السبت , 7 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

أمي الغالية .. كل عام وأنت الخير..
أمّ فارس

أمي الغالية .. كل عام وأنت الخير.. 
أمّ فارس
عدد : 03-2023
بقلم الدكتورة / ريم عبدالغني

ساعات سفر بدأ من بيروت.. ‏مرور سريع قرب طرابلس..‏
أنتعش ما أن ألج الحدود السوريّة..‏ ها أنا أخيراً داخل وطني.. ومتى فارقته روحي؟..‏
أرمي على عتباته أحمال الغربة.. أسترد وهج روحي.. ‏سمكة أُعيدت إلى الماء..‏
‏ رغم تشابه الطبيعة بين ساحلي سوريا ولبنان.. لكن ‏الطريق هنا يبدو كأنّّه يمتد داخلي..
كأن لي عند كلّ ‏شجرة حظوة.. وتحت كلّ ضوء يلوح بيت وأهل ‏محبّون..
‏ حقّاً.. »على ذرى بلدتي يستوطنُ القمرُ»..
‏*******
أختلس النظر إلى ساعة المحمول.. تأخّرنا قليلا في ‏الحدود.. لكنّها لم تتجاوز السابعة بعد.. آمل أن أصل ‏قبل أن تأوي إلى سريرها.. فأمّي تنام باكراً. ‏
أتحرّق شوقاً لرؤيتها..‏
‏ أبتسم وأنا أتذكّر سلسلة عمليّات التمويه المضحكة ‏التي قمت بها مند الصباح لأخفي عنها قدومي إليها.. ‏
ستكون هذه مفاجأتي لها.. في يوم عيد الأمّ..‏
‏****‏
قدماي تلمسان الرخام البارد.. حافية أتسلّق الدرج ‏بهدوء.. فأيّ صوت قد يُفسد المفاجأة.‏
‏ أضغط جرس المدخل.. يرقص قلبي على وقع ‏قدميها..
الباب الخشبيّ الطويل يُفتح..
ها هي قديستي ‏الحلوة في غطاء الصلاة الأبيض..‏
آه.. لا تكفي عشرات الصفحات لأصف تلك اللحظة ‏الدهر.. اختلاط صيحات فرحها بنحييها ودموعها ‏بضحكاتها..
قبل أن تأخذني بين ذراعيها.. وهي تردد ‏بحرارة: الحمدلله..‏
‏ كانتْ فرحة بقدومي إلى حدّ الارتباك.. ‏
كانتْ تحوم حولي كفراشة فرحة.. ‏
جذبتني من يدي يمنة إلى المطبخ..
حظّك حلو.. ‏تعالي لتري ما طهوته اليوم.. ‏
ثم يساراً
لا.. لا.. ربّما الأفضل أن تضعي حقيبتك ‏في غرفة النوم أوّلاً..‏
ثم عدلت عن هذا وذاك.. وقادتني وقد حزمت أمرها ‏أخيراً إلى غرفة الجلوس.. ‏
أجلستني في مقعدها الوثير المفضل.. وفوقه على ‏الحائط صورة والدي رحمه الله.. ‏
هرعت أمّي إلى المطبخ.. وخلال دقائق كان معظم ما ‏لديها من طعام وحلوى مرصوفاً على طاولة أمامي.. ‏وهذه طريقة أمّ فارس في التعبير عن الحب..‏
*******
تعلّقت بسماعة الهاتف تزف إلى أفراد الأسرة فرداً فرداً ‏بشرى وصولي، بل واتصلتْ بالبقال والجزار وكل من ‏تذكّرته.. لتطلب حاجيات تبدو كافية لإطعام حيّ ‏المشروع الذي نسكنه، وطبعا لتسأل بدهشة في معرض ‏حديثها -وكأنّ مجيء ابنتها حدث عالمي-
"ألم تعرف ‏يا أبو محمد أن ابنتي ريم قد وصلتْ؟ بلى.. هات ‏أفضل ما لديك"..‏
‏ كانتْ تريد من الدنيا كلّها أن تشاركها بهجتها ‏بقدومي..‏
*******
أمّي تحوم كنحلة منذ الصباح..
فبعد صلاة الفجر ‏وقراءة القرآن.. تبدأ طقوسها اليوميّة.. فنجان قهوتها ‏في غابتها على الشرفة.. وحوارها مع نباتاتها التي ‏تعتني بها منذ زمن طويل..
