بقلم دكتورة/ مروة عز الدين
دكتور فى الإرشاد السياحى وباحث فى الحضارة المصرية القديمة
عضو الجمعية المصرية للسياحة والصداقة بين الشعوب
الإتيكيت… كلمة تتكرر كثيراً ويفهم منها أو تدرج تحتها، مبادئ تهذيب النفس، والإهتمام بالمظهر، وحسن الضيافة، وآداب السلوك، وإحترام الآخر؛ فهو فن من أهم الفنون التي عرفتها البشرية، وأصل من أصول الحضارة المصرية القديمة له عدة قواعد وسلوكيات تمكن الإنسان من التصرف تجاه المواقف المختلفة، بصورة حضارية.
المصري القديم أول من عرف الأدب والاتيكيت والتعاليم الأخلاقية، فأداب السلوك قديم قدم التاريخ ونشأت مع نشأة الحضارة ووجهت نشاط الشعوب المتقدمة علي مراحل التاريخ من كل نواحي وجوانب التراث البشري الحضاري ؛أولى البرديات هي بردية(آني) وهي من مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة، يعود تاريخها إلى الأسرتين 21 و22، ومن هذه البردية نعرف الكثير عن آداب الذوق والسلوك، وما كان يراه المصريون في ذلك العصر من تكوين المجتمع وصلة الناس ببعضهم البعض، ويعتبر أول مرشد في آداب السلوك كتبه احد الحكماء في مصر القديمة تحت مسمي تعاليم (بتاح – حتب) ويرجع تاريخه إلي سنة 2400 ق.م .
وعلى ضوء ماسبق عرفت مصر فن الاتيكيت والبروتوكول منذ القدم وقد ظهر ذلك من خلال النقوش المرسومة على جدران المعابد وفي الوثائق القديمة، مثل كتاب الموتى ؛والتي تظهر إتباع سلوك بالغ التهذيب في زمن المصريين القدماء ؛ وهنا يجب التمييز بين الإتيكيت والبروتوكول؛ فالأول إختياري وهو فن إظهار السلوك البالغ التهذيب والصفات الحسنة بين الأفراد في المجتمعات، أما الثاني فهو بالمعنى نفسه، إنما له شكل إلزامي تفرضه أصول التعامل بين الدول وممثليها وسفرائها في العالم الدبلوماسي.
إعتمدت حضارة مصر القديمة على القيم الخلقية التى كانت ثابتة ومستقرة فى نفوس الناس يعملون بها ويحافظون عليها ويتمسكون بها فى صدق وقناعة ؛وكان لها تأثيرها المباشر أيضا فى حياتهم وسلوكهم حتى أنه يمكن القول بأن حضارتهم من زاوية معينة تعتبر فى المقام الأول حضارة أخلاقية .
يضم الاتيكيت مجموعة القواعد والمبادئ المكتوبة، وغير المكتوبة، والتي تنظم المجاملات والأسبقية، ومختلف المناسبات والحفلات والمآدب الرسمية والاجتماعية، وهذه القواعد والمبادئ تدل على الخلق القويم الذي يجمع بين الرقي، والبساطة، والجمال.
تناول فن الاتيكيت فى مصر القديمة على سبيل المثال بعض من الموضوعات التالية:
إتيكيت تربيــــــــة الأولاد والتعامل والاجتماعي
إتيكيت التعامل مع الاسرة و شريك الحياة
إتيكيت الولائم والحفلات
إتيكيت تربيــــــــة الأبناء والتعامل والاجتماعي
الإتيكيت هو قاعدة مهمة إستخدمها المصرى القديم في حياته اليومية، فنقلها من خلال الممارسة إلى أولاده ؛فإهتم بتربية أولاده وتعليم أطفاله فنون الإتيكيت وقواعده في سن مبكرة، من خلال الإرشاد والتوجيه والممارسة، فيكبرون وقد إنغرست هذه المبادئ في نفوسهم، لتنتقل من جيلٍ إلى جيل.
حرص المصرى القديم ألاَّ يبالي الطفل بمناداة من هم أكبر منه سناً بألقاب تسبق أسماءهم من باب اللياقة والاحترام؛ولأنه لا يعي ماذا يفعل، فإنه لا يحاسب على ذلك؛ لكن عندما يصل إلى مرحلة معيَّنة، فينبغي تعليمه أن ينادي الآخرين بألقاب مؤدبة للدلالة على حسن التهذيب والتصرف؛ فقديمًا كان من أصول الإتيكيت هو ترتيب ديوان الكهنة من الأكبر سنا احتراما له، فالأصغر، كما كان الإبن الأكبر في الأسرة المصرية القديمة هو من يحمي الأسرة ويحافظ على إخوته، وهذا سلوك مهذب ينبع من الإتيكيت السلوكي.
لم تغفل نصائح (بتاح - حتب) شيئا من فنون التعامل مع الآخرين، حتى طريقة الكلام وكيفية الجلوس، ففي سياق وصاياه يكتب (غض من طرفك حتى يحييك ولا تتكلم حتى يخاطبك، اضحك عندما يضحك، فإن ذلك يدخل السرور على قلبه، وسيقبل منك ما تفعله)؛فقد حرص الأباء على تهذيب أخلاق الأبناء فى الصغر قبل أن يغادروا المنزل إلى دار الحياة الكبرى حتى يصبحوا مدربين على فن حسن المعاملة والسلوك ويستطيعوا أن يتكيفوا مع الأخرين فى جو من المحبة والصداقة والنضوج والوعى .
