهنا سطع نور الإسلام بما أقام للعلم من دولة ، وللفنون من طلاوة والصناعات من نهضة ، ولأسباب الحياة من أمن وتقدم وسعادة .
والحضارة المادية ونعنى بها الآثار الباقية ، هي أصدق قيلاً أقوى دليلاً من الحضارة المروية أو المكتوبة أو المأخوذة بالفهم والاستنتاج ، إذ لو ظفر علماء الحضارات بأعيانها وبواعثها لاجتمع لهم منها أدلة قائمة ، وموارد عامرة ، بأصول البحث عن الحضارات الإسلامية من أقدمها إلى أحدثها ، وذخيرة ذخيرة حافلة بوجود المقابلة بين كل حضارة منها ، وسائر أخواتها في أطوارها المتتابعة .
وإذا كان علماء تاريخ الحضارة ، يعتمدون في دراساتهم على مخلفات الأمم من التحف المنقولة من الأمتعة والأدوات وما إليها ، ليتعرفوا بها أحوالها وعاداتها، وما كانت عليه فى حياتها ومعيشتها اليومية ، ويقيسوا بها درجاتها من التقدم والتخلف ، أو من الأصالة والتقليد ، ومبلغ اتصال هذا كله بالقدرة على تجويد الصناعة ، وتنويع حاجة المعيشة ، وحسن الفطنة والذوق السليم والمهارة الفنية .
أقول إذا كانت التحف المنقولة لها هذا القدر عند علماء تاريخ الحضارة وهو قدر كبير ، فليس من شك في أن التحف الثابتة ، ونعنى بها العمائر والمبانى ، لها قدر أكبر وأكبر فى استنباط الحقائق الثابتة التي لا تهاب ولا تحابي ، ومن ثم فقد أضحت العمارة وما يماثلها من آثار قائمة في مقدمة ما يحرص علماء تاريخ الحضارات على استنطاقها والاستماع إليها وعلى الوقوف على ما تخفى وما تعلن عند تدوينهم تراث الأقدمين .
وإذا كانت العمارة هي السجل الذي يستقى منه تاريخ الأقدمين بما فيه من تقدم وإزدهار ، أو تدهور وتخلف ، فإن العمارة الإسلامية ، وخاصة الدينية منها قد سجلت لنا تاريخ الدول المتعاقبة وأعطتنا صورة صادقة عن منشئها ذلك أن العقيدة الإسلامية ، التي تغلغلت في نفوس معتنقيها لسماحتها ولملاءمتها لطبيعة النفس البشرية ولحرصها على السعادة في الدارين، ارتبطت إرتباطاً وثيقاً بعمارة المساجد التي يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله .
ويعمرها الزاهدون ، والمتصوفون ، والذاكرون الله كثيراً ، والعارفين بالله . ويعمرها حلقات الدرس من فقه وحديث ومنطق وكلام . ومجالس الأدب من نحو وبلاغة ونقد ، وندوات الاجتماع التي تتعرض لسائر العلوم، ويعمرها العلماء والفقهاء والأئمة والأدباء ويقوى بها الضعيف ، والغريب ، ويأنس إليها ابن السبيل والمسكين ، ويرفع صوته فيها الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر، والداعي إلى الخير .
فالمساجد دين و خلق وهدى و نور وصومعة الناسك ومدرسة الدارس ، وديناً وقوة ، ودرك للعزة في الأولى والفوز العظيم في الآخرة .
وإذا أضفنا إلى كل ما تقدم أن يد الإصلاح والترميم كانت لا تتوانى ولا تهاون في ربء أي صدع يطرأ على المساجد القديمة ، أدركنا مدى ما تزخر به العمارة الإسلامية من أهمية . وإذا كان هذا هو حال العمارة في العالم الإسلامي أجمع فإن مصر تزخر بعدد من العمائر يكفى لتسجيل أحداثها اليومية خلال الأربعة عشر قرناً التى مرت عليها منذ اعتناقها الدين الإسلامي الحنيف .
