|
|
عدد : 10-2023 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة المكنى بالمصطلق بن سعيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن خزاعة صحابية جليلة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهي الزوجة الثامنة له وكانت توصف بأنها سيدة بني المصطلق حيث تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة الهجرية فأصبحت إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعا وكان إسمها برة وكان هذا الإسم منتشرا بكثرة في الجاهلية بالجزيرة العربية فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الإسم وقال لا تزكوا أنفسكم فالله أعلم بأهل البر منكم وسماها جويرية ومما يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدل أيضا إسم ربيبته إبنة زوجته السادسة أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية برة بنت أبي سلمة المخزومي لتصبح زينب بنت أبي سلمة المخزومية وبدل أيضا إسم آخر زوجاته أم المؤمنين برة بنت الحارث رضي الله عنها لتصبح ميمونة بنت الحارث وكان الحارث بن أبي ضرار والد السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث سيدا مطاعا في قومه بني المصطلق وهي قبيلة عربية تعد إحدى بطون قبيلة خزاعة المنحدرة من الأزد القحطانية كانت أراضيهم على مقربة من شاطئ البحر الأحمر بين جدة ورابغ وكان لبني المصطلق علاقات جيدة مع بعض القبائل الأخرى من وعلى رأسها قريش ولذا فقد إمتنعت عن قبول الإسلام وذلك لما كان لقريش من السيطرة والهيمنة والحرمة في نفوس القبائل بالجزيرة العربية إضافة إلى موقعهم الجغرافي إذ كانت ديار قبيلة بني المصطلق على طرق قريش التجارية إلى بلاد الشام مما جعلها تتأخر عن الدخول في الإسلام حفاظا على مصالحها وكان ميلاد السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها في ديار قومها في العام الخامس عشر قبل الهجرة وعاشت في بيت والدها معززة مكرمة في ترف وعز وفي بيت تسوده العراقة والأصالة ولما بلغت سن الزواج تزوجت من أحد أبناء عمومتها يقال له مسافِع بن صفوان الذى قتل كافرا وحدث بعد غزوة الخندق التي كانت قد وقعت في شهر شوال عام 5 هجرية وغزوة بني قريظة في شهر ذي القعدة عام 5 هجرية أن أبلغت الإستخبارات الإسلامية النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قد بدأ يتسلل إلى قلوب بني المصطلق ويزين لهم بأنهم أقوياء يستطيعون التغلب على المسلمين وبدأوا مع زعيمهم الحارث بن أبي ضرار في التجمع لتجهيز الخيل والسلاح إستعدادا للإغارة على المدينة المنورة فبعث النبي محمد بريدة بن الحصيب الأسلمي ليؤكد له الخبر فرجع وأكد للنبي صلى الله عليه وسلم صحة هذه الأخبار وكان النبي قد إستن سنة بعد غزوة الخندق بأن يغزو المسلمون أعداءهم قبل أن يغزوهم وقبل أن يهاجموا المدينة المنورة حصن الإسلام الحصين وقبل أن يستكملوا إستعداداتهم وحشودهم مثلما حدث في غزوة الخندق حينما تحالف الأحزاب وهم قريش وقبائل غطفان واليهود وبلغت أخبار هذا التحالف للرسول صلى الله عليه وسلم فإستشار الصحابة فيما يفعلون إستعدادا لمواجهة هذا التحالف فقال الصحابي الجليل سلمان الفارسي للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كنا في فارس إذا حوصرنا خندقنا فحفر المسلمون خندقا شمالي المدينة ولما جاءت الأحزاب فوجئوا بالخندق والذى منعهم من إقتحام المدينة لكنهم حاصروها وفي النهاية وجدوا أنه لا فائدة من هذا الحصار فإنسحبوا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم من اليوم نغزوهم ولا يغزونا وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بجمع المسلمين في سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسا وإنطلق إلى ديار بني المصطلق لكي يرد شرهم قبل أن يشكلوا خطرا على المدينة المنورة وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة في يوم 2 شعبان عام 6 هجرية فباغتهم على حين غرة عند منطقة تعرف بماء المريسيع وأغار المسلمون عليهم وهم غافلون وأنعامهم تسقي الماء وكان قتالا غير متكافئ بين المسلمين وبني المصطلق لهول المفاجأة التي وقعت على رؤوسهم كالصاعقة فقتل مقاتلتهم وكان منهم مسافِع بن صفوان زوج السيدة جويرية رضي الله عنها ووقع بعضهم في الأسر وغنم المسلمون منهم غنائم ضخمة وتم سبى نساءهم وكانت منهن إبنة سيد القوم السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها .
