|
|
عدد : 08-2023 |
|
|
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي العكي تابعي وقائد عسكرى إسلامي شارك في فتوحات بلاد الغال أي فرنسا في عهد الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك وهو ينتسب إلي قبيلة غافق إحدى فروع قبيلة عك اليمنية المعروفة وكان موطن قبيلة غافق هو مدينة اللحية الواقعة على البحر الأحمر في شمالي مدينة الحديدة اليمنية وقد شاركت هذه القبيلة بالكثير من الجند في فتوح مصر وبلاد المغرب والأندلس وكان منهم أمراء ورؤساء وكان دارهم معروف بإسمهم في شمالي مدينة قرطبة وإليهم نسب الحصن المعرف بإسم حصن غافق وكان حصنا حصينا ومعقلا جليلا وفي أهله نجدة وحزم وجلادة وعزم وكان أكثر أهالي مدينة شقورة الأندلسية أيضا ينتسبون إلى قبيلة غافق ويقول بعض المؤرخين إن عبد الرحمن الغافقي كان مولده بديار قبيلته ببلاد اليمن ولما بلغ سن الفتيان تعلم الفروسية وفنون القتال ونبغ فيهما وظهرت عليه صفات القيادة كما برزت قدراته الإدارية والتنظيمية وإشتهر الغافقي أيضا بأنه كان من أحسن الناس خلقا وكانت إنسانيته هذه تنبع من تربيته الإسلامية الصحيحة على يد عدد من التابعين رضي الله عنهم فلا عجب إذا رأينا منه حسن السيرة في أخلاقه مع الناس ولا عجب إذا رأينا العدل والورع والصبر عليهم وإسداء المعروف لهم دون إنتظار أي مقابل فهو ليس بحاجة إلى أحد من الناس خاصة بعدما أصبح أمير وقائد ويمتلك مقومات كثيرة غير أنه كان ينتظر الأجر دائما من الله وقد إرتحل الغافقي إلي أفريقية في زمن الخليفة الأموى السادس الوليد بن عبد الملك وشارك في فتوحات الأندلس الأولي التي تمت في عهده مع القائدين موسي بن نصير وطارق بن زياد في عام 93 هجرية الموافق عام 712م وبعد إنصراف موسى وطارق من بلااد الأندلس ووصولهم إلي القيروان في شهر ذى الحجة عام 95 هجرية الموافق عام 714م ثم توجههم إلي العاصمة الأموية دمشق بناءا علي تعليمات الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان تولى زمام الأمور في بلاد الأندلس عبد العزيز بن موسى نصير والذى كان قد إستخلفه والده عليها فكان أول ولاتها وكان الغافقي أحد المقربين منه ورفض المشاركة في عملية إغتياله التي قيل أن الخليفة سليمان بن عبد الملك الذى كان قد تولي الخلافة خلفا لشقيقه الوليد بن عبد الملك أمر كبار الجند بتنفيذها لأشياء نقمها عليه ورد على الجنود الذين دعوه لمشاركتهم في تنفيذ أمر الخليفة قائلا قد علمتم يد موسى عند جميعكم صغيركم وكبيركم وإنما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه والرجل لم ينزع يدا من الطاعة ولم يخالف مما يستوجب قتله وأنتم ترون وأمير المؤمنين لا يرى فأطيعوني ودعوا هذا الأمر ولكنهم أبوا ومضوا على رأيهم وقتلوه وهو يصلي الفجر بمسجد رفينة في مدينة إشبيلية وذلك في شهر رجب عام 97 هجرية الموافق شهر يناير عام 716م مما أدى إلى إضطراب الأمور في بلاد الأندلس عدة سنين حتى قدم السمح بن مالك الخولاني واليا عليها في شهر رمضان عام 100 هجرية الموافق شهر أبريل عام 719م فإستقام أمر الأندلس وكان ذلك بعد وفاة الخليفة الأموى السابع سليملن بن عبد الملك وتولي الخليفة الأموى الثامن عمر بن عبد العزيز الخلافة وفي الحقيقة كان هذا القرار صائبا من جانب الخليفة وكان السمح هو خامس ولاة بلاد الأندلس وأول وال لها يعينه الخليفة الأموى في دمشق مباشرة بعد أن كانت الأندلس ولاية تابعة لولاية أفريقية يولي عليها والي أفريقية من يشاء .
