بقلم دكتورة / مروة عز الدين
مدرس بمعهد سيناء العالي للسياحة والفنادق –جنوب سيناء
باحث فى الحضارة المصرية القديمة
عضو الجمعية المصرية للسياحة والصداقة بين الشعوب
- من منطلق واجبى كدكتور فى الإرشاد السياحى وباحث فى الحضارة المصرية القديمة وشاهدة على توجيهات وحرص فخامة السيد رئيس الجمهورية /عبد الفتاح السيسى وإهتمامه بحماية كيان المجتمع والأسرة المصرية من خلال قرارات سيادته الواعية نحوتحسين الحزمة الإجتماعية والإقتصادية والنفسية للأسر المصرية ؛ فإسمحوا لى أن أنقل وجهة نظرى بوضوح من خلال دراساتى الأكاديمية نحو إلقاء الضوء على دور منظومة الحياة الأسرية المصرية فى مصر القديمة ومدى تأثيرها فى مجال الوعى الإجتماعى للأسر المصرية المعاصرة.
-وبناء على ماسبق فإن فكرة قيام مجتمع متماسك البناء تربط بين أفراده روابط وعادات وتقاليد راسخة عرفت فى مصر القديمة؛ وأثرت فى المجتمع المصرى القديم بأن جعلت المجتمع بعيد عن المشاكل والانحرافات التى تعرفها بعض المجتمعات المعاصرة الأن.
-عرفت الأسرة قديما بأنها النواة الحقيقية للحياة ؛فقد إعتزت مصر القديمة بتقاليدها وعاداتها المتوارثة التى تنظم حياة المجتمع عامة والأسرة خاصة؛ فبدت لنا هذه التقاليد وكأنها تضارع الأهرامات فى رسوخها وثباتها ؛فكان البيت هو مهد التربية ومدرستها الأولى ؛ ففى البيت يتعلم الطفل المشى والكلام والأكل والشرب والملبس ؛ومنه يقتبس العادات وقواعد السلوك والأداب وأسلوب التعامل ؛ فالتمسك بالقيم الأخلاقية والفضائل والمثل العليا التى كانت ثابتة الأركان فى حياة المصريين القدماء وكان لها الأثر الكبير فى تزكية نفوسهم وتمسكهم بالمبادئ والفضائل كان لها تأثير مباشر فى حياتهم وسلوكهم فهى حضارة أخلاقية ليس لها مثيل فى الحضارات الأخرى .
وليس أدل على مدى إهتمام المصريين القدماء بدور التربية الأولى للطفل ؛هو ماتم ذكره من شهادة المؤرخين اليونان( ديودور الصقلى ) فيقول "إن ما يميز حياة المصريون أن الطفل عندهم يلقى حظه الكامل من التربية "؛هذا إلى جانب العديد من المناظر التى أبدعها الفنان المصرى القديم على جدران المقابر وكذلك تجسيد أوضاع بعض التماثيل للملوك والأفراد فى الفن المصرى القديم والذى أوضح لنا مدى الترابط الأسرى كأصدق وأعمق تصوير فى الفن المصرى القديم.
- علينا ان ندرك ونعى جيدا أن مفهوم منظومة الحياة الأسرية عند المصريين القدماء تمثلت فى كيفية الإحتفاظ بالتقاليد والعادات ودور الدين وتعاليمه التى كان لها الأثر الكبير فى حياتهم؛ فوقفت حائلا أمام كل تقليد أو عادة أجنبية قد تتسرب إلى المجتمع المصرى نتيجة لإتصالات مصر بالشعوب الأخرى المجاورة و التى لاتتفق مع تقاليد المجتمع المتوارثة ؛ولهذا ظلت تقاليدهم وعاداتهم الأصيلة المتوارثة هى السائدة طوال فترات تاريخيهم وإنصهر كل ماهو خارج وغريب عنها فى بوتقة هذه الأصالة المتأصلة .