وقبل أن نسترسل في سيرة السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها نقف وقفة مع غزوة بني المصطلق حيث لما تحقق الإنتصار الساحق للمسلمين في هذه الغزوة إزداد غيظ وحقد المنافقين وكشفوا عن مدى حقدهم على الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم وسعوا إلى إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار لكن في النهاية باءت محاولاتهم بالفشل ومع كون غزوة بني المصطلق ليست من الغزوات الكبرى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيها الصراع طويلا ولا عدد القتلى كثيرا إلا أن هذه الغزوة إكتسبت أهمية خاصة في السيرة النبوية لخطورة ما كان يمكن أن يحدث من آثار سيئة على دعوة الإسلام بسبب الفتن الخبيثة التي تسبب فيها المنافقون حيث كان منهم من رأى الإنتصارات المتعددة والغنائم الكثيرة التي جاءت في السرايا والغزوات التي أعقبت غزوة الأحزاب خلال السنة السادسة من الهجرة والتي بلغ عددها عشرين غزوة وسرية فقرروا الخروج مع المسلمين في غزواتهم وسراياهم طمعا في الغنائم فكادوا أن يتسببوا في أكثر من أزمة كل واحدة منها كانت كافية للإطاحة بكيان الدولة الإسلامية ويقول الله تعالى في سورة التوبة عن ذلك لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وكان هذا بالتحديد عين ما حدث كما سنرى في السطور القادمة ففي غزوة بني المصطلق تسببوا في العديد من الفتن وكما قال الله وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي فيكم أيها المؤمنون الصادقون من يلتبس عليه الأمر فيشارك في الفتنة ويقع فيها وكانت الفتنة الأولى هي الإيقاع بين المهاجرين والأنصار على السقاية من بئر من آبار المنطقة وهذا الحدث نادر في السيرة ولعله الوحيد وكانت الفتنة ستتفاقم لولا حكمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في السيطرة عليها وتتلخص هذه القصة في أنه تنازع سنان بن وبر الجهني حليف بني سالم من الأنصار وجهجاه بن سعيد الغفاري الكناني على الماء فضرب جهجاه سنانا بيده فنادى سنان يا للأنصار ونادى جهجاه يا لقريش يا لكنانة فأقبل رجال قريش سراعا وأقبل رجال الأوس والخزرج وشهر الجميع السلاح فتكلم في ذلك ناس من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقه وعفا عن جهجاه وإصطلحا وقد نجمت عن هذه الفتنة فتنة أخرى خطيرة وهي فتنة نداء المنافقين في أوساط الأنصار بأن يخرجوا المهاجرين من المدينة حيث قال رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول كلمة يعلق فيها على المهاجرين بقوله والله ما نحن وهم إلا كما قال الأولون سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منا الأذل وكان يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم فسمعه الصحابي زيد بن أرقم الأنصارى فأبلغ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما سمع فإستدعى رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول هو وأصحابه فأنكروا ذلك وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا فأنزل الله سورة المنافقين تصديقا لكلام زيد وتكذيبا لهم والتي يقول الله تعالى فيها هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ولما علم إبنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وكان من خيار الصحابة وأتقى الناس عكس أبيه بما قال ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله قد علمت المدينة أنه لا يوجد أحد أبر لأبيه مني فإن تريد قتله فأمرني أنا فإني لا أصبر على قاتل أبي فنهاه النبي عن فعل ذلك وأمر النبي بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه الناس وتقدم عبد الله رضي الله عنه حتى وقف لأبيه على الطريق شاهرا سيفه فلما رآه أناخ به وقال لا أفارقك ولا تدخلن المدينة حتى تزعم أنك الذليل والنبي محمد هو العزيز وحتى يأذن لك الرسول فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وقال له دعه فلعمرى لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا وبعد العودة إلى المدينة المنورة