وبعد أن وصل السمح إلى قرطبة سأل من حوله أبقي في هذه الديار أحد من التابعين فقالوا نعم إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله وفهمه العميق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلائه في ميادين الجهاد وتشوقه إلى الإستشهاد في سبيل الله وزهده بعرض الدنيا الشئ الكثير ثم قالوا له إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر قبل أن يتوفاه الله في عام 73 هجرية الموافق عام 692م وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذه عنه وتأسى به أعظم التأسي فدعاه السمح إلى لقائه وجلس معه ساعة من نهار يسأله عن كل ما عن له فإذا هو فوق ما اُخبِرَ عنه فعرض عليه أن يوليه عملا من كبير أعماله بالأندلس فقال له الغافقي أيها الأمير إنما أنا رجل من عامة الناس ولقد وفدت إلى هذه الديار لأقف على ثغر من ثغور المسلمين ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض وستجدني إن شاء الله تعالى ألزم لك من ظِلك ما لزمت الحق وأطوع لك من بنانك ما أطعت الله ورسوله من غير ولاية ولا إمارة وهكذا كان الغافقي أحد المساعدين للسمح وعلى يديهما صلحت أمور الأندلس ويذكر المؤرخ إبن القوطية أن الخليفة عمر بن عبد العزيز قد عهد إلى السمح بإجلاء المسلمين من الأندلس خشية منه على أرواحهم إلا أن السمح حين نزل الأندلس وتعرف على أحوالها طمأن الخليفة إلى قوة حال المسلمين فيها وبتكليف من الخليفة أشرف السمح بن مالك وساعده عبد الرحمن الغافقي على عملية مسح أراضي الأندلس وتقدير خمس خراجها كما قام ببعض الإصلاحات الإدارية التي نتج عنها تحسن حالة المزارعين وعلاوة علي ذلك فقد غزا السمح بن مالك سبتمانيا والتي كانت تشكل الشطر الغربي من مقاطعة تربونة وإفتتح عاصمتها أربونة وهي تقع بشرق جنوب فرنسا حاليا وتطل علي البحر المتوسط وإفتتح أيضا مدينة قرقشونة والتي تقع علي نهر الأود بجنوب فرنسا ومعظم قواعد سبتمانيا ثم توجه صوب طولوشة والتي تقع بجنوب غرب فرنسا علي ضفاف نهر الجارون قرب الحدود الفرنسية الأسبانية وهي مدينة تولوز الفرنسية حاليا قاعدة إقليم أقطانية وهي أحد أقاليم فرنسا السبعة والعشرين حاليا وهو يقع في جنوب غرب فرنسا شمالي نهر الجارون على ساحل المحيط الأطلسي وفي يوم عرفة 9 ذى الحجة عام 102 هجرية الموافق يوم 9 يونيو عام 721م واجه السمح جيشا يفوق قواته عددا بقيادة أودو دوق أقطانية في معركة هائلة وإستشهد السمح في هذه المعركة الغير متكافئة والتي تعرض فيها جيش المسلمين للهزيمة وكان الغافقي هو الذي أنقذ بقية الجيش حيث تولي قيادته بعد إستشهاد السمح وإنسحب به طبقا لخطة إنسحاب بارعة عائدا إلى مدينة أرجون التي كانت قاعدة إسلامية ببلاد الأندلس وأصبح واليا عليها لمدة شهرين حيث تم تعيين عنبسة بن سحيم الكلبي بدلا منه من قبل الخليفة الأموى التاسع يزيد بن عبد الملك الذى كان قد تولي الخلافة بعد الخليفة عمر بن عبد العزيز وبعد ذلك غاب الغافقي عن المشهد حتى عام 112 هجرية الموافق عام 730م وهو العام الذى عين فيه واليا علي الأندلس من قبل الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك الذى كان قد تولي الخلافة في عام 106 هجرية الموافق عام 724م خلفا لشقيقه يزيد بن عبد الملك .
