بقلم الدكتورة/ ريم عبدالغني
كم نشبه كل ما في الكون..
في أوّل العمر نندفع كنهر جارف .. مزهواً بقوته.. يسكب بعض مائه الوافر في أيّ ساقية تحلو له..
يجري وما من سبيل لإيقافه.. موقناً أنّه سيستمر في أوج عنفوانه إلى آخر الدنيا..
يحمل كلّ ما يجده في طريقه.. يخلق شلالات عند ما لا يحمله.. ويمضي منتشياً..
وعندما يتقدّم أو "يتأخّر" به العمر.. يبدأ النهر بالتباطؤ... فهو أيضاً تتعبه السنون..
يخبو حماسه.. يعبر أفواه السواقي الفاغرة بلا مبالاة.. يرمي أحماله تدريجاً.. هنا وهناك.. يخلّفها ورائه دون ندم.. يحرص على ما تبقّى له من قُطيرات.. يُكمل بها درباً لا يعرف متى نهايته وأين..
ومع أنّ نزعته الأولى للاتساع تقلّ.. وأنّه يلملم نفسه أكثر فأكثر في الحضن القديم.. لكنّه الآن "يرى" ما يمرّ على الضفّتين..
فحين يهدأ إيقاعنا.. "نسمع" و"نرى"..
نعمة ونقمة.. متعة الوعي وعذاب الإدراك..
كيف فاتته كل هذه الألوان والأحاسيس ؟.. كيف غاب عنه كل هذا الجمال طيلة الرحلة؟..
وما الحكمة في أن لا نُوهب الحكمة إلّا بعد انتهاء مدّة صلاحيّتها أو صلاحيّتنا؟...
كان في الستّين حين قال لي أبي رحمه الله مرّة: "يا ابنتي.. استمتعي بكل ما في الحياة قبل فوات الأوان.. لكِ اللحظة التي أنتِ فيها وحسب.. الآن أنا أفهم الدنيا.. الآن فقط "أعرف" كيف أعيش حقاً.. لكن جسدي لم يعدْ يواكبني..".
وبعدها بسنوات.. رحل أبي وقرب سريره اللائحة المعتادة لما ينوي أن يقوم به في اليوم التالي!!!..
لكنّ معنى كلماته لم يصلني إلا بعد عشرين عاماً.. حين بدأتُ "ألمح" الضفاف..
محزنٌ أنّ الأنهار في بداياتها.. يصمّها هديرها. |