بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى والمعروف بإسم سفيان الثورى فقيه كوفي وأحد أعلام الزهد عند المسلمين وإمام من أئمة الحديث النبوى الشريف وواحد من تابعي التابعين وصاحب واحد من المذاهب الإسلامية المندثرة والذي ظل متداولا حتى القرن السابع الهجرى الموافق للقرن الثالث عشر الميلادى والذي قال عنه الذهبي هو شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله الثورى الكوفي المجتهد مصنف كتاب الجامع كما قال عنه بشر الحافي سفيان كان عندنا إمام الناس وكان في زمانه كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب في زمانهما وقال عنه شعبة بن الحجاج وإبن عيينة وأبو عاصم ويحيى بن معين وغيرهم سفيان الثورى أمير المؤمنين في الحديث وقال أيضا علي بن الحسن بن شقيق عن عبد الله ما أعلم على الأرض أعلم من سفيان وكان مولده خلال العصر الأموى في زمن الخليفة الأموى السادس سليمان بن عبد الملك بالكوفة عام 97 هجرية الموافق عام 716م وكانت الكوفة في ذلك العصر مركزا من مراكز العلم والسنة كما كانت تزخر بعشرات الأعلام من الأئمة والمحدثين والفقهاء والقضاة واللغويين وغيرهم فكان ذلك سببا عاما لتوجه الإمام سفيان الثورى رحمه الله العلمي وكان أبوه سعيد بن مسروق من محدثي الكوفة وثقاتهم وكان يعد من صغار التابعين وروى له أصحاب الصحيحين والسنن والمسانيد وكان من المجاهدين في سبيل الله حيث كان يشارك في الحملات التي كانت ترسل إلى إقليم خراسان كما يذكر أن جده مسروق شهد موقعة الجمل التي وقعت بالبصرة ببلاد العراق عام 36 هجرية في صفوف جيش الخليفة الراشد الرابع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضد الجيش الذى كان علي رأسه الصحابيين الجليلين واللذان كانا من العشرة المبشرين بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما وكان يلتقي بنسب الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم في الجد السادس عشر إلياس بن مضر بن نزار بن معد وقد كان لأم سفيان الثورى أثر كبير في تنشئته نشأة صالحة وتربيته على حب طلب العلم والإشتغال به وكانت تقول لولدها يا بني إطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي وكانت رحمها الله تتابعه على هذا السبيل وتنصحه فعن وكيع قال قالت أم سفيان له إذهب فإطلب العلم يا بني وإذا كتبت عشرة أحرف فإنظر هل ترى نفسك زيادةً في خشيتك وحلمك ووقارك فإن لم تر ذلك فإعلم أنها تضرك ولا تنفعك وقد طلب سفيان العلم وهو مراهق وكان يتوقد ذكاءا وصار إماما أثيرا منظورا إليه وهو شاب وحدثنا أبو المثنى فقال سمعتهم بمرو العاصمة الخراسانية يقولون قد جاء الثورى فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه وقال عبد الرحمن بن مهدى رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثورى مقبلا فقال وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وقد أخبر سفيان نفسه رحمه الله عن توقّد حافظته بقوله إني لأمر بالحائك فأسد أذني مخافة أن أحفظ ما يقول ولهذا كان يقول ما إستودعت قلبي شيئا فخانني وقد شهد له غير واحد من الأئمة بذلك وقيل إنه سمع الحديث النبوى الشريف من أكثر من ستمائة شيخ وعرض القرآن الكريم أربعة مرات علي شيخه حمزة بن الزيات بل وقال الوليد بن مسلم إنه قد رأى سفيان الثورى بمكة المكرمة يسأله الناس الإفتاء ولم يكن شعر لحيته قد نبت بعد .
وكان لسفيان الثورى رحمه الله مذهبه الفقهي الخاص الذى تبعه جمع من المسلمين مدة طويلة من الزمن وكان من أتباعه بشر الحافي المتوفي عام 227 هجرية الموافق عام 842م وبقي له أتباع في خراسان حتى زمن شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ثم إندثر وقد ذهب جزء كبير من آراء سفيان الثورى الفقهية حيث أوصى قبل وفاته إلى عمار بن سيف بأن يمحو كتبه ويحرقها وقد إعتمد الثورى في مذهبه الفقهي على ما صح عنده من الأحاديث كما إعتمد الثورى أيضا في مذهبه على مناهج أخرى مساعدة في بعض المسائل مثل الأخذ بإجماع العلماء كرأيه في مسألة إستئناف المرأة عدتها إذا طلقها زوجها ثم راجعها ثم طلقها قبل الدخول بها والإجتهاد كرأيه في جواز المسح على الخف وإن كان مقطوعا قطعا كبيرا والقياس كرأيه في صحة الظهار بغير الأم من المحارم ولو من الرضاع غير أن الثورى كان على مذهب أهل الكوفة في زمانه في النبيذ وكان في مذهبهم أن خمر العنب قليله وكثيره محرم بينما خمر غير العنب لا يحرم إلا إذا أسكر رغم ثبوت حديث نبوى شريف يقول كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وقد نفى عبد الرحمن بن مهدى المزاعم التي تقول بأن الثورى كان يشرب النبيذ حيث قال يزعمون أن سفيان كان يشرب النبيذ أشهد لقد وصف له دواء فقلت نأتيك بنبيذ فقال لا إئتني بعسل وماء وهكذا كان الثورى إماما في الزهد والخوف من الله وكان له مذهب متميز في ذلك فمما يذكر أن كثير من أهل الزهد كانوا قد إنتهوا في زهدهم إلى الجوع والتقشف الشديد والتفرغ للعبادة وترك العمل والكسب فأورث بعضهم أمراضا وأوجاعا وحاجة إلى الحكام والناس أما سفيان الثورى فقد كان متيقظا لعاقبة ذلك خاصة وقد فسد الزمان وإشتد الأمر فكان يقول كان المال فيما مضى مكروها أما اليوم فهو ترس المؤمن ويوما نظر إليه رجل وفي يده دنانير فقال يا أبا عبد الله أتمسك هذه الدنانير فقال له إسكت فلولاها لتحكم بنا الأمراء والملوك وقال حذيفة المرعشي قال سفيان الثورى لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس وكان رحمه الله يأكل الجيد من الطعام يتقوى به على طاعة الله وعبادته وقال عبد الرزاق الصنعاني لما قدم سفيان الثورى علينا طبخت له قدر سكباج وهو لحم يطبخ بخل فأكل منه ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل ثم قال يا عبد الرزاق إعلف الحمار حتي يشبع ثم قام يصلي حتى الصباح وقال أحد مريديه دخلت على سفيان الثورى وهو يأكل طباهج وهو اللحم المشرح ببيض فكلمته في ذلك فقال لم آمركم أن لا تأكلوا طيبا إكتسبوا طيبا وكلوا .