- أظهرت النصوص المصرية القديمة أن الأسرة هى أساس المجتمع فى مصر القديمة؛ فسادت الروابط الأسرية التى تحكمها صلات الرحم والود والأحترام والوفاء وأهدت الأسرة المصرية القديمة للمجتمع المصرى خير عناصره فكان الأباء حرصين على أن يجعلوا من فلذات أكبادهم لبنة قوية فى البناء الإجتماعى وأحجارصلبه فى أساسه.
-كان يسود الأسرة الواحدة قديما عدة فضائل ؛وكان المصرى القديم شديد الحرص على إقامة علاقات أسرية ناجحة ؛ فعرفت الزوجة المصرية بالطاعة ؛وحسن العشرة والوفاء والسيرة الطيبة ؛فكانت دائما بجانب زوجها أينما وجد؛ فهى تبذل كل مافى وسعها لرعاية أسرتها والدليل على ذلك ماجاء فى بعض التعاليم من أهمية المحافظة على العلاقات القوية التى تربط بين الزوجين فيقول لنا الحكيم (بتاح – حتب ) لولده:
(أذا اصبحت رجلا معروفا فتزوج وأحبب زوجتك كما يليق لها وقدم لها الطعام وأستر ظهرها بالملابس فاسعد قلبها ماحييت ...... اجعل قلبها فَرِحًا ما دمتَ حيًّا، فهي حقل مثمر لولى امرها )؛ وهذا التشبيه الأخير جاء في القرآن بعد مضي خمسة وثلاثين قرنًا في قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) (سورة البقرة آية. ٢٢٢).
-كما إنعكس ذلك على التربية الدينية الضرورية للأبناء؛ فكانوا حريصين على تربية أولادهم وتعليم أبنائهم منذ الصغر على ماينفعهم فى حياتهم المستقبلية وما يجوز ومالايجوز وماهو حسن وضار وعندما يكبر النشئ ويصبح ناضجا ومسئولا عن تصرفاته يجب عليه إتباع تشريعات الاله والخضوع لإرادة الإله والدليل:
مجموعة النصوص الأدبية مما يسمى بأدب التعاليم والحكم فيقول (بتاح- حتب) من الأسرة الخامسة (ان ما اراده المعبود يتحقق....فاذا عزمت ان تحيا بالقناعة اتاك ماقدره لك ....والرزق وفق ارادة الاله والجهول هو من يعرض على ارادته)؛فكانت اولى الفضائل طاعة الوالدين والقدرة على حفظ اللسان فى كل المناسبات وأدب الحديث وحسن التصرف فى المجتمعات والأمانة فى أداء الواجب .
- المنظومة الأسرية الممتدة من مصرالقديمة كانت منتشرة قديماً بصورة أكبر، حيث يساعد الكبير الصغير، والصغير يحترم الكبير ويوقره، وتسود المحبة والمشاعر الطيبة بين الجميع؛ ويؤدي الجد دوراً مهماً في تعليم الأبناء والأحفاد وقواعد وعادات المجتمع المصرى فضلاً عن مساعدة الصغار ؛أما الجدة فتلعب دور الأب والأم معاً، وكانت تهتم بالأبناء وشؤون الأسرة، إيمانا منها بأهمية دور الأسرة الممتدة في تأسيس جيل متوازن قادر على العطاء.
ومن جهة أخرى يجب علينا أن ندرك وبلا شك الدور الذي تلعبه المنظومة الأسرية المتمثلة فى (الأسرة حديثا) فى مجتمعنا بإعتبارها النواة الأولى والأساسية للمجتمع في تنشئة الأفراد إجتماعيا، ودور أفراد الأسرة المكونة من الأب والأم والإبن إلى تحقيق المعادلة الصعبة في الترابط الأسري وتحقيق واجبات الأسرة، لينعم كلًا منهم بالسعادة الأسرية لأن سعادة الفرد من سعادة الأسرة والعكس صحيح، لذلك وفى ضوء جهود الدولة للحفاظ على الأسرة المصرية وعاداتها وتقاليدها الأصيلة؛ يجب على كل فرد في الأسرة بذل طاقة لا بأس بها لتحقيق تلك السعادة الأسرية، وذلك من خلال بعض واجبات الأسرة نحو الأبناء والتي تتمثل في:
•الأهتمام والعناية بالأبناء وتنشئتهم تنشئة سليمة صالحة.
