الأحد, 2 أغسطس 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

أبو عبد الله محمد الأول

 أبو عبد الله محمد الأول
عدد : 08-2023
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"

أبو عبد الله محمد الأول هو الغالب بالله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن نصر بن الأحمر المعروف بلقب إبن الأحمر من قبيلة بني نصر أو بني الأحمر والذين كان لهم وجاهة وعصبية بالأندلس وتنحدر هذه القبيلة من قبيلة الخزرج الأزدية القحطانية وكان بنو نصر في الأصل سادة حصن أرجونة الذى يقع على مقربة من أعمال قرطبة بمقاطعة أندلوسيا بجنوب بلاد الأندلس ويرجع نسبهم إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الخزرجي الانصارى الأزدى سيد قبيلة الخزرج التي تعد من أعرق بطون القبائل العربية وهو مؤسس دولة بني نصر بالأندلس أو مملكة غرناطة والسلالة الحاكمة فيها ويعد بنو نصر أو النصريون أو بنو الأحمر آخر أسرة عربية إسلامية حكمت في بلاد الأندلس من مدينة غرناطة في أواخر العصر الإسلامي بالأندلس وحتى سقوطها في عصر آخر ملوك بني الأحمر أبو عبد الله محمد الثاني عشر المستغني بالله عام 1492م وقد حكم إبن الأحمر هذه المملكة لمدة 35 عاما بين عام 1238م وعام 1273م وكان ميلاده عام 1194م في بلدة أرجونة التي كانت تتبع آنذاك إقليم قرطبة وهي اليوم من مدن إقليم جيان ويقال إن مسقط رأسه كان في القصر الذى أقيم مكانه اليوم مستشفى سان ميجيل في ساحة سانتا مارية وكان أجداده من بني نصر مستقرين في مملكة سرقسطة إلى حدود عام 1118م تاريخ سقوطها بيد الملك الأراجوني ألفونسو الأول فهاجروا جنوبا نحو أرجونة ولما بلغ إبن الأحمر سن الشباب كان وافر الجرأة والعزم يتزعم قومه ويقودهم إلى مواطن النضال وقد إعترف له قومه بالزعامة حيث كان يقودهم في حملات عسكرية لحماية الحدود من توغلات المسيحيين وإشتهر بأنه رجل من ذوى العبقرية والنباهة والسياسة والدهاء والعزم والتواضع معا وفي عام 1232م أعلن نفسه سلطانا علي أرجونة وشرع في توسيع حدود مملكته الوليدة بضم وادى آش وبسطة بمقاطعة غرناطة التابعة لمنطقة أندلوسيا جنوب أسبانيا وشريش التي تقع بمقاطعة قادس جنوبي أسبانيا أيضا وفي عام 1233م إستولى على أُبدة وبركونة وجيان بمقاطعة جيان جنوبي أسبانيا وقرطبة بمقاطعة قرطبة جنوبي الأندلس أيضا وهنا نتوقف قليلا ونعود إلى الوراء عدة سنوات لكي نتعرف على الظروف والأحداث التي كانت تمر بها بلاد الأندلس وحتي ظهور إبن الأحمر وتأسيسه في النهاية لمملكة غرناطة عام 1238م والتي شاء الله ان تكون آخر ملاذ للمسلمين في الأندلس لحوالي 254 عام فبعد أن توفي الخليفة الموحدي الناصر لدين الله محمد بن يعقوب بن يوسف يوم الأربعاء 10 شعبان عام 610 هجرية الموافق 25 ديسمبر عام 1213م بدأت بوفاته بداية إنهيار الدولة الموحدية في المغرب والأندلس إذ جاء بعده خلفاء ضعاف لم يكونوا على مستوى الأحداث الخطيرة آنذاك أولهم إبنه أبو يعقوب يوسف الذى تلقب بالمستنصر بالله وكان أضعف من أن يتولى مقاليد الحكم في تلك الظروف الحرجة حيث كان فتى يبلغ السادسة عشرة من العمر ومال إلى الدعة والسكون وإنغمس في اللهو والترف مولعا بتربية البقر والخيل فترك تدبير شؤون الحكم لِأعمامه الطامحين ووزرائه من ذوى الخلال السيئة وأبعد الأندلسيين الذين ساءهم ذلك الأمر مما عرضهم لِلإضطهاد والملاحقة فسخطوا على الموحدين وبذلك توزع الحكم في الأندلس آنذاك بين ثلاثة من أعمام يوسف المستنصر هم عبد الله في مدينتي بلنسية ومرسية بشرق أسبانيا ومدينتي دانية وشاطبة بجنوب شرق أسبانيا وأبو الحسن في غرناطة وأبو العلاء إدريس في قرطبة وتوفي المستنصر فجأة وهو يلهو بين أبقاره إذ هجمت عليه بقرة وضربته بِقرنيها في موضع القلب فتوفي لِساعته يومَ السبت 12 ذى الحجة عام 620 هجرية الموافق يوم 6 يناير عام 1224م وقد مهدت وفاته الفجائية من دون عقب لأقاربه الذين كانوا يحكمون ولايات الدولة فرصةً كبيرة لتحقيق أطماعهم كما ظهر الخلاف واضحا بين أشياخ الموحدين حول خلافته ويقول المؤرخ عبد الواحد بن على المراكشي إنه للخروج من هذا المأزق تم إختيار أبي محمد عبد العزيز بن يوسف خليفةً كحل مؤقت مرحلي ريثما يتفقون على خليفة دائم في حين يقول كل من المؤرخين عبد الرحمن بن خلدون وشمس الدين إبن خلكان أن من خلف يوسف المستنصر كان أبا محمد عبد الواحد بن يوسف .


