السبت , 31 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

النعمان بن مقرن المزني

النعمان بن مقرن المزني
عدد : 07-2023
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
[email protected]
موسوعة كنوز “أم الدنيا"


النعمان بن مقرن المزني صحابي جليل ينتهي نسبه ونسب قبيلته مزينة إلي نزار بن معد بن عدنان وهو من ولد نبي الله إسماعيل عليه السلام وكان سيدا في قومه قبيلة مزينة وفارسا مغوارا وقائدا متميزا سواء في الجاهلية أو في الإسلام وعرف عنه أنه كان لين الجانب زاهدا في الدنيا ومفاتنها وكان لا يرضى بحياة الرفاهية والإمارة بل يفضل حياة العمل والجهاد في سبيل الله وفي عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب عرض عليه عمر رضي الله عنه الإمارة على قبيلته فرفض ذلك وإعتذر لأمير المؤمنين لكي يواصل رحلة جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق وكانت ديار هذه القبيلة تقع قرب المدينة المنورة ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكانت أخباره تصل تباعا إلي قبيلة مزينة مع الغادين والرائحين فلا تسمع القبيلة عنه إلا خيرا وفي ذات عشية وكان ذلك في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة ما بين غزوة أحد والخندق جلس سيد القوم النعمان بن مقرن المزني في ناديه مع إِخوته ومشايخ قبيلته فقال لهم يا قوم واللّه ما علمنا عن محمد إِلا خيرا ولا سمعنا من دعوته إلا مرحمة وإحسانا وعدلا فما بالنا نبطئ عنه والناس إليه يسرعون ثم أتبع يقول أما أنا فقد عزمت على أن أغدو عليه إِذا أصبحت فمن شاء منكم أن يكون معي فليتجهز وكأنما مست كلماته وترا مرهفا في نفوس القوم فما أن طلع الصباح حتى وجد إخوته العشرة ومعهم أربعمائة فارس من فرسان القبيلة قد جهزوا أنفسهم للمضي مع سيدهم إلي المدينة المنورة للقاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم والدخول في دين الإسلام بيد أن النعمان قد إستحي أن يفد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الجمع الحاشد دونَ أن يحمل له وللمسلمين شيئا في أيديهم لكن كانت ظروف القبيلة في ذلك الوقت لا تسمح لها بذلك نظرا لمرورها بسنة مجدبة لم تترك لها ضرعا ولا زرعا فطاف النعمان ببيته وبيوت إخوته وصحبه وجمع كل ما أبقاه لهم القحط من غنيمات وسار بقومه وساق أمامه ما جمعه من قومه كهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم بها على رسول اللّه محمد صلى الله عليه وسلم وأعلن هو ومن معه إِسلامهم بين يديه فإهتزت المدينة من أقصاها إِلى أقصاها فرحا بقدوم النعمان وصحبه إِذ لم يسبق لبيت من بيوت العرب أن أسلم منه أحد عشر أخا من أب واحد ومعهم أربعمائة فارس وسر الرسول الكريم بإسلام النعمان وأخوته وصحبه أبلغ السرور وعاش النعمان بن مقرن من يومها هو وأخوته قريبين من قلب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتقبل الله سبحانه وتعالي من القبيلة غنيماتها وأنزل في ذلك قرآنا يتلي إلي يوم القيامة فقال تعالي في سورة التوبة وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِر وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللّهِ وَصَلَوات الرَّسُولِ ألاَ إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ في رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمُ وقال عنهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود إن للإيمان بيوتا وإن بيت آل مقرن من بيوت الإيمان .