وكان وصول عنبسة بن سحيم الكلبي إلي بلاد الأندلس في شهر صفر عام 103 هجرية الموافق شهر أغسطس عام 721م وبعد أن نظم عنبسة شؤون الأندلس غزا في عام 105 هجرية الموافق عام 723م سبتمانيا وأعاد فتح قرقشونة ونيمة وما بينهما وهي المناطق التي كان المسلمون قد فقدوها قبل تلك الغزوة ثم واصل زحفه في وادى نهر الرون حتى بلغ مدينة أوتون وهي أقصى منطقة وصل إليها مسلمو الأندلس شرقا مما دفع أودو دوق أقطانية للسعى إلى مفاوضة ومهادنة عنبسة خشية مهاجمة أراضيه وفي طريق عودته داهمته جموع من الفرنجة فإلتحم معها في معركة أصيب أثناءها بجراح بالغة توفي على إثرها في شهر شعبان عام 107 هجرية الموافق شهر ديسمبر عام 725م وبعد مقتله قدم الجيش عذرة بن عبد الله الفهرى قائدا عليهم والذى نجح في الإنسحاب بهم إلى سبتمانيا ثم تولى إمارة بلاد الأندلس حتى تم تعيين يحيى بن سلامة الكلبي واليا عليها من قبل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في شهر شوال عام 107 هجرية الموافق شهر فبراير عام 726م وظل في منصبه عامين ونصف العام لم يغز فيهم وخلفه في منصبه عثمان بن أبي نسعة الخثعمي والذى لم يستمر أيضا في منصبه أكثر من خمسة أشهر حيث تم عزله وتولية حذيفة بن الأحوص القيسي خلفا له والذى لم تدم ولايته علي الأندلس أيضا سوى لأشهر قليلة ثم تم عزله وتولية الهيثم بن عبيد الكلابي خلفا له والذى ظل في منصبه قرابة العامين من عام 110 هجرية الموافق 729م وحتي عام 111 هجرية الموافق عام 730م وهكذا فإننا نرى أنه خلال حوالي خمس سنوات تعاقب خمسة ولاة علي إمارة الأندلس مما يدل علي حدوث خلل في أسلوب إدارة الولاية خلال تلك الفترة ويقول بعض المؤرخين أنه لما أظهر الهيثم بن عبيد الكلابي التعصب للقبائل القيسية وبالغ في ممارساته القبلية تجاه القبائل اليمنية ووصلت هذه الأخبار إلى الخليفة هشام بن عبدالملك إرتاع لها فبادر بإيفاد ممثل شخصي له هو محمد بن عبدالله الأشجعي إلى بلاد الأندلس للتحقيق في هذا الأمر الخطير وفوضه في إختيار الأصلح لولاية الأندلس فحقق الأشجعي في الأمر وظهر له تورط الهيثم بن عبيد الكلابي فيما نسب إليه فعلا فقام بعزله والتعزير به وحبسه قبل إعادته إلى أفريقية ثم إستقر رأيه على تعيين عبد الرحمن الغافقي واليا علي الأندلس وبلا شك فقد أحسن الأشجعي الإختيار وكان الغافقي عند حسن الظن به ذلك أن الغافقي كانت تجتمع في شخصيته المقدرة الإدارية إلى جانب البعد كل البعد عن العصبية القبلية كما أنه كان يتحلي بالشجاعة والحنكة العسكرية إلي جانب شجاعة وحنكة القائد الموهوب المتوهج إندفاعا وحماسة وحسما وهو مبدأ في غاية الأهمية ويحتاج إليه القائد حتى لا تتشتت الأمور ويبعد عن الهدف في ظل التراخي عن إتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب كما أنه كان متميزا في أسلوبه العسكرى النابع من فكره الصائب بالتوازن بين ما يملك من قوى وما يريد تحقيقه من أهداف إضافة إلى إعتماده مبدأ الإعداد قبل التلاقي أى إعداد الجنود والشعب كله قبل المعركة إعدادا قويا من كافة النواحي والتأكد من توافر كل أنواع القوة بداية من قوة الإيمان بالله مرورا بقوة التماسك والأخوة بين أفراد الجيش جميعا بل وأفراد الشعب وإنتهاءا بقوة الساعد والسلاح وهي القوة المادية وعدم الإستهانة أو التقليل من شأن أي نوع من أنواع هذه القوى فإن أي قصور في أى نوع منها كفيل بجلب الهزيمة على الجيش كله وهكذا عاد الأسد الهصور يتقدم الصفوف بعد أن أُقصي عن القيادة لمدة 10 سنوات كانت هي الأطول في حياته ظل خلالها أسيرا لذكريات السنوات الأولى من الفتوحات في بلاد الغال منذ أن ذهب إليها مجاهدا مع السمح فأحبها وتمنى أن يضمها لدولة الإسلام.