اعتادت أمّي أن تفشي لهم ‏بمكنوناتها.. لأنّها لا تثرثر كبقيّة النساء بأخبارها أو ‏أخبار غيرها لأحد.. ‏
تغمرك طاقة محبّة هائلة ما أن تلج باب بيتها الذي ‏تفوح النظافة والعطر من كلّ مساماته.. فهي كما يقال ‏عن السوريّات عموماً مهووسة بالنظافة.. لا ترتاح إلّا ‏حين تتلألأ شرفتها بالماء.. ‏
وبيتها مملكتها التي لا تحبّ مغادرتها.. لذا أضطر ‏لابتزازها عاطفيّاً في كلّ مرّة كي أقنعها بزيارتي في ‏بيروت أو دمشق لبضعة أيّام..‏فأمّ فارس تحترم نفسها.. ولا تحاول فرض قناعاتها أو ‏وجودها على أحد.. ‏
‏*******
‏ "يا بطّة"..أداعبها.. لأنّها بيضاء ومسالمة وممتلئة ‏كبطّة أسطوريّة..‏
نقيّة كغمامة.. لم تضع مساحيق تجميل قط.. ‏
ودائماً معطّرة.. ‏
فلّة محظوظة من شجرة شرفتها تنام كلّ ليلة بين طيّات ‏شعرها الحريري الأسود.. ‏
يُقال أنّها كانتْ من أحلى نساء المدينة ذات يوم..
أمّا ‏أنا فما زلت أعتبرها أجمل نساء الكون..‏
‏*******
لي عتب واحد عليها فقط.. هو أنّها لم تنجب أحداً منّا ‏برقيّها.. أو نبلها.. أو رفعة أخلاقها..‏
لذلك يحبّّّها الجميع.. وتربح أمّ فارس دوماً المنافسة ‏على قلوب من يعرفنا..‏
وبمحبّتها للناس.. وابتسامتها التي قلّما تفارق وجهاً ‏جميلاً يشع النور من قسماته.. بطيب استقبالها ‏وكرم ضيافتها.. ولسان اشتهر بعذوبة كلماته.. وبطبخها ‏الشهيّ.. صار بيتنا قبلة الأهل والمعارف.. ومقصداً ‏حتّى لأصدقائنا نحن الأولاد..‏
هذا لا يعني أنّها لم تكن حازمة وقت اللزوم.. خاصّة ‏حين كنّا صغاراً..
ففي نهاية نهارها المتعب -ولم تكن ‏كماليّات الحياة التي تساعد ربّة البيت قد شاعت ‏حينها- كانتْ ترتمي فوق كرسيها في غرفة الجلوس.. ‏مرهقة نصف مغمضة العينين.. بينما نلعب نحن فوق ‏السجّادة العجميّة القديمة التي أهدتها إيّاها جدّتي يوماً..
‏لم يكن ما تبقّى لديها من قوّة يؤهّلها لأكثر من أن ترمقنا ‏بصمت بنظرة ناريّة.. لكنّها كانتْ كافية لتعود الغرفة ‏فجأة إلى سكون قبيل بدء الخليقة.. ‏
‏ *******
كانتْ في الخامسة عشر.. حين تسلّلتْ وليلى، أختها ‏الكبرى، إلى عرس الجيران خفية عن أمّهما جدّتي وداد ‏التي كانتْ تستحم.. لم تقاوما إغراء الزغاريد والأنوار ‏التي تناهت من بيت العروس المقابل..‏
وهناك وقعتْ عليها عينا جدّتي درّيّة.. فاختارتها لولدها ‏البكر فؤاد.. أبي..‏
وفي نهاية عشريناتها من العمر كانتْ عفاف قد أنجبتْ ‏أولادها الخمسة.. ‏
أبي كان عصاميّاً.. بنى مملكته ونجح في حياته.. لأنّه ‏كان يحترم نفسه وكلمته وتجارته ويحترم الناس.. ‏
الشعر والنثر والتاريخ كانتْ محاور سهراتنا معه.. ‏وحفظتْ أمّي-ونحن أيضاً- عنه الكثير، وملأتْ مكتبتها بالكتب ‏المختارة التي تشرّبنا منها أساس المعرفة والأدب.. كان ‏حديثه مشوّقاً.. وصوته شجيّاً خصوصاً حين يغنّي ‏لكارم محمود"ما كانش عالبال تشغل بالي".. وطالما ‏غفوتُ في المقعد الخلفي لسيّارته حين كنتُ أرافقهما ‏في نزهتهما اليوميّة وهما يسمعان أغاني الطرب ‏الأصيل وربّما من هناك بدأ غرامي بأغاني أمّ كلثوم ‏وعبد الوهاب وليلى مراد وأسمهان و..‏
كانتْْ تحبّّه كثيراً وظلّ يردد حتّى وفاته "أمّكم ست ‏الستات".. وكانتْ هي تحترمه وتحرص على راحته.. وما ‏أن يصل البيت حتّى تبدأ بإلقاء الأوامر كقائد ‏عسكريّ.. فارس افتح لأبيك الباب وساعده في حمل ما ‏معه.. ريم ساعدي أباك في خلع حذائه.. رنا ‏الجلابيّة.. تعالي يا لينا ساعديني في تحضير مائدة ‏الغذاء.. باسل ألم تسمع أن أباك قد حضر؟ هيّا ‏لتجلس إليه.. ‏
يا أولاد رضى الأب من رضى الرب..