وكانت غزوة الخندق في العام الخامس للهجرة هي أولي المشاهد التي شهدها النعمان بن مقرن مع الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد بعدها بيعة الرضوان فكان من الألف وأربعمائة صحابي الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ورضي الله عنهم ورضوا عنه في منطقة الحديبية وذلك في شهر ذى القعدة في العام السادس للهجرة والتي بايع فيها الصحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على قتال قريش وألا يفروا من أمامهم حتى الموت بسبب ما أشيع من أن الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قتلته قريش حين أرسله النبي محمد صلي الله عليه وسلم إليهم للتفاوض لما منعتهم قريش من دخول مكة المكرمة وكانوا قد قدموا لأداء العمرة لا للقتال فلما بلغ المسلمين إشاعة مقتل عثمان قال لهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا المسلمين للبيعة فبايعوا وفي يوم فتح مكة في شهر رمضان في العام الثامن للهجرة كان النعمان علي رأس ألف وثلثمائة فارس من قبيلته مزينة وحمل راية قبيلته يومذاك وقد روى النعمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أحاديث منها ما رواه الإمام الترمذى وصححه عنه وكان نص هذا الحديث شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار إنتظر حتى تزول الشمس وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتولي الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إرتدت الكثير من قبائل العرب عن الإسلام ولكن النعمان بن مقرن رضي الله عنه ثبت على إسلامه فكان ثباته هذا من العوامل المؤثرة على قبيلته مزينة في ثباتها على الإسلام ومقاومتها المرتدين حتى عاد العرب إلى الإسلام حيث وقفَ هو وقومه من بنى مزينة وقفة حازمة كان لها أثر كبير في القضاء على فتنة الردة وكان الصديق قد أنفذ جيش أسامة بن زيد إلي أطراف الشام كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لتأديب القبائل التي قتلت أباه زيد بن حارثة في غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولي من العام الثامن للهجرة فطمعت قبيلتا عبس وذبيان اللتان إرتدتا عن الإسلام وكانت تسكنان قر ب المدينة المنورة وأرادتا أن تغيرا عليها وبالفعل جاءت جيوشهما ونزلتا على مشارف المدينة فأقام الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه حرسا على أطراف المدينة المنورة وأخذ يقوى دفاعاتها وعهد إلى الصحابة الكرام علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقَاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم لحراسة الطرق الجبلية المحيطة بها فكانوا يبيتون مع رجالهم خارج المدينة إستعدادا وتأهبا وبعد 3 أيام أغار بالفعل أهل الردة على المدينة المنورة ليلا وكان المسلمون بإنتظارهم فردوهم على أعقابهم ثم تبعهم الخليفة أبو بكر الصديق أثناء الليل علي رأس جيش المسلمين بنفسه وكان على ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن وفاجأهم عند الفجر لينزل بهم الهزيمة ويولون الأدبار فكان هذا أول فتح في حروب المرتدين.