حدثت فتنة ثالثة شنيعة وهي حادثة الإفك وفيها إتهم المنافقون أم المؤمنين الطاهرة السيدة عائشة بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما بالفاحشة والعياذ بالله وقد وقع بعض المؤمنين في الأمر وإتسع نطاق الأزمة حتى شمل المسلمين كلهم ما بين مدافع ومهاجم وما بين مبرئ ومتهم ولم ينزل وحي في القضية إلا بعد شهر كامل حين نزل بتبرئة السيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من التهمة الشنيعة التي أثارها المنافقون حولها وإشترك فيها بعض المؤمنين وبلا شك كانت هذه الحادثة من أشد الأزمات التي مرت بالمسلمين فالسيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي أحب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأبوها هو الصحابي الأول ورفيق النبي في الهجرة أبو بكر الصديق كما أن هذه الفتنة كادت أن تتسبب في فتنة أخرى بين الأوس والخزرج لولا إحتواء النبي صلى الله عليه وسلم لها وقوله دعوها أى الفتنة فإنها منتنة .
ولنكمل الآن بعد هذه الوقفة مع سيرة السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها فبعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة تروى السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بسهم الصحابي حارث بن قيس بن الشماس الأوسي الأنصارى بينما فر أبوها الحارث بن أبي ضرار ونجا بنفسه من القتل والأسر ونظرا لأن السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كانت إبنة سيد قومها بني المصطلق ولها عزة وكرامة فكاتبت الصحابي حارث بن قيس التي كانت من نصيبه على أن تعطيه شيئا من المال على أن يعتقها لكنها لم تكن آنذاك تملك مالا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قائلة له لعلك تعينني على أن أدفع المال لهذا الذي كنت نصيبه لعله يعتقني وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها أتت السيدة جويرية فلما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله جويرية بنت الحارث سيد قومه فقالت السيدة جويرية يا رسول الله قد أصابني من البلايا ما لا يخفى عنك وكاتبني على نفسي فأعني على كتابي فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المرأة بنت سيد قومها الحارث الذي جمع الجموع لقتاله تسترحمه وتستنجد به للتخلص من الرق والعبودية والذل والهوان حفاظا على كرامتها وكرامة أبيها وقومها وهو كما وصفه رب العزة سبحانه وتعالى الرؤوف الرحيم وأنه لا بد وأن يستجيب لأمرها ويلبي طلبها وكان من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يطلق سراحها بلا فداء ولن يعترض أحد لكن ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم رد عليها قائلا أو خير من ذلك أتحبين شيئا خيرا من ذلك قالت ماذا قال أؤدى عنك كتابك وأتزوجك ولا يفوتنا هنا أن نذكر أنها بالتأكيد كانت قد أسلمت عندما جاءت الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل أنه عرض عليها الزواج ونحن نعلم أنه لا يجوز للرجل المسلم أن يتزوج من مشركة فما بالنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وفرحت السيدة جويرية رضي الله عنها فرحا شديدا وتألق وجهها لما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما سوف تلاقيه من أمان من بعد الضياع والهوان فقد كانت قبل قليل تتحرق طلبا لإستنشاق عبير الحرية لكنها وجدت الأعظم من ذلك فأجابت النبي صلى الله عليه وسلم بدون تردد أو تلعثم فقالت نعم يا رسول الله وإني إمرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ففعل ذلك فبلغ الناس أنه قد تزوجها فقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى وسبايا عندنا فأعتقوهم وأطلقوا سراحهم جميعا وأعادوا إليهم ممتلكاتهم وأموالهم وكل ما كانوا قد غنموه منهم فدخل جميعهم في الإسلام لذلك قالوا ما كانت إمرأة مباركة على قومها كهذه المرأة فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فصاروا أصهاره فأطلق المسلمون سراحهم وردوا لهم ممتلكاتهم وأموالهم ودخلوا في الإسلام وكان هذا الأمر