وفي ِجميع الأحوال لم يمض شهران على إختيار الخليفة الموحدي الجديد حتى ثار عليه إبن أخيه عبد الله والي مرسية وأعلن نفسه أميرا بإسم العادل في أحكام الله وإعترف أخوه أبو العلاء إدريس والي قرطبة به ودخلت غرناطة ومالقة في طاعته وأوعز إلى أنصاره في مراكش بالثورة على الخليفة وتم خلعه بالفعل في يوم 13 صفر عام 621 هجرية الموافق 7 مارس عام 1224م وقتل بعد ثلاثة أيام ثم عبر العادل إلى المغرب حيث أمضى أربع سنوات يعمل على وأد الفتن الداخلية حتى سقط قتيلا على يد بعض الثوار فخلفه أخوه أبو العلاء إدريس في حكم الدولة وإتخذ لقب المأمون والذى إنشغل في السنوات القلائل التالية بالعمل على توطيد سلطانه ببلاد المغرب وإستبد بالحكم وإستعمل القسوة والعنف وقاد حركة جديدة ألغى بموجبها بعض النظم الموحدية منها إبطال عصمة محمد بن تومرت المهدى مؤسس الدولة الموحدية ومحو إسمه من الخطبة والسكة كما قتل نحو مائة من مشايخ الموحدين لأسباب مختلفة إتهمهم بها وسمح لِجماعة من النصارى القشتاليين ببناء كنيسة في مراكش ونتيجة هذا كفر الشعب الخليفة الجديد وسرت روح السخط بين القبائل وأخذ الزعماء المتوثبون والطامعون في السلطة يترقبون الفرص وإشتعلت نيران الثورة في المغرب وفي تلك الأثناء أخذ سلطان الموحدين في الأدلس يضطرب ويتداعى بسرعة وينهار حكمهم تدريجيا وفي تلك الآونة ظهر في منطقة مرسية أمير من سلالة بني هود العائدة إلى فترة عصر ملوك الطوائف يدعى محمد بن يوسف بن هود وكانت هذه الفترة تتسم بالإضطراب الذى أعقب سقوط الدولة الأموية بالأندلس بسبب ثورة قبائل الأمازيغ في طنجة شمالي بلاد المغرب بداية من عام 410 هجرية الموافق عام 1020م والتي إمتدت منها إلي سائر أنحاء بلاد المغرب العربي وأيضا إمتدت عبر مضيق جبل طارق إلي الأندلس وإستقل كل أمير من أمراء الأندلس بمنطقة وقام بتأسيس دويلة منفصلة بها وتأسيس أسرة حاكمة من أهله وذويه بلغ عددها 22 دويلة كان منها طائفة غرناطة وإشبيلية وألمرية وبلنسية وطليطلة وسرقسطة والبرازين والبداجوز ودانية والبليار ومورور وجدير بالذكر أن هذه الفترة وإن كانت قد ورثت ثراء الخلافة إلا أنها قد إتسمت بعدم إستقرار الحكم فيها وساد خلالها التناحر والعداء المستمر بين ملوك الطوائف وبعضهم البعض مما جعل منهم فريسة سهلة ولقمة سائغة لمسيحيي شمال أسبانيا وقد وصل الأمر إلى أن هؤلاء الملوك كانوا يدفعون الجزية للملك ألفونسو السادس ملك قشتالة وكانوا يستعينون به على إخوانهم من ملوك الطوائف الأخرى وسيطر إبن هود منطقة مرسية وتلقب بإسم المتوكل على الله ودعا بدعوة جديدة تمثل روح الأندلُس الحقيقية وهي وجوب العمل على تحرير بلاد الأندلس من نير الموحدين والنصارى معا لا سيما بعد أن تحالف الخليفة الموحدي إدريس المأمون مع ملك قشتالة وتنازل له عن عدد من الحصون والقواعد ومنح المسيحيين في أراضيه إمتيازات خاصة كحق بناء الكنيسة في مراكش كما أسلفنا لقاء معاونة ملك قشتالة له على محاربة خصومه فأسبغ هذا التحالف بين الموحدين والقشتاليين قوة خاصة على دعوة إبن هود وإندفع الأندلسيون إلى الإنضواء تحت لوائه وأعلن إبن هود أنه يعتزم تحرير الأندلس من سلطان الموحدين الذين لم يعودوا أهلا للحكم وكذا من النصارى المتوثبين لطرد المسلمين من البلاد وأنه سيعمل على إحياء الشريعة الإسلامية وسننها ودعا لِلخلافة العباسية وكاتب الخليفة العباسي المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن محمد ببغداد وأعلن تبعية الأندلس للعباسيين فبعث إليه الخليفة المذكور بالخلع والمراسيم .