وبعد القضاء علي الردة ووفاة الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق في شهر جمادى الآخرة عام 13 هجرية وتولي الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب والذى ما كاد يفرغ من دفن أبي بكر حتى دعا الناس إلى التطوع لحرب الفرس مع المثنى بن حارثة الشيباني في بلاد العراق من أجل تكثيف حملات المسلمين على أراضي السواد إذ لا بقاء لهم في تلك البلاد إذا لم تعزز قواتهم هناك بمدد قوى حيث كان الخليفة ابو بكر الصديق قبل وفاته قد إضطر أن يسحب نصف الجيش الإسلامي من بلاد العراق وعلي رأسه القائد المحنك عبقرى الحرب سيف الله المسلول خالد بن الوليد وأن يترك نصف الجيش الآخر تحت قيادة المثتي بن حارثة الشيباني وكان الهدف هو نجدة جيوش المسلمين الأربعة بالشام بعد أن تأزم موقفهم فغادر خالد العراق ومعه نصف الجيش في شهر صفر عام 13 هجرية متجها إلي الشام وذلك بعد أن هدأت جبهة العراق وأصبح المسلمون يسيطرون علي أراضي العراق غربي نهر دجلة وشرقي نهر الفرات من أقصي الجنوب حتي أقصى الشمال كما أن الفرس آنذاك كانوا مشغولين في الصراعات الداخلية ولم يتفقوا علي إختيار ملك عليهم بعد وفاة كسرى أردشير دون أن يترك وريثا لحكمه إلا أن الفرس كانوا منذ أواخر عام 13 هجرية قد بدأوا في تنظيم الأوضاع الداخلية لديهم وتم إختيار يزدجرد الثالث حفيد كسرى أبرويز ملكا عليهم وعين يزدجرد رستم قائدا عاما لجيش فارس وكلفهُ بأمر المسلمين فبدأ يعد العدة ويحشد الجند والسلاح من أجل خوض معركة فاصلة بين الفرس والمسلمين يترتب عليها إما طرد المسلمين من بلاد فارس في حالة إنتصار الفرس عليهم أو فتح الطريق أمام المسلمين للإستيلاء علي كتسفون العاصمة الفارسية ومنها يبدأ الزحف للإستيلاء علي باقي أنحاء بلاد فارس وأمام هذه التحركات الفارسية تراجع المثنى إلى منطقة ذى قار قرب الكوفة فنقض أهل الذمة في العراق العهود والذمم والمواثيق التي كانوا قد أعطوها لخالد بن الوليد بإستثناء البعض منهم فأخذ المثنى يطلُب الإمدادات من الخليفة عمر بن الخطاب الذي قال والله لأضر بن ملوك العجم بملوك العرب وخرج بنفسه في شهر المحرم عام 14 هجرية الموافق لشهر فبراير عام 635م ليعسكر في صرار على بعد ثلاثة أميال من المدينة على الطريق المتجه نحو العراق يريد قيادة الجيش الإسلامي بنفسه والذهاب للحرب لكن الصحابة أشاروا عليه أن يبقى في المدينة المنورة لأن ذهابه يتعارض مع المصلحة العامة وأشاروا عليه أن يعين قائدا للجيش يذهب بدلا منه وتقرر بعد التشاور تعيين الصحابي سعد بن أبي وقاص قائدا عاما للحملة والذى خرج في 4 آلاف جندى من المدينة المنورة ثم لحق به بعد خروجه 4 آلاف أخرى وإنضم إليه 3 آلاف من بني أسد فيهم طليحة بن خويلد الأسدى الذى تنبأ أيام الردة ثم عاد للإسلام وحسن إسلامه كما لحق به الأشعث بن قيس في 1700 من أهل اليمن وكان ضمن من إستجابوا لنداء الخليفة عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني .

ولما عسكر جيش المسلمين بالقادسية ووصل جيش الفرس إليها أيضا طلب الخليفة عمر بن الخطاب من القائد سعد بن أبي وقاص بإرسال وفد إلي كسرى يدعونه إلي الإسلام فإن أبى فالجزية وإلا فالمناجزة والحرب فقام بإختيار 14 رجلا ليكونوا الوفد العربي الإسلامي لكسرى فإختار 7 من أهل الرأى والمشورة و7 من أهل المهابة والقوة الجسدية ورجاحة العقل ويقول المؤرخون إن جميع أعضاء ذلك الوفد كانوا من العمالقة الذين يتجاوز طولهم المترين كان علي رأسهم الصحابي النعمان بن المقرن المزني حيث كان هو القائد الأعلى لوفد العمالقة الأربعة عشر ورافقه الصحابي حملة بن جوية وكان سيدا من سادات قبيلة كنانة العربية وإشتهر برجاحة عقله وحسن مشورته والمعنى بن حارثة الشيباني سيد قبيلة بني شيبان ووزير دفاعها وفارسها المغوار وأحد قادة الفتوحات الإسلامية في بلاد العراق وفارس وشقيق المثنى بن حارثة الشيباني أحد قادة الفتوحات الإسلامية في بلاد العراق وفارس أيضا وكان عملاقا من عمالقة العرب إشتهر بضخامة جسده وصلابة قتاله وكان رابع العمالقة الصحابي عطارد