وقد بدا عبد الرحمن الغافقي ولايته علي بلاد الأندلس بالمصالحة بين العرب القيسية واليمنية وجمع كلمتهم بعد أن كانت قد إلتهبت الأمور ودبت روح النزاعات القبلية بينهما ثم أخمد تمرد البربر في الولايات الشمالية بقيادة عثمان بن منوسة الذى حالف أودو دوق أقطانية وتزوج إبنته بأن أرسل حملة بقيادة إبن زيان نجحت في قمع وسحق التمرد وقتل منوسة وسبي إمرأته وإرسالها إلى بلاط الخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق وكانت هزيمة المسلمين في معركة طولوشة التي تحدثنا عنها في السطور السابقة قد تركت أثرا عميقا في نفس عبد الرحمن الغافقي وجعلته يتحين الفرصة للعودة لقيادة الجيش ثانية للثأر من الفرنجة لما أصاب إخوانه المجاهدين على أيديهم في ذلك الحادث الجلل وليخرس ألسنة أولئك المرجفين الذين نشروا الإشاعات السيئة التي تنتقص من شجاعة ومقدرة قواد ذلك الجيش وبالتالي المضي قدما بالفتوحات إلى أقصى مدى يستطيع بلوغه وهاهي الخلافة قد ألقت بين يديه بزمام القيادة أخيرا من دون أن تبدر منه أى بادرة تشي بتهافته عليها ومن دون أن يتخلى عن وقاره ونكرانه لذاته ولم يلبث عبد الرحمن الغافقي سوى فترة قصيرة حتى أعلن النفير العام للجهاد فتدفق نحوه المقاتلون من جميع أنحاء الأندلس وفي أوائل عام 114 هجرية الموافق ربيع عام 732م خرج هذا القائد الكبير للغزو وكان يقود أكبر جيش سيره المسلمون لفرنسا منذ الفتح وكان يترواح عدده بين 15 ألفا وعدد 25 ألفا وفقا للتقديرات المنطقية الجادة وكان عبور عبد الرحمن وجيشه لجبال البرانس من بابها الأوسط وهو ممر شيزروا أو رنشفالة أي من طريق بنبلونة بشمال أسبانيا حاليا وليس من طريق برشلونة والساحل الشرقي لبلاد الأندلس حيث سار القواد الآخرون وقام بإرسال حملة بحرية صغيرة من برشلونة إستولت على مدينة آرل أو آرلش بجنوب فرنسا نظرا لأهمية موقعها عند مصب نهر الرون بالبحر المتوسط وذلك لتأمين الجهة الشرقية من فرنسا أثناء التحرك شمالا وبعد أن عبر الغافقي وجيشه جبال البرانس بسلام إخترقت الكتائب الإسلامية مقاطعة غسقونيا بجنوب غرب فرنسا وعبرت نهر الجارون وإفتتحت طولوشة بوابة الدخول إلى مقاطعة أقطانية وإستطاع الغافقي أن يلحق بالدوق أودو دوق هذه المقاطعة هزيمة ساحقة على ضفاف نهر دوردوني أحد روافد نهر الجارون بجنوب غربي فرنسا وأن يحطم جيشه شر تحطيم وأن يفتتح معظم قواعد هذه المقاطعة وعلى رأسها برديل عاصمة الدوقية وهي مدينة بوردو الفرنسية حاليا بل وإكتسح النصف الجنوبي من فرنسا كله من ليون ونهر الرون شرقا إلى المحيط الأطلسي وخليج بسكاى غربا ومن جبال البرانس والبحر المتوسط جنوبا حتى نهر الراين شمالا وحدث ذلك كله في بضعة أشهر فقط وأما الدوق أودو العنيد فقد نجا من الموت بأعجوبة وفر نحو الشمال ولم يجد يومئذ أحد يلوذ به بعد أن إفتتح المسلمون سائر معاقله وحطموا جيشه سوى شارل مارتل رئيس بلاط مملكة الفرنجة عدو الأمس اللدود فهرع إلى بلاطه وإرتمى في أحضانه وراح يحذره من الخطر الداهم القادم وهنا فزع الفرنجة وهبت قبائلهم من المانيا وأوستراسيا ونوستريا بشمال فرنسا لتذود عن سلطانها وكيانها تحت قيادة شارل مارتل والذى كان قد إستشعر الخطر الإسلامي منذ حين ربما منذ حملة عنبسة بن سحيم الكلبي قبل عشر سنوات وهي فترة كانت كافية لإعداد عدته وحشد بأسه وقوته للقاء المرتقب .