هو هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عتقه للسيدة جويرية رضي الله عنها وزواجه منها حيث لم يكن غزوه لبني المصطلق الهدف منه الحصول على الغنائم والسبي بل كان دفاعا عن الإسلام والمسلمين وأن ما يهمه هو الدعوة إلى الإسلام والدخول في دين الله وهو الأمر الذى تحقق بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه بعتقه لإبنة سيد بني المصطلق وزواجه منها أحسن إلي قومها ووطد صلته بهم وألف قلوبهم وحببهم في الإسلام فدخل غالبيتهم فيه وجدير بالذكر أن أم المؤمنين السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كانت قد رأت رؤيا قبل غزو النبي صلى الله عليه وسلم ديار قومها بأيام قليلة وأولتها لنفسها بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيتزوجها ولم تخبر بها أحدا فلما وقعت في السبي رجت أن يحقق الله تعالى رؤياها ولذلك لما عرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الزواج لم تتأخر فقد كانت ترجو ذلك ولا يفوتنا هنا أن نذكر أيضا أن بعض الجهال وكارهي الإسلام يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج من السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها بسبب أنه أعجب بجمالها وبلا شك فإن هذا القول عار تماما من الصحة فالرسول لا يتصرف من نفسه وإنما بأمر من الله وقد بينا في السطور السابقة هدف النبي من زواجه من السيدة جويرية وفوق ذلك حتى لو كانت السيدة جويرية قد أعجبت الرسول فما العيب في ذلك وقد أحل الله له ذلك حيث قال الله تعالى في سورة الأحزاب بعد زواجه من آخر زوجاته السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها بعد عمرة القضية في آواخر عام 7 هجرية لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا وقوله تعالى ولو أعجبك حسنهن يفهم منه أنه كان مباحا له قبل هذا أن يتزوج بمن يعجبه حسنها وهذا الأمر لا يحتاج إلى إستدلال لأنه من المعلوم أن أى رجل لن يتزوج إمرأة إلا إذا إستحسنها .
ولم يكن الحارث بن أبي ضرار والد السيدة أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها يعلم بهذه التطورات بعد أن فر عند هزيمة قومه لكنه كان يرغب في إفتداء إبنته فجمع مائة بعير وتوجه نحو المدينة المنورة فلما كان في الطريق ومر بوادى العقيق قرب المدينة نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب وادى العقيق ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وجد نفرا من قومه يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في سلام فتعجب وأخذته الدهشة وقال يا محمد أصبتم إبنتي وإنها لكريمة لا تسبى وهذا فداؤها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين البعيران اللذان غيبتهما بوادى العقيق في شعب كذا وكذا فقال الحارث أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ما إطلع على ذلك إلا الله وبذلك أسلم الحارث وإبنان له ونفر من قومه ممن كانوا قد فروا من المسلمين بعد هزيمتهم بخلاف الأسرى والسبايا الذين أعتقهم المسلمون وأطلقوا سراحهم إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صفات السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها فقد كانت إمرأة حسناء تتمتع بجمال فائق وحسن وملاحة جعلت كل من يراها يعجب بها ويؤخذ بجمالها قبل أن تصبح زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم وقد وصفتها السيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما عندما رأتها بقولها وكانت إمرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه كما أنها كانت تتصف بالعقل الحصيف والرأى السديد الموفق الرصين والخلق الكريم والفصاحة ومواقع الكلام كما كانت تعرف بصفاء قلبها ونقاء سريرتها وزيادة على ذلك فقد كانت واعية تقية نقية ورعة فقيهة مشرقة الروح مضيئة القلب والعقل وبدخولها بيت النبوة حجبها النبي صلى الله عليه وسلم وكان من الطبيعي أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم وهديه النبوى أثر كبير في تربيتها وتعليمها