بن حاجب وكان خطيب قبيلة تميم العربية وهو الرجل الذي قدمته تميم خطيبا في وفدها لرسول الله صلي الله عليه وسلم وأبوه حاجب بن زرارة وكان إختيار عطارد لهذا الوفد إختيارا مهما فبالإضافة لفصاحته ورجاحة عقله كان عطارد هو الشخص الوحيد من أعضاء الوفد الذي دخل قصر كتسفون الأبيض وأخذ يصف لرفاقه في الوفد أثناء رحلتهم مدى عظمة بناء إيوان كسرى وكرسيه الذهبي وتاجه المرصع باللآلئ لكي لا ينبهر المسلمون بما قد يرونه في قصر كسرى فيظهر عليهم ذلك وكان العملاق الخامس سهيل بن عدى وهو من قادة الفتوحات الإسلامية في بلاد العراق وفارس وكان من أهل الرأى والمشورة في وفد الأربعة عشر وكان العملاق السادس الصحابي فرات بن حيان وكان كبير من كبراء قبيلة بكر بن وائل وكان من أعلم العرب بالطرق وكان بمثابة الدليل لوفد الأربعة عشر أما العملاق السابع فكان حنظلة بن الربيع كاتب رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد إشتهر بإسم حنظلة الكاتب وهو أحد أشهر خطباء العرب في الجاهلية وفي الإسلام على حد سواء وكان العملاق الثامن الصحابي المغيرة بن زرارة وهو زعيم من زعماء قبيلة الأسد العربية عرف بفصاحة لسانه ورجاحة عقله وهو من قام بتلقين ملك الفرس يزدجرد درسا في فن العزة العربية والكبرياء الإسلامي عندما قابله الوفد وكان العملاق التاسع بسر بن أبي رهم الجهني أحد أبطال معركة الولجة عام 12 هجرية مع خالد بن الوليد وكان فيها قائد أحد فكي عملية الكماشة المدمرة التي أطبقت على الجيش الفارسي لتهشم صفوفه وتسحقه سحقا طبقا للخطة التي وضعها عبقرى الحرب سيف الله المسلول خالد بن الوليد والتي مزقت جيش الفرس تمزيقا وأدت إلي فرار قائده الأندرزغر الذى تاه في الصحراء ومات عطشا وكان العملاق العاشر عاصم بن عمرو التميمي شقيق الفارس المغوار العملاق القعقاع بن عمرو التميمي الذى قال عنه سيدنا أبو بكر الصديق لا يهزم جيش فيه مثل هذا وإن صوت القعقاع في المعركة بألف رجل وكان كأخيه عملاقًا من عمالقة العرب ومن قادة الفتوحات الإسلامية في بلاد العراق وفارس مع خالد بن الوليد حيث كان قائدا للميمنة ثم مع سعد بن أبي وقاص أى منذ بدايتها وحتى نهايتها أما العملاق الحادى عشر فكان عمرو بن معديكرب الزبيدى الذى لقب بفارس العرب صاحب سيف الصمصامة الأسطورى أشهر سيوف العرب في التاريخ وكان عملاقا عظيم البنية قال عنه عمر بن الخطاب تعجبا من عظيم جسده الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمروا وكان العملاق الثاني عشر المغيرة بن شعبة الثقفي الحارس الشخصي لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهو بطل من أبطال الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس وكان عملاقًا عظيم الطول وكان شعره الطويل المسدل يزيد من هيبة شكله وكان أستاذ التفاوض مع الفرس بلا منازع حيث كان يتقن اللغة الفارسية بطلاقة ويتقن معها فن إذلال مجوس فارس ومقارعتهم الحجة بالحجة كما أنه كان واحدا من دهاة العرب الأربعة المشاهير مع عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وزياد بن ابيه وكان العملاق الثالث عشر الصحابي الأشعث بن قيس ملك قبيلة كندة قبل الإسلام وإسمه الحقيقي هو معد يكرب بن قيس بن معاوية الكندي وقد غلب عليه لقب الأشعث وكان عملاق من عمالقة معركة القادسية وكان العملاق الرابع عشر والأخير الصحابي الحارث بن حسان وهو الرجل الذي سأله رسول الله صلي الله عليه وسلم عن حديث عاد قوم هود وكيف هلكوا بالريح العقيم وكان سيدا من سادات ذهل بن شيبان من قبيلة بني بكر بن وائل وكان عملاقًا عظيم الطول .