ولم يمض سوى قليل من الوقت حتى دخلت في طاعة إبن هود عدة مناطق من قواعد الأندلس مثل جيان وقرطُبة وماردة وبطليوس ثم إستطاع أن ينتزع مدينة غرناطة قصبة بلاد الأندلس الجنوبية من المأمون في عام 628 هجرية الموافق عام 1231م وفي بداية عام 630 هجرية الموافق عام 1233م توفي المأمون وخلفه إبنه الفتى عبد الواحد الرشيد وإعترف بخلافته قسم من بلاد الأندلس الإسلامية مثل إشبيلية والجزيرة الخضراء مما زاد الأُمور تأججا في البلاد حيث إستمر إبن هود مدة يخوض مع الموحدين والنصارى معارك متعاقبة وفي هذا الوقت الذى إندلعت فيه الثورات في ربوع الأندلس الإسلامية كانت الممالك المسيحية فيها تسير بخطى ثابتة وتتطلع بأمل إلى حيازة كافة المدن الأندلسية من أيدى المسلمين مستغلةً إنهيار الجبهة الدفاعية وتراجع القوة العسكرية الموحدية وإنهماك الموحدين بخلافاتهم الداخلية وحروبهم الأهلية فهاجم ألفونسو التاسع ملك ليون مدينة قصرش بغرب بلاد الأندلس عام 622 هجرية الموافق عام 1225م وإستولى عليها وأضحى الطريق مفتوحا أمامه للإنسياب إلى ماردة وبطليوس الواقعتين جنوبي قصرش كما إستولى على حصن منتانجش الواقع شمالي ماردة أوائل عام 627 هجرية الموافق عام 1229م ثم حاصر ماردة وإقتحمها في شهر رجب عام 627 هجرية الموافق شهر مايو عام 1230م وفشل إبن هود الذى تصدى له في إنقاذها كما سقطت بطليوس في يده وكان هذا النصر العسكرى آخر عمل حربي قام به الملك القشتالي ألفونسو التاسع قبل وفاته وإلى جانب ملك ليون كان إبنه فرديناند الثالث الملقب بالقديس ملك قشتالة يراقب بحذر وخشية تطور الأوضاع في تلك المناطق بفعل تأثيرها على مملكته لاسيما وأن نطاق حركة محمد بن هود المتوكل قد إتسع ودخلت معظم بلاد الأندلس الإسلامية في طاعته الأمر الذي جعل منه كتلةً قويةً متماسكةً يصعب تدميرها ولما كانت نيران الحرب الأهلية مضطرمةً في بلاد المسلمين وإبن هود يقاتل الأُمراء والولاة الموحدين لإدخالهم في طاعته فقد أسرع الملك القشتالي لِإستغلال الفرصة وسير قواته لِمقاتلة إبن هود وإلتقى الجمعان في شريش على ضفاف نهر وادى لكة بمقاطعة قادس بجنوب أسبانيا فإنهزم المسلمون رغم تفوقهم العددى وسار فرديناند بعد ذلك لإجتياح أبدة فسقطت في يده بعد حصار قصير عام 631 هجرية الموافق عام 1234م وأوغل الملك القشتالي جنوبا حتى وصل إل ى ضواحي غرناطة مدمرا القرى ومهلكا الزرع في طريقه ثم عاد إلى الشمال وحاصر مدينة جيان غير أنه فشل في إقتحامها ففك الحصار عنها بعد مضي ثلاثة أشهر وعاد أدراجه لِيكتشف وفاة والده فتوجه إلى ليون على وجه السرعة ليجلس على عرشها مكانه ويوحد بين مملكتي قشتالة وليون .

ولم يدرك الأمراء المسلمون مدى جدية الخطر المسيحي فراحوا يتنافسون ويتحاربون الأمر الذى أتاح لعدوهم التفوق عليهم وشعر إبن هود بعد إنهيار سلطان الموحدين في الأندلس وبسطه سيادته على معظم البلاد أنه غدا زعيم المسلمين الأندلسيين الأوحد وقائد حركتهم في صراعهم مع النصارى والمسؤول الأول عن حماية الأرض والشعب لكن نافسه أبو جميل زيان بن مدافع الجذامي في بلنسية غير أن هذه المنافسة في الشرق لم تضايقه إنما خشي من ظهور زعيمٍ آخر أخذ نجمه يسطع في أواسطِ الأندلس وجنوبها بسرعة ويظفر بطاعة مدينة بعد أخرى ذلك هو محمد بن يوسف بن نصر المعروف بإبن الأحمر الذى لما كثرت غزوات النصارى للمناطق الإسلامية في الأندلُس أخذ يدعو للم الشمل فإلتف حوله كثير من الأنصار في أرجونة والمناطق المجاورة لها ودخلت في طاعته جيان وبسطة ووادى آش والحصون القريبة وأيدته قرمونة وقرطبة وإشبيلية عام 629 هجرية الموافق عام 1232م ثم عادت قرطبة وإشبيلية إلى طاعة إبن هود كما دخلت في طاعته شريش ومالقة والحصون القريبة منها وإنضم إليه كثير من المسلمين الذين هجروا المناطق التي إحتلها القشتاليون المسيحيون وإرتأى أن يستظل بدعوة الحكام المسلمين الكبار فدعا لصاحب أفريقية السلطان أبي زكرياء يحيى بن حفص والخليفة العباسي المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن محمد ومالبث إبن هود أن شعر بخطُورة إبن الأحمر فقرر القضاء عليه غير أنه إنهزم أمامه في معركة جرت بالقرب من إشبيلية عام 631 هجرية الموافق عام 1234م ويبدو أن الزعيمين المسلمين أدركا بعد ذلك خطر الحرب الأهلية بينهما وأن فرديناند الثالث المتربِص بكليهما هو المستفيد الأول فمالا إلى التفاهم وعقدا صلحا إعترف فيه محمد بن الأحمر بطاعة محمد بن هود مقابل أن يقره هذا الأخير على جيان وأرجونة وبركونة وأحوازها ورأى فرديناند الثالث في تحالف الزعيمين المسلمين خطرا عليه فتدخل ليفرق بينهما فهاجم منطقة جيان التابعة لإبن الأحمر من جهة وعقد صلحا مع إبن هود لثلاثة أعوام