•الأهتمام بالرعاية الصحية والنفسية والجسدية لهم وتوفير احتياجاتهم الطبيعية من مأكل وملبس ومشرب.
•الأهتمام بالناحية الدينية والتثقيف الديني للأولاد وذلك من خلال الخبرات الدينية للوالدين.
•متابعة الأبناء وإرشادهم للصواب والخطأ دون عقاب من الوالدين.
•تعزيز الثقة والاكتفاء الذاتي والطموح لدى الأبناء وذلك بدعم وتشجيع الوالدين لهم وتعزيز مشاعر الحب والثقة لدى الوالدين ومشاركتهم لابنائهم لتعزيز نفسيتهم وتنشئتهم تنشئة سوية متصالحة مع المجتمع.
•الحرص على الحوار الأسري بينهم والذى يُعد مدخلا أساسيًا للحفاظ على العلاقات بشكل ودي وسليم.
ولاشك أن الأسرة أول خلية يتكون منها البنيان الاجتماعى وهى أكثر الظواهر الاجتماعية عمومية وانتشار فلا ترى مجتمع يخلو بطبيعته من النظام الأسرى لأنها أساس الاستقرار فى الحياة الاجتماعية ؛ومن هنا فإن الأسرة هى بؤرة الوعى الاجتماعى والتراث القومى والحضارى فهى التى تنقل هذا التراث من جيل إلى جيل آخر وهى مصدر العادات والتقاليد والعرف والقواعد السلوكية والآداب العامة ، وهى دعامة الدين والوصية على طقوسه ووصاياه ويرجع إليها الفضل فى القيام بأهم وظيفة إجتماعية وهى عملية التنشئة الاجتماعية .
وفى النهاية أود أن أشير إلى أن من الأمور التى تستدعى النظر فيها جيدا هو أن ندرك أن ما بين الماضى والحاضر علاقة.. فالحاضر هو نتاج الماضى.. ولكى نعرف حاضرنا يجب أن نعرف ماضينا.. ومعرفة الماضى لا يمكن أن يكون إلا إذا ترك لنا من كانوا يعيشون فى الماضى ما يحكى تاريخ الماضى فنتعلم ؛وندرك أن (البيت الكبير) أو المنظومة الأسرية بمفهومها الحديث فى مجتمعنا اليوم يجب أن تكون صورة للتكاتف والتعاضد وحماية الأطفال من الثقافات الخارجية ليكونوا أكثر استعداداً لمواجهة تشعبات الحياة، ولديهم القدرة على التواصل مع الآخر والأسرة الممتدة ناقلة للقيم ومحافظة على العادات والتقاليد ،فبدورها تسهم في تأسيس جيل واعٍ ومستقرويضم هذا النسيج مجموعة أفراد يعيشون تحت سقف واحد، أو في بيوت متقاربة تجمعهم صلة الرحم.
ومن ضوء كل ماسبق ذكره ؛وجدت أن من أهم أثار المنظومة الأسرية فى مصر القديمة هو أن الأسرة ستظل هى المؤسسة التربوية الأهم فى مجتمعنا المصرى المعاصر والتى لا تغني عنها أو تقوم بوظائفها أية مؤسسة أخرى مهما كانت وأيا كانت بإعتبارها أنها اللبنة الأولى أو النواة التى تدور حولها كل المؤسسات التربوية ؛كما أنها المحضن الطبيعى للفرد الذى يتلقى من خلاله التجارب والإنطباعات الأولى؛الأمر الذى يعزز الوعى الأجتماعى للأسرة المصرية المعاصرة فى ظل الدخول فى الجمهورية الجديدة. |