وقام أيضا قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بإختيار أجود الخيول العربية الأصيلة لوفد العمالقة الأربعة عشر وقام هؤلاء بلبس أفضل الملابس وتقدموا ليعبروا بوابة كتسفون عاصمة الإمبراطورية الفارسية الساسانية والأرض من تحتهم ترتج إرتجاجا فخرج عامة الفرس من على أسطح منازلهم وشرفات نوافذهم وتدافعوا في طرقات المدينة لكي يلقوا نظرة على أولئك العمالقة الذين لم تر فارس في تاريخها رجالا مثلهم وقد وصفت لنا ذلك المنظر الأسطورى لعمالقة العرب الموحدين إحدى النساء الفارسيات اللائي أسلمن بعد ذلك بقولها فوقفنا ننظر إليهم ووالله ما رأينا أربعة عشر مثلهم قط يعادل الواحد منهم ألف رجل وإن خيولهم لتنفث غضبا وتضرب في الأرض ووقعت في قلوبنا المهابة فتشاءمنا ولما بلغ الوفد العاصمة الفارسية كتسفون تلكأ يزدجرد في إستقبالهم في البداية ولما دخلوا عليه سألهم ما جاء بكم وما دعاكم لغزونا والولوغ ببلادنا‍ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم إجترأتم علينا فأجابه النعمان بن مقرن ذاكرا له كيف بعث الله رسوله وما جاء به من عند الله من خير ودعاه إلى الإسلام قائلا ثم أمرنا أى الرسول صلى الله عليه وسلم أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء أى الجزية فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن إتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم وكان هذا الكلام من الصعب علي كسرى أن يسمعه فتملكه الغيظ وأجاب الوفد جوابا يغريهم بما عنده من مال وألبسة وطعام وبعد أخذ ورد غضب كسرى غضبا شديدا فخاطب الوفد قائلا بغلظة لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شئ لكم عندى وهنا إنصرف الوفد عائدا إلي القائد سعد بن أبي وقاص ولقد ترك الوفد لا سيما كلام النعمان أثرا معنويا سيئًا في نفس كسرى ورجاله ولهذا قال كسرى بعد مغادرة الوفد يخاطب رستم قائد الفرس ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء‍ ما أنتم بأحسن جوابا منهم ولقد صدقني القوم لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه ولما نشب القتال في القادسية أبلى النعمان فيها بلاء الأبطال الصادقين فلما نصر الله المسلمين على الفرس أرسله سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب بشيرا بالنصر في القادسية وبعد ذلك زحف المسلمون نحو كتسفون عاصمة الفرس وفتحوا في طريقهم بهرسير إحدى ضواحي كتسفون ثم عبروا نهر دجلة وإستولوا علي كتسفون ودخلوا إيوان كسرى الشهير وجعلوه مصلى لهم .