من جهة أخرى على أن يدفع له هذا الأخير جزيةً سنويةً قدرها مائةً وثلاثين ألف دينار وأن يتنازل له عن بعض الحصون الواقعة في سلسلة جبال الشارات ثم قفل عائدا إلى بلاده وإستولى في طريقه على حصن الأطراف وشنت إشتيبن وثلاثين حصنا أخرى وفي الواقع فإن غزوات فرديناند الثالث المتوالية لمناطق المسلمين في الأندلس وعقده صلحا مع محمد بن هود وسيطرته على حصون منطقة جيان ومدينة أبدة لم تكن سوى مقدمات لحدث أخطر وأبعد مدى كان يعمل على تحقيقه ألا وهو الإستيلاء على قرطبة لاسيما وأن الأمر فيها مان يتسم بالفوضى وليس هناك من يجمع الكلمة وفي أواخر شهر ربيع الآخر عام 633 هجرية الموافق أوائل يناير عام 1236م سار قسم من الجيش القشتالي الذى إستولى على أبدة إلى منطقة أندوجر الواقعة شرقي قرطبة وإستطلع وضع المدينة وعلم أنها في وضع سئ وقد أُهملت وسائل الدفاع عنها فطمع في الإستيلاء عليها ورأى القشتاليون أن حيازة المدينة الكبيرة الحصينة ليس بالأمر السهل ولا بد لتحقيقه من قوات ضخمة فراسلوا ملكهم فرديناند الثالث يعلمونه بالوضع فأتاهم على وجه السرعة تلاحقه قواته من سائر الأنحاء فأرسل أهل قرطبة إلى إبن هود أميرهم الشرعي يطلبون منه الغوث والمدد والنجدة وقدر هذا الأخير خطورة الموقف فسار لنجدة المدينة المحاصرة ولكنه علم وهو في طريقه أن جيش القشتاليين يفوقه في الأهبة والكثرة والسلاح والعتاد ووصله من جهة أخرى صريخ أبي جميل زيان أمير بلنسية لمعاونته ضد يعقوب ملك أرجون الذى إشتد في مناوأته وإرهاقه ووعده أى وعد إبن هود بأن ينضوى تحت لوائه ومما يذكر أنه قد سقطت بلنسية بعدئذ عام 1238م بيد يعقوب الأرجوني بحملة صليبية باركها بابا روما عقب حصار دام خمس سنين وقيل إنه قد قتل وقتئذ ستون ألف مسلم وبسقوطها فقد المسلمون التحكم في الساحل الشرقي لبلاد الأندلس ولاح لإبن هود أن السير إلى بلنسية أيسر وأجدى فترك قرطبة لمصيرها المحتوم على أمل أن يصمد أهلها في الدفاع عنها أو يستطيع إنقاذها فيما بعد ولبث حصار قرطبة بضعةَ أشهر حتى ضاق الحال بأهلها وفقدوا كل أمل في الغوث والإنقاذ فإضطروا إلى التسليم ودخل النصارى قرطبة في يوم 23 شوال عام 633 هجرية الموافق 29 يونيو عام 1236م .

ولم يلبث إبن هود أن توفي بعد ذلك بقليل أوائل عام 635 هجرية الموافق أواخر عام 1237م في ثغر ألمرية في ظروف غامضة وأحدثت وفاة محمد بن هود إنعطافة كبيرة في تاريخ المسلمين في الأندلس آنذاك إذ كان حتى وفاته أقوى الأُمراء المسلمين في جنوبي البلاد فإنهارت بوفاته دولته التي كانت تبشر ببعث أندلسي جديد وآل معظم تراثه إلى محمد بن الأحمر أمير جيان وأرجونة والذى بادر بعد وفاة محمد بن هود إلى العمل للإستيلاء على تراثه في الأنحاء الوسطى من البلاد وكان إبن هود قد ولى على غرناطة عتبة بن يحيى المغيلي وكان خصما لإبن الأحمر وكان يأمر بسبه على المنابر وكان ظلوما جائرا فلما إشتدت وطأته على أهل غرناطة ثار عليه جماعةٌ من أشرافها فهاجم أربعون رجلا منهم مقر الولاية والتي كانت تسمى قصبة المدينة والتي تشمل قلعة الحراسة والقصر والمسجد الجامع والأبنية الخاصة بالموظفين والخدم وإقتحموها وسيوفهم مشهورة وقتلوا عتبة وأعلنوا طاعتهم لإبن الأحمر وبعثوا إليه يستدعونه فسار إبن الأحمر إلى غرناطة ودخلها أواخر شهر رمضان عام 635 هجرية الموافق شهر أبريل عام 1238م وهو يرتدي ثيابا خشنةً وحلة مرقعةً كثياب الصوفية ورحب به شعبها بهتافات مرحبا بك يا أيها المنتصر والذي أجاب لا غالب اليوم إلا الله وكان هذا هو الشعار المكتوب في جميع أنحاء قصبة الحمراء ونزل إبن الأحمر بجامع القصبة وأم الناس لصلاة المغرب وهو متقلد سيفه ثم خرج إلى قصر الحمراء أو فصر باديس والذى كان قد شيده الملك الأمازيغي باديس بن حبوس في مملكة غرناطة خلال النصف الثاني من القرن العاشر الميلادى والشموع بين يديه ونزل فيه مع خاصته وبذلك غدت غرناطة حاضرته ومقر حكمه وكان ذلك لأشهر قلائل فقط بعد وفاة إبن هود وماكاد يستقر في حاضرته الجديدة حتى عول على ضم ثغر ألمرية وسحق إبن الرميمي وزير إبن هود فسار إليها في بعض قواته وحاصرها مدة فلما إشتد عليها الحصار غادرها الرميمي من جهة البحر بأهله وماله في سفينة خاصة وإستقر بِمدينة تونس تحت كنف السلطان أبي زكرياء يحيى بن حفص وملك إبن الأحمر ألمرية وإمتد بذلك سلطانه إلى سائر الشواطئ الجنوبية وكان من أعظم أعوان محمد بن يوسف في تلك المعركة التي إنتهت بتحقيق رياسته عشيرته أى بني نصر وأصهاره بنو أشقيلولة وهكذا نشأت مملكة غرناطة الصغيرة من وسط الفوضى التي سادت الأندلس على إثر إنهيار دولة الموحدين ولكنها كانت في حاجة إلى الإستقرار والتوطد وكان محمد بن يوسف إبن الأحمر يواجه في