بقلم الدكتورة / ريم عبدالغني
أيقظني صوت الطفل الرقيق... ولسعتني اللهجة السوريّة...
بائع الورد الصغير على الروشة... جعلتْ منه الظروف رجلاً في العاشرة... يبيع الورد كي يأكل وإخوته الأربعة...
تأملتُ وجهه الجميل، وعينيه العسليّتين اللتين تلتمعان بالذكاء... في ملامحه بعض من ملامح أبناء إخوتي..
«لا... لا أذهب إلى مدرسة... لم نعد نذهب إلى المدرسة... نحن من سوريّة... أصلاً المدرسة نفسها هُدمت بقذيفة...
كنّا نسكن في قرية قرب حمص... النار اشتعلتْ في الصفوف الأربعة... راحتْ كل الوظائف التي كتبناها...
أبي ذهب للحرب... وأمّي هربتْ بنا إلى هنا بعد تلك الليلة المخيفة من جهنّم... ثمّ عادتْ إلى حمص لتبحث عن أبي ومن بقي من أهلنا...
ذهبتْ في الفجر... قبل أيّام كثيرة... إخوتي كانوا نياما يومها،لكنّها أيقظتني قبيل رحيلها...قالتْ إّني رجل العائلة وعليّ أن أهتم بإخوتي في غيابها... لكنّها تأخّرتْ أليس كذلك؟... لا بأس... بالتأكيد ستعود»...
التقتْ عيناي بعينيّ صديقتي الدامعتين...
أدسّ النقود في كفه الصغير... يهزّ رأسه مستنكراً بأدب:
«لا سيّدتي، لا أريد إ ّلا ثمن الوردة... سألتِني فأجبتُ... آسف... لم أقصد أن أحزنك»...
يعدّ الليرات القليلة بعناية... يأخذ ثمن الوردة الذابلة... ويرسم ابتسامة شكر مكابرة، وهو يدع باقي النقود فوق السور الحجري القديم على جانب البحر... ويمضي...
تأمّلتُه يبتعد، ويتطاول ظلّه تحت أضواء الشارع...
تطاول ظلّه حتى فاق طول ليلة غربة... أجهشتُ بالبكاء...
أيّتها الحرب...
قتلتِ والديه... شرّدتِه وإخوته...
هدمتِ ما كان له من ماض ومستقبل... وها هو يرمي في وجهكِ بمال الشفقة...
أيّتها الحرب... ويحكِ...ألا تخجلكِ كبرياء يتيم جائع في العاشرة؟...
اللوحة للفنان عبد القادر النائب |