وبعد هزيمة كسرى في القادسية وفتح كتسفون أقام كسرى يزدجرد بمدينة مرو وهي بدولة تركمانستان حاليا بعد خروجه من كتسفون فارا بحياته وكان يتنقل من مدينة إلى أخرى ويعمل على إثارة أهل فارس وجمع كلمتهم للدفاع عن بلادهم وإعادة ما خسروه من بلاد فارس أمام العرب وأثمرت محاولاته في توحيد جهود الفرس وأهل الأهواز في سبيل صد عدوهم المشترك وتم تجهيز جيش فارسي بقيادة الهرمزان أحد قادة الفرس الذين فروا من معركة القادسية وقد أخبر قادة المسلمين في منطقة الأهواز وهي حاليا تقع جنوب غرب إيران وتطل علي الخليج العربي الخليفة عمر بن الخطاب بإجتماع كلمة أتباع كسرى على قتال المسلمين فما كان من الخليفة عمر إلا أن كتب إلى سعد بن أبي وقاص إبعث إلى الأهواز جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل ولينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره وتحرك النعمان بأهل الكوفة إلى الأهواز على البغال في عام 17 هجرية فلما وصلها بادر إلى مهاجمة جيش الهرمزان في مدينة رام هرمز غربي إيران فهزم الفرس وفتح المدينة ولجأ الهرمزان إلى مدينة تستر القريبة منها فسار النعمان بقوات الكوفة إليه وسارت قوات البصرة إلى تستر أيضا وكان أبو سبرة بن أبي راهم قائدا عاما على الجميع فإستولى عليها بعد حصار دام أكثر من شهر ثم خرج أبو سبرة لمطاردة المنهزمين إلى مدينة السوس وهي تقع جنوبي إيران حاليا ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وحاصر النعمان السوس ثم إقتحمها عنوة وتم أسر الهرمزان وإرساله أسيرا إلي الخليفة عمر بن الخطاب بالمدينة المنورة وقام سعد بن أبي وقاص بتعيين النعمان على كسكر وهي تقع بوسط العراق بين الكوفة والبصرة فكره النعمان منصبه الإدارى هذا وكتب إلى عمر يسأله أن يعزله لأنه لا يريد أن يكون موظفا ولا جابيا بل يريد أن يعيش في سبيل الله غازيا وفي ذلك الوقت كان يزدجرد قد إستطاع أن يحشد جيشا فارسيا ضخما في نهاوند بشمال غرب إيران حاليا وجعل الفيرزان قائدا له وبالطبع فقد بلغ ذلك الأمر الخليفة عمر بن الخطاب فقال أشيروا على أيها الناس برجل أوله ذلك الثغر غدا قالوا أنت أفضل رأيا وأحسن مقدرة قال أشيروا علي به وإجعلوه عراقيا قالوا يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم فقال أما والله لأولين أمرهم رجلا ليكونن لأول الأسنة إذا لقيها غدا فقيل من يا أمير المؤمنين فقال النعمان بن مقرن فقالوا هو لها وكان النعمان يومئذ بالبصرة ومعه قواد من قواد أهل الكوفة أمدهم بهم عمر فكتب إليه عمر بالخبر وإني قد وليتك حربهم فسر من وجهك ذلك حتى تأتي مدينة ماه بشمال غرب إيران حاليا فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها فإذا إجتمع لك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم وإستنصروا الله وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله .

وإلتقى جيش المسلمين بجيش الفرس في حرب شديدة قرب مدينة نهاوند وقيل كان ذلك في شهر رمضان عام 18 هجرية وقيل عام 21 هجرية وظلت المعركة يومين لم يستطع أحد الجيشين خلالهما أن يحقق النصر على الآخر وفي اليوم الثالث نجح المسلمون في أن يبعدوا الفرس عن مواقعهم ويدخلوهم خنادقهم وحصونهم ويحاصرونهم فيها وطال حصار المسلمين للفرس ففكر النعمان وجنده في حيلة يخرجون بها الفرس من حصونهم فأشار طليحة بن خويلد الأسدى رضي الله عنه بأن يوهم بعض المسلمين الفرس أنهم قد إنهزموا وينسحبوا من الميدان فينجذب نحوهم الفرس ويتركوا مواقعهم ثم ينقض عليهم الجيش الإسلامي كله مرة واحدة فيهزموهم بإذن الله وقام قائد الجيش النعمان بن مقرن بإعادة تنظيم جيشه وكان عدده ثلاثون ألفا