وقد رأى بعض المؤرخين أن الغافقي لم يكن ينوى التقدم اكثر مما وصل إليه وكان ينوى تحصين المدن المفتوحة وتقويتها أولا لتصبح ثغرا للمسلمين كما هو الحال في سبتمانيا ولم يكن معه في ذلك الوقت من الجند ما يكفي لفتح مدن أكثر بعد مسيرته الطويلة في جنوب فرنسا وغربها وقتاله في معركة نهر الجارون وقد دفع ذلك كله شارل مارتل إلي جمع جيش من المرتزقة ومقاتلين من حدود نهر الراين ومن بورغانديا وكان عبد الرحمن حينذاك قد وصل إلى تور بوسط غرب فرنسا بمن تبقى من جيشه بعد معاركه عنيفة في أقطانية وقطلونية وسبتمانيا وإستدرج شارل مارتل جيش المسلمين المتحصن في تور إلى سهل يقع غرب رافد نهر اللوار بأن أرسل مجموعات صغيرة من طلائع جيشه إلى الضفة الشرقية للنهر وعندما علم بأمرها عبد الرحمن أرسل مجموعات للإستطلاع عادت لتخبره بقلة عددهم وسهولة القضاء عليها فخرج من المدينة لمواجهتها وعبر بقواته إلى الضفة الشرقية فتحرك شارل مارتل بقواته بإتجاه جيش المسلمين وعندما فوجئ بأعداد أكثر مما قدرتها فرق إستطلاعه إرتد بقواته إلى سهل بين تور وبواتييه فتقدم شارل بقواته ونزل في مواجهة جيش المسلمين إستعدادا للمعركة وتحرك جيش المسلمين نحو الجنوب بإتجاه بواتييه بينما تجمع جيش شارل جهة الشمال بإتجاه تور ولا تتفق المصادر على تاريخ بدء وإنتهاء المعركة وكم كانت مدتها ويرجح البعض أنها نشبت في شهر رمضان عام 114 هجرية الموافق شهر أكتوبر عام 732م وقد إستمرت المناوشات بين الفريقين لأيام إلى أن لجأ المسلمون للهجوم في اليوم الأخير بفرسانهم على مشاة جيش الفرنجة وبدا كما لو أن المسلمين قد إقتربوا من النصر إلا أن شارل مارتل أرسل فرقا يعتقد أنها كانت بقيادة أودو هاجمت معسكر المسلمين من الخلف مما دفع المسلمين لمحاولة إنقاذ معسكرهم وحاول الغافقي ومن بقي من جنوده معه الثبات في القتال والسيطرة على الموقف بعد أن إضطربت صفوفهم وظل يقاتل حتى سقط شهيدا ثم نجح بقية جيش المسلمين في الدفاع عن معسكرهم حتى نهاية اليوم وفي الليل إجتمع قادة الجيش ورأوا أن ينسحبوا ليلا بعد أن فقدوا قائدهم البطل عبد الرحمن الغافقي وفي اليوم التالي عندما وجد الفرنجة أن القتال لم يتجدد تخوفوا من أن يكون ذلك كمينا إلى أن إستطلعت قواتهم مخيمات المسلمين التي تركوها وراءهم ووجدوها فارغة إلا من بعض الجرحي وإكتفى شارل مارتل بإنسحاب المسلمين ولم يجرؤ على ملاحقتهم خوفا من خديعة أخرى يكون قد خطط لها المسلمون فعاد إلى الشمال من حيث أتى .