سبيل هذه المهمة الكثير من الصعاب حيث كانت الأندلس قد مزقتها الحرب الأهلية شيعا وتفككت إلى حكومات ومناطقَ عديدة متناحرة وكان إبن الأحمر يحظى بتأييد جمهرة كبيرة من الأندلسيين ولا سيما في الجنوب ولم يك ثمة مايمنع من إلتفاف المسلمين الأندلسيين كلهم حول لواء هذا الزعيم المنقذ لكن كانت روح التفرق والتنافس متأصلةً في نفوس الطامعين المتطلعين للسلطة وكان أصاغر الحكام والزعماء يؤثرون الإنضواء تحت ألوية الملوك المسيحيين من أجل الإحتفاظ في ظلهم بمدنهم وقواعدهم على مناصرة إبن الأحمر والإنضواء تحت لوائه وحدث ذلك بصفة خاصة في مرسية وشرقي الأندلس فقد إرتضى صاحب مرسية محمد بن علي بن هود وحكام لقنت وأوريولة وقرطاجنة وجنجالة وغيرها أن يعقدوا الصلح مع ملك قشتالة معترفين بطاعته وأن يؤدوا له الجزية وأن يبقوا متمتعين في ظله بحكم مدنهم ومواردهم وعلى إثر ذلك سلمت مرسية ودخلها ألفونسو إبن فرديناند الثالث ملك قشتالة في إحتفال فخم يوم 10 شوال عام 640 هجرية الموافق 2 أبريل عام 1243م.


وكان فرديناند الثالث يرى في إبن الأحمر بعد إختفاء إبن هود زعيم الأندلس الحقيقي والخصم الذي يجب تحطيمه وكان إبن الأحمر من جانبه يقدر خطورة المهمة التي أُلقيت على عاتقه وكان يعقد العزم على محاربة النصارى وإستخلاص التراث الإسلامي الأندلسي من بين أيديهم فما كاد يستقر في غرناطة حتى نشط إلى محاربة النصارى وسار إلى قلعة مرطوش في قوة كبيرة وضرب حولها الحصار عام 636 هجرية الموافق أواخر عام 1238م وأوائل عام 1239م ولكن النصارى قدموا لنجدتها بسرعة وإضطر المسلمون إلى رفع الحصار عنها وإشتبكوا مع الأعداء في معركة أحرزوا النصر فيها إلا أن مثل هذه المعارك المحلية لم تكن حاسمةً في سير الحوادث وكان فرديناند الثالث يرقب نهوض هذه القوة الأندلسية الجديدة بعين التوجس ويتأهب لمقارعتها فما كاد ينتهي من إخضاع الثغور الشرقية والإستيلاء على مرسية حتى عمد إلى مهاجمة إبن الأحمر وبعث لقتاله جيشا قويا بقيادة ولده ألفونسو وإستولى النصارى على حصن أرجونة وعدة حصون وأماكن أخرى من أملاك أمير غرناطة ثم حاصروا غرناطة نفسها عام 642 هجرية الموافق عام 1244م لكنهم ردوا عن أسوارها بعد أن تكبدوا خسائر فادحة وفي العام التالي زحف القشتاليون على جيان وحاصروها حتى كادت تسقط في أيديهم فلما رأى إبن الأحمر تفوق النصارى الساحق وأنه لا جدوى من المقاومة آثر مصانعة ملك قشتالة ومهادنته فسار إلى لقائه في معسكره وقدم إليه طاعته وإتفق على أن يحكم أراضيه بإسمه وفي ظله وأن يؤدى له جزية سنوية مائة وخمسين ألف دينار مرابطي وهو مبلغ شكل أهم مصادر الدخل لمملكة قشتالة في ذلك الوقت وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه فيقدم إليه الجند والسلاح أينما طلب منه ذلك وأن يشهد إجتماع مجلس مملكة قشتالة الذى يسمى بمجلس حكام المقاطعات أو الكورتيز بإعتباره من الأمراء إلتابعين للعرش القشتالي وسلم إليه جيان وأرجونة وبركونة وبيغ ووادى الحجارة وقلعة جابر والفرنتيرة لعجزه عن الإحتفاظ بها وفي مقابل هذا الثمن الفادح عقد فرديناند الثالث صاحب قشتالة السلم مع إبن الأحمر لمدة عشرين عاما وأقره على ما بقي بيده من القواعد والحصون وهكذا أمنت غرناطة شر العدوان حتى حين وقبل إبن الأحمر أن يضحي بإستقلاله السياسي وهيبته الأدبية لكي يحافظ على بلاده وتطلعا إلى ظروف أفضل يستطيع فيها النضال والصمود والإنتصار على القشتاليين وبعد هذا الصلح إنصرف إبن الأحمر إلى تنظيم مملكته وتوطيد حكمه الداخلي ووفقا لإتفاقه مع القشتاليين المشار إليه إضطر إلى معاونة النصارى في محاصرة إشبيلية والإستيلاء عليها تنفيذا لعهده وكانت هذه المناظر المؤلمة تتكرر في تاريخ بلاد الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف وقد إعتبر البعض أن هذه نقطة سوداء لا تمحى من تاريخ إبن الأحمر حيث رأينا كثيرا من ملوك الأندلس يعينون ملوك قشتالة على إخوانهم الأندلسيين من أجل الإحتفاظ بالملك والسلطان ومن جانب آخر يعتبر البعض الآخر أن إبن الأحمر قد إضطر أن يقبل هذا الوضع مجبرا ومرغما بهدف إنقاذ تراث لم يكتمل الرسوخ بعد وتنفيذا لأمنية كبيرة بعيدة المدى ذلك لأنه كان يتطلع إلى جمع كلمة بلاد الأندلس كلها تحت لوائه وإدماج ماتبقى من تراثها وأراضيها في مملكة موحدة تكون ملكا له ولعقبه ولم تكن تحدوه رغبه في توسع يجعله إلى الأبد اسيرا لحلفائه النصارى مثلما كان يفعل أسلافه زعماء الطوائف بل كانت تحدوه قبل كل شئ الرغبة في الإستقرار والتوطد داخل حدود إمارته المتواضعة ومن ثم كانت مصانعته للنصارى ومهادنتهم في البداية خاصة وأن البديل أمامه كان سقوط مملكته وخروج الأندلس بالكامل من دولة الإسلام .