وويل لمن ‏يصدر صوتاً يفسد قيلولة أبي..‏
لم أعرف أحداً بحكمتها وتسامحها.. حتّى يوم تزوّج ‏أبي.. زواجاً انتهى بالندم والطلاق قبل سنوات من ‏وفاته.. لم تتغيّر أمّ فارس، ورغم كبرياء الأنثى الجريح ‏ظلّت شامخة وترفّعت حتّى عن العتاب.. بل وحين ‏تناهى إليها اعتراضات إخوتي الكبار.. زجرتهم
"تزوّج ‏عليّ وليس عليكم.. هذا أبوكم.. وقلْ ربّي ارحمهما كما ‏ربّياني صغيراً"..‏
*******
ما زال الأحفاد يجدون في حضنها الملاذ والجنّة.. كيف ‏لا وفي فضاء بيتها تنعدم كلّ السلطات والممنوعات؟
‏"دعي ميسان تلعب في الحديقة وما الضير لو اتسخت ‏ثيابها؟.. وماذا لو غمست يديها مع الخبز في اللبنة؟.. ‏سنغسلهما لاحقاً.. لماذا تتأففين من عودتها إلى ‏اللعب؟.. هل تريدين من ابنة الخمس أن تحمل مثلك ‏كتاباً وتقرأ لساعات؟..‏
أجل غمرتْ أطفالنا بالحب وربّّتهم بكلّ صبر وطيبة ‏وحنيّة الدنيا..‏
*******
‏ "إلى اللقاء إذا قدّره الله لنا".. ‏
تذوب صورهم في الدموع.. ‏
عطر الزهر ينساب من نافذة السيّارة المفتوحة.. ‏
قوس قزح من درجات الاخضرار.. وشلالات زهر ‏الليمون الأبيض.. اللاذقيّة جنّة في الربيع.. ‏
حدث ما كنتُُ أخشاه.. ها أنا أقع في غرامهما من ‏جديد، أمّي ومدينتي، ككل مرّة..‏
ثم -ويح قلبي- أغادر.. لأختبر ثانية ألم الرحيل ‏الأوّل..
يبدو أنّ الحياة سلسلة فراقات موجعة بين فراق ‏الرحم وفراق الروح للجسد.. درب تحفره الدموع.. "دموع ‏في فراق.. ودموع في لقا".. كما تغنّي ام كلثوم..‏
‏ أقرأ الفاتحة لروح أبي، رحمه الله، إذ طالما قال لي ‏مودّعاً: ‏
‏"وإذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأحباب كلّ في طريق"‏
‏*******
رائحة الأرض المندّاة ببقايا مطر آذار تجتاحني..‏
صوت الأذان من القرية البعيدة.. حيث خط البحر ‏الازرق..‏
نعبر نقطة حدود العريضة السوريّة.. إلى أرض ‏لبنان..‏
ألتفتُ ورائي..
هل ذلك الحاجز الهزيل هو حدود ‏الوطن؟
لا.. لا حدود للوطن.. ‏
‏ فهو هنا.. داخلنا.. مهما ابتعدنا..‏
 
 
الصور :