ويكفى للتدليل على ذلك أن نذكر أن مدينة القاهرة وحدها تحتوى على ( ٦٦٠ ) أثراً مسجلاً ، هذا إلى المشاهد والأضرحة التي يبلغ عددها بضعة الآلاف .
لذلك فقد وجدت لزاماً عليّ وأنا أشغل كرسي العمارة الإسلامية بجامعة القاهرة ، أن أتناول بالبحث والدراسة تاريخ هذه العمائر ، خاصة وأنه ليس في كتب العرب من المحدثين من تناول هذا الموضوع قبلي ، اللهم إلا المرحوم حسن عبد الوهاب في كتابه تاريخ المساجد الأثرية ، وأنه مما يؤكد على هذا البحث أن هذا الكتاب قد نفدت طبعته من الأسواق منذ أمد بعيد.، هذا إلى أنني لم أكتف بتاريخ المساجد فحسب بل تناولت كذلك تاريخ المشاهد والأضرحة والمزارات وتراجم أصحابها التي كان لهم أثر يذكر في تاريخ البلاد سواء أكان من الناحية السياسية أو العلمية أو الاجتماعية أو كان صاحبه من أولياء الله الصالحين .
ولذلك فقد أسميت كتابى ، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون ، الذين تنشرح بذكرهم الصدور ، وتعمر القلوب، وتتوثب الهمم ، لما فيها من عظة حافذة . وعبرة بالغة ولما لهم علينا من حق يشرفنا أداؤه ويسعدنا قضاؤه .
وقد بدأت بدراسة عمارة المسجد منذ البداية فتناولت عمارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتدرجت في تسلسل زمنى حتى وصلت في الجزء الأول إلى العصر الفاطمي ، وسيتبع ذلك بمشيئة الله تعالى الجزء الثاني الذي سيتناول عمائر العصر الأيوبى وجزءاً من العصر المملوكي والجزء الثالث سيتناول باقى العصر المملوكي ، والجزء الرابع سيتناول العصر العثماني ، هذا إذا كان في العمر بقية .
وقد رأيت أن أجمع في دراسة هذه العمائر بين ترجمة المنشئ أو صاحب الضريح والتاريخ السياسي للفترة التي أنشئ فيها الأثر . كما تناولت في كثير من الأحيان دراسة تاريخ البلد أو الحى الذى يوجد فيه الأثر، وأتبعت هذه الدراسة بوصف معماري للأثر منذ نشأته والاصلاحات والترميمات التي أجريت له خلال العصور، وأتماماً للفائدة فقد زودت الكتاب بمجموعة من الرسوم التخطيطية وبعدد كبير من اللوحات الملونة والبيضاء والسوداء بلغ عددها (۲۱۰ ) لوحة .
وعنيت عناية خاصة بعمل مجموعة من ثبت الفهارس وخصصت بعضها لوصف اللوحات والأشكال وصفاً تفصيلياً دقيقاً ، وأخرى لأسماء الأعلام ، وثالثة لأسماء الأماكن والبقاع ورابعة للمراجع العربية والأجنبية ، هذا بالإضافة إلى فهرس الموضوعات .
وبعد ،
هناك كلمة شكر وعرفان بالفضل والجميل أود أن أسجلها لمن كان له الفضل في إبراز هذا الكتاب إلى حيز الوجود بهذا المظهر المشرف ، ألا وهو السيد الفاضل الأستاذ توفيق عويضة سكرتير عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية كما أتقدم بشكرى وامتناني إلى الأستاذ عبدالسلام الشريف عميد معهد النقد الفني الذي أضفى على الكتاب من فنه وذوقه الرفيع الشيء الكثير ، كذلك أدين بالشكر والتقدير إلى الأستاذ إبراهيم ناصف مدير إدارة المراجعة بمجلس الأمة سابقاً لمعاونته الصادقة .
كما لا يفوتي أن أقدم شكرى لكل من عاوني في طبع هذا الكتاب وأخص بالذكر منهم الأستاذ فؤاد هيبه .
والله نسأل أن يهدينا سواء السبيل ...
الجيزة في رمضان ۱۳۹۱ هـ - أكتوبر سنة ١٩٧١
سعاد ماهر محمد |