وكان جريا على السياسة الأندلسية المأثورة كان حكام الأندلس يستمدون عون ملوك العدوة بالمغرب ويوثقون معهم اواصر المودة وكان تطور الحوادث في الأندلس وتفاقم محنتها وتوالى سقوط قواعدها في أيدى العدو قد أخذ يحدث صداه قويا في الضفة الأخرى من البحر في المغرب حيث أخذ نجم الدولة المرينية التي تأسست هناك يتألق وتبدو ضخامة حشودها وقواتها ومواردها مشجعة على اللجوء إليها وطلب نجدتها وكانت النجدات الأولى من متطوعى بنى مرين قد أخذت تعبر إلى الأندلس وفي نفس الوقت قامت في داخل المغرب حركة قوية للحث على نجدة وإنقاذ بلاد الأندلس وإدراكها قبل أن يفوت الأوان وإشترك في هذه الحركة شعراء نظموا القصائد المبكية وعلماء وأدباء توجهوا برسائلهم البليغة بيد أنه كان لابد أن تمضى أعوام أخرى حتى تؤتى هذه الحركة ثمارها العملية ويعبر بنو مرين بقواتهم الجرارة إلى الأندلس وعلى الرغم من أن إبن الأحمر إستطاع أن يصمد لمقاومة القشتاليين ومحاربتهم وإستطاع بالفعل ان يهزمهم حينما غزوا أراضيه عام 659 هجرية الموافق عام 1261م حيث كان يعاني من غزواتهم المتوالية فلما تفاقم الأمر وزحف القشتاليون على غرناطة ورأى أنه عاجز عن رد هذا البلاء إضطر مرة أخرى أن يتقدم في سبيل طلب الهدنة ومن أجل تحقيق ذلك ضحى بالكثير فعقد مع ألفونسو العاشر ملك قشتالة في عام 665 هجرية الموافق عام 1267م معاهدة سلم جديدة تنازل بمقتضاها عن عدد كبير من البلاد والحصون وقيل إن ما أعطاه إبن الأحمر بمقتضى هذا الصلح لملك قشتالة بلغ عدد مائة وخمسين بلدة من بلاد غرب الأندلس وقضى إبن الأحمر بعد ذلك الأعوام القليلة الباقية من حكمه في توطيد مملكته وتنظيم شئونها وكان قد أعلن البيعة بولاية العهد لإبنه الأكبر محمد والذى عرف بمحمد الثاني وبذلك أسبغ على رياسة بني نصر صفه الملكية الوراثية ثم توفى في يوم 29 من شهر جمادى الثانية عام 671 هجرية الموافق 20 يناير عام 1273م عقب جرح أصابه في معركة ضد جماعة من الخارجين عليه وكان قد قارب الثمانين عاما من عمره ومما يذكر عن إبن الأحمر أنه كان يتمتع بصفات كثيرة منها البراعة السياسية والمقدرة على تنظيم الأمور وشغفه بالجهاد في سبيل الله وتواضعه فكان يعرف بالشيخ ويلقب بأمير المؤمنين وهو اللقب الذي غلب على ملوك مملكة غرناطة فيما بعد وشيد في عصره حصن الحمراء وسكنه ويقال إن هذا هو السبب بتلقيبه بإبن الأحمر والبعض الآخر يقول تسميته بالأحمر ترجع لنضارة وجهه وإحمرار شعره أما عن مملكة غرناطة فكانت عند وفاته قد توطدت دعائمها نوعا ما وإستقر بها ملك بنى الأحمر على أسس ثابتة وكان محمد الثاني إبن محمد الأول إبن الأحمر هو الذى أكمل مسيرة أبيه في وضع أُسس مملكة غرناطة أو الدولة النصرية ورتب رسوم الملك ووضع ألقاب خدمتها ونظَم دواوينها وجبايتها وقد لقب بالفقيه نظرا لعلمه وتقواه وكان يتمتع بصفات حسنة من قُوة العزم وبعد الهمة وسعة الأفق والبراعة السياسية وكان من حسن طالع ملوك مملكة غرناطة أنه لم يظهر فيها زعماء أخرون ينازعون بني نصر زعامتهم ولذا لم نشهد في الفترة التي عاشتها مملكة غرناطة أو الدولة النصرية مأساة الطوائف مرة أخرى وإن لم تخلو الدولة النصرية من الثورات والإنقلابات الداخلية ومن غرائب الأقدار أن هذه المملكة الصغيرة إستطاعت أن تحافظ على تراث بلاد الأندلس لمدة 254 عاما أخرى حتي سقطت في عام 1492م علي يد الملكين القشتاليين المسيحيين فرديناند الثاني وإيزابيلا الأولى .