وقد أطلقت المصادر الإسلامية علي هذه المعركة إسم بلاط الشهداء لكثرة من إستشهد فيها من المسلمين والذين يقدر عددهم بعشرة آلاف شهيد والبلاط إما نسبة إلى الطريق المرصوف الذى جرت المعركة عنده وإما نسبة إلى التبالط بالسيوف وكانت هذه المعركة كما يقول عنها الكثير من المؤرخين معركة فاصلة بين العرب المسلمين فى الأندلس والفرنجة فى قا رة أوروبا إذ لولا هزيمة المسلمين فيها لتقدموا حتى فتحوا بلاد قارة أوروبا كلها ولتغير وجه التاريخ ولإستفاد الفاتحون مما يرون من أخلاق وعادات وفنون وإستفاد الأوروبيون من دين العرب ولغتهم وعلومهم وقد رأى الكثير من المؤرخين أن من أهم أسباب هزيمة المسلمين في معركة بلاط الشهداء الضعف الإستخباراتي مما أدى إلى سوء تقدير عدد وعدة جيش الفرنجة وفي المقابل كان هذا الأخير يتمتع بقوة إستخباراتية كانت تجعله على علم وإطلاع دائم بتفاصيل تعبئة وتحركات الجيش الإسلامي هذا ولم تتوقف غزوات المسلمين في الجنوب الفرنسي رغم الهزيمة في معركة بلاط الشهداء بل إستمرت بعدها مباشرة حيث أرسل الوالي الجديد عبد الملك بن قطن الفهرى حملة يقودها يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تحالف مع مورونتوس كونت بروفنس والذى كان يريد الإستقلال عن شارل مارتل غزت جنوب فرنسا وإجتاحت آرل ثم مدينة سانت ريمي بجنوب فرنسا ومدينة أفينيون بجنوب شرق فرنسا ثم تابع الوالي عقبة بن الحجاج السلولي تلك الغزوات فسيطر على بورغونية بوسط شرق فرنسا حتى بلغت حملته بيدمونت بشمال إيطاليا ثم إنشغل ولاة الأندلس بعد ذلك بمشاكلهم الداخلية وتكالبهم وصراعهم على السلطة ففقدوا المناطق التي سيطروا عليها في فرنسا الواحدة تلو الأخرى حتى لم يبق بأيديهم في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهرى والي الأندلس الأخير من قبل الدولة الأموية سوى أربونة فقط والتي سقطت نهائيا عام 135 هجرية عام 759 م عندما أمر عبد الرحمن الداخل المعروف بصقر قريش وهو من أسس الدولة الأموية في بلاد الأندلس عام 138 هجرية الموافق عام 756م بإجلاء المسلمين من المدينة وكانت حينذاك بلاد الأندلس تتأجج بالنزاعات القبلية والتمردات على الولاة ولذا فقد قضى معظم فترة حكمه التي إستمرت 33 عاما في إخماد الثورات وحركات التمرد والعصيان المتكررة على حكمه في شتى أرجاء الأندلس تاركا لخلفائه الذين جاءوا من بعده إمارة قوية إستمرت لنحو ثلاثة قرون كاملة ومن ناحية أخرى كان شارلمان حفيد شارل مارتل قد أنشأ بعد ذلك الثغر الأسباني في جبال البرانس ليكون بمثابة منطقة عازلة عن مناطق المسلمين المتواجدة في بلاد الأندلس خلف جبال البرانس .
|
| |
|
| |
|
الصور : |
|
|
|
|
|
|
|
|