وعبأ الكتائب وجعل على مقدمة الجيش شقيقه نعيم بن مقرن وعلى المجنبتين حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة أي علي الفرسان القعقاع بن عمرو التميمي وعلى الساقة مجاشع بن مسعود ونفذ الخطة التي أشار بها طليحة القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه مع بعض جنود المسلمين ونجحت الحيلة وظن الفرس أن في جيش المسلمين ضعفا فخرجوا وراءهم ليقضوا عليهم فإنقض المسلمون علي جيش الفرس وإندفع النعمان بن مقرن في صفوفهم يقاتل قتالا شديدا طامعا في النصر للمسلمين وفي الشهادة لنفسه ودعا الله قائلا اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وإقبضني إليك شهيدا وبالفعل نال النعمان أمنيته فسقط شهيدا في أرض المعركة بعد أن إنزلق فرسه بسبب الدماء التي غطت أرض المعركة فأصابه سهم في جنبه ولما زلق فرس النعمان به لمحه معقل بن يسار فجاءه بقليل من الماء فغسل عن وجهه التراب فقال النعمان من أنت قال أنا معقل بن يسار قال ما فعل الناس قال فتح الله عليهم فقال النعمان الحمد لله إكتبوا بذلك إلى عمر وكانت هذه هي آخر كلماته وفاضت روحه إلي بارئها وقبل أن تقع الراية من يده أسرع إليه أخوه نعيم وأخذ الراية منه ليواصل المسلمون جهادهم ويكتم نعيم خبر إستشهاد القائد ويتولي القيادة الصحابي حذيفة بن اليمان الذى أوصى النعمان بن مقرن له بقيادة الجيش من بعده ولما أظلم الليل وبعد أن إنهزم الفرس هربوا بدون نظام فوقعوا في واد فكان إذا وقع احدهم يقع معه ستة فمات في هذه المعركة 100 ألف أو يزيد حيث قتل في الوادى فقط 80 ألفا وهرب القائد الفارسي الفيرزان وعلم بهربه القعقاع بن عمرو فتبعه هو ونعيم بن مقرن فأدركاه في واد ضيق فيه قافلة كبيرة من بغال وحمير محملة عسلا ذاهبة إلى كسرى فلم يجد طريقا فنزل عن دابته وصعد في الجبل ليختفي فتبعه القعقاع راجلا فقتله وبذلك إنتهت المعركة بنصر كبير أعز الله به الإسلام والمسلمين وفي جو الفرحة تساءل المسلمون عن قائدهم فأجابهم نعيم قائلا هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة ووصل خبر الإنتصار في المعركة إلى المدينة المنورة وأيضا وصل معه خبر إستشهاد النعمان فصعد الخليفة عمر بن الخطاب المنبر ينعي للمسلمين ذلك البطل الشهيد ويقول وعيناه تذرفان بالدموع إنا لله وإنا إليه راجعون فيبكي المسلمون بالمدينة وهكذا سجل التاريخ يوما من أعظم أيام الإسلام يوم نهاوند ذلك اليوم الذي إستشهد فيه أمير نهاوند وقائد المسلمين فيها النعمان بن مقرن وفي نهاوند دفن النعمان في سهل ممتد تكسوه الأشجار العالية ودفن معه من إستشهد في ذلك اليوم الخالد وكان منهم إثنان من أبطال فتوحات بلاد العراق وفارس هما طليحة بن خويلد الأسدى وعمرو بن معديكرب الزبيدى وكانت هذه المعركة والتي سميت بفتح الفتوح هي حد النهاية للإمبراطورية الفارسية أو الساسانية فقد سقطت بعد إنتصار المسلمين فيها للأبد وأصبحت في ذمة التاريخ وظل بعدها كسرى يزدجرد آخر ملوك الفرس هائما علي وجهه ينتقل من مدينة لأخرى يستعدى ملوكها علي المسلمين حتي وصل إلي مدينة مرو ونزل ببيت طحان ويقال إن هذا الطحان قدم له طعاما وشرابا فأكل وشرب فسكر وأخرج تاجه فوضعه على رأسه فبصر به الطحان فطمع فيه فعمد إلى رحا فألقاها عليه فلما قتله أخذ تاجه وثيابه وألقاه في نهر المرغاب ثم عرف ماهويه حاكم المدينة خبره فقتل الطحان وأهل بيته وأخذ التاج والثياب وكان ذلك علي الأرجح في عام 31 هجرية في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وكانت هذه أيضا نهاية آخر ملوك الفرس .
 
 
الصور :
إيوان كسرى كسرى يزدجرد الثالث قلعة نهاوند، آخر معاقل الإمبراطورية الساسانية