وللأسف الشديد ولأسباب عديدة دب الضعف والوهن في أوصال مملكة غرناطة تدريجيا حتى حل عام 1482م ففي هذا العام بدأت سلسلة من الحروب والحملات العسكرية إستمرت عشر سنوات أي حتى عام 1492م أثناء عهدِ الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراجون ضد مملكة غرناطة التي كانت آخر معاقل المسلمين في بلاد الأندلس والتي كانت تحت حكم النصريين وهذه الحروب والحملات كانت موسمية تنطلق في فصل الربيع وتستمر أثناء فصل الصيف ثم تتوقف في فصلي الخريف والشتاء وإنتهت هذه الحملات بهزيمةِ غرناطة وإلحاقها بمملكة قشتالة وبذلك إنتهت القاعدة الإسلاميةً التي أقيمت على شبه الجزيرة الآيبيرية في بلاد الأندلس وبسقوط غرناطة إنتهت الحروب التي أطلق عليها الأسبان حروب الإسترداد وقيما كان أهل غرناطة منهمكون في نزاعِ داخليِ وفي حرب أهلية طاحنة كان المسيحيون عموما قد توحدوا وقويت شوكتهم وإستعدوا جيدا لخوض تلك الحروب وزودوا قواتهم بالمدفعية ولذا فقد شهدت هذه الحروب الإستعمالَ الفعال للمدفعيةِ مِن قبل المسيحيين لإخضاع المدن التي كان يتطلب إخضاعها حصارا طويلا وكانت النتيجة أن إنتهت بمعركة غرناطة الحاسمة في يوم 2 يناير عام 1492م حروب الإسترداد حيث قام الأمير محمد الثاني عشر أمير غرناطة أبو عبد الله الصغير بتسليم إمارةَ غرناطة ومدينة غرناطة وقصر الحمراء إلى الأسبان وما يزالَ مجلس مدينة غرناطة يحتفلُ في ذلك التاريخ من كل عام بتلك المناسبة وكانت هذه الحرب مشروعا مشتركا بين مملكةِ قشتالة وليون ومملكة آراجون اللتين تم توحيدهما فيما بعد في مملكة أسبانبا وحيث أن معظم القواتِ والأموالِ التي تكلفتها الحرب جاءت من مملكة قشتالة لذا فقد ضمت غرناطة إلى أراضي قشتالة بينما كان التاج الآراجونى أقل أهمية في هذه الحرب وحيث إكتفت مملكة آراجون في هذه الحروب بتقديم العون البحرى وأسلحة وبعض القروضِ المالية ولقد تم إعتبار إستسلام غرناطة بمثابة ضربة قوية للإسلام وإنتصار للمسيحية وقامت الدول المسيحية بتقديم تهانيها الحارة إلى الملكين فرديناند وايزابيللا وفي قشتالة وآراجون أقيمت الإحتفالات في الشوارع وكذلك مبارايات مصارعة الثيران بينما حل الحزن الشديد في سائر بلاد المسلمين وبسقوط غرناطة بدأ الملكان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا حملة إضطهاد منظمة بهدف تنصير من بقي من المسلمين واليهود الأندلسيين أو ترحيلهم عن البلاد بهدف تحقيق الوحدة الدينية للإمبراطورية الأسبانية الوليدة بوصفها ملازمة للوحدة السياسية ومنذ أن فُرض التنصير والطرد على هؤلاء أطلق النصارى على المسلمين منهم مصطلحا جديدا إستبدل به مصطلح المدجنين القديم وهو إسم المورسكيين أى المسلمين الصغار وهو تصغير للفظ مورو الذى كان يعني المسلم بوجه عام وكان المقصود به السخرية والتحقير وعلى الرغم من تحولهم إلى المسيحية إلا أنهم حافظوا على عاداتهم بما في ذلك لغتهم وأسماءهم المتميزة والغذاء واللباس وحتى بعض الإحتفالات ومارس البعض منهم الإسلام سرا والمسيحية الكاثوليكية علنا ولما فشلت السياسات الحكومية الأسبانية على إرغام جميع المورسكيين على التنصر ولجأت السلطات الحاكمة والكنيسة الكاثوليكية إلى إستعمال القوة لإجبارهم على ذلك فإضطهد المسلمون وصودرت ممتلكاتهم الأمر الذى أدى إلى إندلاع الثورة في منطقة البيازين المعروفة في مدينة غرناطة ولكن هذه الثورة لم تزد النصارى إلا تشددا فأخمدوها بالقوة والقسوة البالغة وأجبرت وسائل القمع الوحشية التي مورست ضد المورسكيين في باقي المناطق على حمل السلاح ولجأت جماعات منهم إلى المعاقل الجبلية يعتصمون بها وأخذوا يشنون الغارات الخاطفة ضد القوات المسيحية التي كانت تلاحقهم بإستمرار وتتعامل معهم بمنتهي القسوة والعنف .