أصول الإسلام وفرائضه وتهذيبها وتشكيل عقلها فتأثرت به رضي الله عنها في عبادتها وتصرفاتها وسائر سلوكياتها وحركاتها فكانت تظل تذكر الله بعد الفجر حتى شروق الشمس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فكانت من العابدات القانتات الصابرات الذاكرين الله كثيرا والذاكرات والزاهدات في الدنيا فقد ورد أنها كانت تذكر الله من بعد صلاة الفجر وحتى شروق الشمس وتروى لنا السيدة جويرية رضي الله عنها عن هذا الأمر فتقول خرج النبِي صلى الله عليه وسلم وأنا في مصلاى فرجع حين تعالى النهار وأنا فيه فقال لم تزالي في مصلاك منذ خرجت فقلت نعم يا رسول الله فقال لها قولي أربع كلمات ثلاث مرات لو وزن بما قلت لوزنتهن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته كما أنها كانت تصوم من النوافل الكثير حتى صامت يوم جمعة منفردا فلما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها أصمت أمس فقالت لا فقال لها أتريدين أَن تصومي غدا فقالت لا فقال لها فإفطرى .
وعلاوة على عبادتها وصلاتها وصيامها وذكرها الدائم لله عز وجل كانت السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها معروفة بالجود والسخاء فكانت تنفق كل مخصصاتها التي كانت تصلها من بيت مال المسلمين على الفقراء والمحتاجين تأسيا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تقصد الحج في كل نداء له فتؤدى مناسكه بقلب طاهر عامر بالإيمان وخاشع ثمّ تعود إلى حجرتها في المدينة المنورة كما أنها كانت تحب الإكثار من الأعمال الصالحة وتحرص على نيل الرضا من الله تعالى فكانت تعطف على الرقيق والعبيد فكانت تعمل على عتقهم من حر مالها وتهتم بذلك كثيرا كما أنها كانت حريصةً على وحدة صف المسلمين وظهر ذلك جليا في موقفها المحايد في مواجهة الفِتن التي داهمت المسلمين في أواخر عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه واثناء الخلاف بين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان وأيضا عند إستشهاد الإمام علي وكانت تدعو الله أن يحقن دماء المسلمين وفضلا عن ذلك فقد كانت من رواة الحديث النبوى الشريف فكانت بذلك خير ناقل للتعاليم النبوية إلى الأمة كلها وإتفق الشيخان البخارى ومسلم رضي الله عنهما على حديثين وروى لها أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وإبن ماجه وقد تضمنت مروياتها أحاديث في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم وحديث في الدعوات في ثواب التسبيح وفي الزكاة وفي إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان المهدى قد ملكها بطريق الصدقة كما روت في العتق وهكذا وبما روته السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها خلدت إسمها في عالم الرواية لتضيف إلى شرف صحبتها للنبي صلى الله عليه وسلم وأمومتها للمسلمين شرف إبلاغها سنن وهدى النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين على إمتداد الزمان وحتى قيام الساعة وقد نقل وروى عنها الإمام عبد الله بن عباس وعبيد بن السابق وأبو أيوب الأنصارى ومجاهد بن جبر وعبد الله بن شداد ومن الطريف أنه كان يحدث بين السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها وبين بعض من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعا ما يحدث عادة بين النساء من الغيرة فذات يوم شكت للنبي صلى الله عليه وسلم قائلة إن أزواجك يفخرن علي ويقولون إن النبي لم يتزوجك بل أنت ملك يمين فقال لها مطيبا خاطرها ألم أعظم صداقك وألم أعتق مائة من قومك وأخيرا فقد توفيت السيدة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ر ضي الله عنها بالمدينة المنورة في شهر ربيع الأول عام 56 هجرية في عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان عن عمر يناهز السبعين عاما وصلى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة رحم الله أمنا أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وجزاها عنا وعن الإسلام خيرا .
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|