إتيكيت التعامل مع الأسرة و شريك الحياة
حث (آني) في برديته المصري القديم على زيادة المحبة للأم والإشارة إلى دورها الكبير التي تقوم به في المجتمع المصري القديم، فيسجل: (احملها كما حملتك، لقد كنت عبئا ثقيلا عليها ولكنها لم تتركه لك، لقد ولدتك بعد شهور تسعة، ولكنها ظلت مغلولة بك، وكان ثديها في فمك ثلاث سنوات كاملة، وأدخلتك المدرسة لتتعلم الكتابة، وظلت تذهب إليك كل يوم كاملة إليك الخبز من منزلها)؛فإذا فحصنا فقرات من التعاليم والنصائح والحكم نجد أن جزء كبير منها يحث على واجبات الأبناء نحو الوالدين وإحترامهما وطاعتهما .
ولم يغفل المصرى القديم فكرته عن فن إتيكيت التعامل مع شريكة حياته ؛فيتحدث إلى الشاب بعد زواجه فيقول : (عندما تتخذ لك زوجة وتستقر في منزلك فضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك، وكل ما فعلته من أجل تربيتك، ولا تجعلها ترفع يديها إلى الله لئلا يستمع إلى شكواها منك).
الإحترام المتبادل بين الزوجين واعتناء كل منهما بالآخر، ليسا مجرد تفاصيل صغيرة فى حياة المصريين القدماء يمكن الالتزام بها أو إهمالها وفقاً لظروف الحياة أو الحالة النفسية؛ فهذان الأمران ضروريان جداً وينبغي أن يكونا جزءاً من طقوس الحياة اليومية لما لهما من تأثير مباشر على الحياة الأسرية وضمان استمرارها طويلاً .
إتيكيت الولائم والمراسم
حرص المصرى القديم على إتباع قواعد الإتيكيت فى الولائم والاحتفالات وتجلى ذلك من أول مرحلة مراسم إستقبال المدعويين بتوزيع زهور اللوتس على الرجال والنساء وتبادل عبارات التمنيات والتحيات بين المدعويين ؛يليها مرحلة الجلوس وتبدا بكبار المدعويين ورجال الدولة والضيوف ؛ فعن آداب المائدة فيقول (بتاح- حتب): (إذا كنت مدعوا إلى مائدة من هو أعظم منك، فخذ ما عسى أن يعطيه لك عندما يوضع أمامك، لا تنظر إلى ما هو أمامك، ولا تسدد نظرات كثيرة إليه لأن إجباره على الإلتفات إليك أمر تكرهه النفس).
من هنا أؤكد أن الإتيكيت والآداب المجتمعية لتناول الطعام هي أسلوب حياة منذ القدم ، وربما يعود تاريخها إلى العصر القديم و الذي كان أول من إخترع الأواني الفخارية لطهو الطعام وحفظه، وصناعة أدوات المائدة من الملاعق بأنواعها المختلفة والسكاكين لتقطيع الطعام منذ أكثر من 3 آلاف عام، ليبهر أجدادُنا العالم بتوثيق ذلك الإتيكيت على جدران المعابد هذا إلى جانب إتيكيت تنظيم مواكب النصر والإحتفالات وإستقبال الموكب وإصطفاف جموع الشعب للإحتفال بالنصر ..
يدفعنا مفهوم الإتيكيت إلى تساؤل قوي وهو لماذا لا نعود للوراء وهنا أعني تماما ما أقول.. لماذا لا نعود لعصر الرقي الأخلاقي والقيم المجتمعية العظيمة التي هي بالفعل في تراثنا العريق؟ فظاهرة (التربية الحديثة) التى نلجأ إليها جميعا الآن في تنشئة أطفالنا ليست بحديثة بل قديمة، ولكنها إتيكيت بالدرجة الاولى لتعامل الإنساني الراقي.
وفى النهاية..... لايمكن أن نختذل الحضارة المصرية القديمة فقط في تلك الصروح الشامخة التي أقامها أجدادنا الأوائل على ضفتي نهر النيل، بل شملت كل فروع العلم والفن والمعرفة، وأسهمت هذه الحضارة في خلق أدب إنساني أصيل، لا يزال إلى يومنا هذا يحتفظ بتفرده، بما يشتمل عليه من قيم ومثل عليا، وأيضا عادات وتقاليد وأعراف، تجلت هذه العادات والتقاليد في نقوش المعابد والمقابر، والبرديات.
إن تطبيق مبادئ الإتيكيت والبروتوكول دليل أكيد على احترام النفس البشرية وتقديرها ، هذه النفس التي فضلها الله سبحانه وتعالى على سائر المخلوقات حيث قال سبحانه وتعالى:" ولقد كرمنا بني آدم"، فإذا ما إرتقت النفس البشرية أقامت أعظم وأرقى الحضارات، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
ولأننا بصدد الدخول فى عصر الجمهوريه الجديده ، ونظراً لتحقيق الفوائد والمزايا العائده من تطبيق الإتيكيت فى سلوكياتنا وحياتنا اليوميه ، فأقترح أنه يجب دراسة مادة الإتيكيت والبروتوكول فى كافة المراحل التعليميه ، وذلك لضمان خروج جيل جديد راقى صاحب سلوك أنيق متطور فى مهاراته وقدراته ، منسجم مع الأخرين ومع البيئه التى يعشون فيها.
|