وفي شهر شعبان عام 907 هجرية الموافق شهر فبراير عام 1502م أصدرت الملكة إيزابيلا مرسوما يخير المورسكيين بين التنصير أو الرحيل من البلاد وأمهلتهم حتى أواخر شهر شوال الموافق نهاية شهر أبريل من العامين المذكورين فرحل من غرناطة خلال هذه المدة نحو ثلاثُمائة ألف شخص وعد من بقي متنصرا بحكم الأمر الواقع وكنتيجة التنكيل والإسراف في مطاردة المورسكيين إستغاث بعضهم وإستنجد بسلاطين وأُمراء المسلمين وفي مقدمتهم السلطان العثماني بايزيد الثاني التي تنص إحدى الوثائق على أن أندلسيا متنصرا كتب رسالة إليه يستغيثه ويصف له في شعر ركيك ما يقع علي المورسكيين من ظلم وعسف محاكم التفتيش ويستصرخه لنصرة إخوانه من المسلمين المغلوبين على أمرهم وهذه المحاكم كانت مهمتها التأكد من تحول المسلمين واليهود في أسبانيا إلي الديانة المسيحية الكاثوليكية وإلا يكون مصيرهم القتل لمجرد الشك في أنهم يدعون التنصر بينما هم يحتفظون بديانتهم الإسلامية ويصف المرسل في رسالته ما تنزله أسبانيا برعاياها الجدد من المسلمين ويصف أنواع الإضطهاد والعسف التي نزلت بالمسلمين الغير متنصرين وكيف أن النصارى خانوا كل العهود التي أبرموها معهم وأهانوا الإسلام ورموزه وجدير بالذكر أيضا أن المورسكيين أرسلوا خطاب إستغاثة أيضا إلى السلطان المملوكي الأشرف قنصوه الغوري ودعوه ليتوسط لدى الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا لكي يحترما معاهدات الإستسلام ويوقفا الأعمال الهمجية ضدهم وكان من الواضح أن تلك الإستغاثات لم تؤد إلى نتيجة حيث لا تذكر المصادر التاريخية أن السلطان المملوكي الأشرف قنصوة الغورى ولا السلطان العثماني بايزيد الثاني قد فعلا شيئا يذكر لإنقاذ المورسكيين حيث كانت المسافة بعيدة جدا بين مصر وبلاد الأندلس كما أن العثمانيين كانوا قد إنشغلوا بمراقبة تحركات الصفويين الشيعة المتنامية على حدودهم الشرقية والتي تهدد دولتم بمزيد من الفتن والأخطار وفي المقابل يذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا أن الظلم التعسفي الذى مارسه الأسبان أغضب العثمانيين وإن كان السلطان العثماني بايزيد الثاني نفسه لم يرسل حملة لإنقاذ أبناء دينه في هذه المرة فإن إبنه الشاهزاده قورقود لعب دورا في نجدة المزيد من المسلمين واليهود الأندلسيين وفي مضايقة الأسبان حيث كان الشاهزاده المذكور يقوم بحماية البحارة المسلمين وكان يفتدي 100 أسير مسلم من الذين يقعون في أيدى النصارى في كل سنة وكان من جملة الذين إفتداهم عروج بن أبي يوسف يعقوب الشهير بعروج بربروس الأخ الأكبر لأمير البحار المستقبلي خير الدين بربروس فجاء عروج إلى إمارة مغنيسية حيث إجتمع بالشاهزاده العثماني وتسلم منه سفينتين حربيتين كهدية وأوصاه بالذهاب إلى الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط والسير في أثر الربان العثماني كمال ريس وأن يرى بعينيه ما يحدث للمسلمين في بلاد الأندلس وأن يعمل على إنقاذهم مما هم فيه ودعا له بالتوفيق والنصر وبهذا بدأت عمليات الجهاد البحري المنتظم ضد السفن المسيحية في البحر المتوسط وفي عهد السلطان العثماني سليم الأول الذى خلف السلطان بايزيد الثاني كان الإخوة عروج وخير الدين خضر وإسحق بربروس يجاهدون في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط فيأسرون السفن الأوروبية ويدفعون الإعتداءات الغربية عن سواحل بلاد المغرب العربي وينجدون المسلمين المورسكيين الأندلسيين الهاربين من بطش الأسبان وقد حظي الإخوة بربروس بدعم السلطان أبي عبد الله محمد بن الحسن المتوكل الحفصي الذى كان يحكم بلاد المغرب العربي حينذاك فأعطاهم قلعة حلق الواد بشمال مدينة تونس وسمح لهم بإتخاذها منطلقا ومركزا لإدارة عملياتهم العسكرية في مقابل منحه خمس غنائم الغزوات وإشتهر عروج وأخويه بكفاءتهم وقدراتهم الحربية والملاحية المتميزة في كامل أنحاء قارة أوروبا نظرا لكثرة ما أسروا من السفن كان أبرزها سفينتان كبيرتان من سفن البابا ليون العاشر كانت كل منهما تسير بواسطة 50 زوج من المجاديف وكان عروج دائم الإستعراض لقوته فرسا ذات مرة في جزيرة ميورقة الأسبانية بالبحر المتوسط ورفع فيها رايةً إسلامية وأبحر في البحر الليغوري أحد فروع البحر المتوسط والذى تطل عليه إيطاليا وفرنسا وإمارة موناكو كما أبحر أيضا في خليج جنوة الذى تطل عليه إيطاليا حاليا وهاجم عدد من الموانئ التي تقع علي سواحل البلاد المذكورة ونقل بالتعاون مع أخويه آلاف الأندلسيين المسلمين واليهود الهاربين من إضطهاد محاكم التفتيش الأسبانية وحملوهم إلى بلاد المغرب العربي وفي أوائل عام 1515م حقق خير الدين خضر إنتصارا مبهرا على الأسبان حيث إستولى على عدد 20 سفينة من سفنهم وأسر عدد 3800 جندى وبحار فهرع إليه الكثير من الربابنة والقباطنة والبحارة العثمانيين وإلتحقوا بأُسطوله وأُسطول أخويه وكان من أبرز هؤلاء محيي الدين أحمد القرماني والذى إشتهر بإسم پيري ريس وآيدن ريس وغيرهما .
 
 
الصور :
مملكة غرناطة