وعموما فيمكننا أن نبين مذهب الإمام سفيان الثورى رحمه الله في الزهد في كلمة جامعة حيث قال ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن ولكنه قصر الأمل وإرتقاب الموت وقال رحمه الله أيضا الزهد زهدان زهد فريضة وزهد نافلة فالفريضة أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتزين للناس وأما زهد النافلة فأن تدع ما أعطاكَ الله من الحلال فإذا تركت شيئا من ذلك صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله وإن أردتم أن تدركوا ما عند الله عز وجل فكونوا في هذه الدنيا بمنزلة الأضياف كما كان يقول أيضا المال داء هذه الأمة والعالم طبيب هذه الأمة فإذا جر العالم الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس وقال عنه شعبة بن الحجاج ساد سفيان الناس بالورع والعلم وقال قبيصة بن عقبة ما جلست مع سفيان الثورى مجلسا إلا ذكرت الموت وما رأيت أحدا كان أكثر ذكرا للموت منه وعن عقيدة الثورى نجد أنها كانت لها ملامح واضحة كلن يبينها في أقواله كعقيدته في الإيمان التي قال عنها الإيمان قول وعمل وعقيدته في عدم جواز القطع بالإقرار لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار إلا للعشرة المبشرين بالجنة لقوله في وصيته لشعيب بن حرب يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم وكلهم من قريش وعقيدته في مسألة صفات الله التي آلى ألا يخوض فيها ونصح بتمريرها كما هي وقد إتهم الثورى بأن فيه تشيع يسير رغم تقديمه لأبي بكر وعمر ذلك لكونه كان يقدم علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان وقد كان الثورى حاسما في آرائه حول الفرق التي عاصرته فقد روى أن رجلا جاءه فسأله رجل يكذب بالقدر أأصلي وراءه فقال سفيان لا تقدموه فقال الرجل هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره فأعاد قوله لا تقدموه لا تقدموه وجعل يصيح كما سمع عبد الله بن المبارك سفيان الثورى يقول الجهمية كفار والقدرية كفار وقال المؤمل بن إسماعيل سمعت سفيان الثورى يقول خالفتنا المرجئة في ثلاث نحن نقول الإيمان قول وعمل وهم يقولون الإيمان قول بلا عمل ونحن نقول يزيد وينقص وهم يقولون لا يزيد ولا ينقص ونحن نقول نحن مؤمنون بالإقرار وهم يقولون نحن مؤمنون عند الله كما كانت عقيدته في مسألة خلق القرآن الكريم التي نادت بها طائفة المعتزلة التي نشأت بالبصرة علي يد واصل بن عطاء بعد خلافه في بعض المسائل الفقهية مع الحسن البصرى واضحة حيث قال من قال إن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مخلوق فهو كافر .
وأما عن مذهب الإمام سفيان الثورى في العزلة نذكر بعض أقواله في إختيار العزلة والزهد في الناس حيث قال لعبد الله بن المبارك رحمه الله إياك والشهرة فما أتيت أحدا إلا وقد نهى عن الشهرة وقال رحمه الله أيضا ما رأيت للإنسان خيرا من أن يدخل جحرا وإن كثرة الإخوان من سخافة الدين وأقل من معرفة الناس تقل غيبتك وإن الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس وأول ذلك زهدك في نفسك وإن السلامة في أن لا تحب أن تعرف وإني وجدت قلبي يصلح بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مع قوم غرباء أصحاب صوف وعباء وربما يكون هذا لما في الخلطة من التعرض لتفاصيل حياة الناس التي لا تخلو من المنكرات وقد يكون لا يستطيع إنكارها في بعض الأحايين فيضيق صدره كما قال الإمام سفيان الثورى إنى لأرى المنكر فلا أتكلم فأبول أكدم دما ولكن إذا كانت الخلطة لابد منها فلابد إذن من القيام بالممكن من الأمر والنهي وقال شجاع بن الوليد كنت أؤدى الحج مع سفيان الثورى فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبا وراجعا وبخلاف زهده وورعه وتقواه كان الإمام سفيان الثورى عالما بالقرآن الكريم وتفسيره متقنا لقرائته فقد روى عنه أنه قال سلوني عن المناسك وعن القرآن الكريم فإني بهما عالم وقد عد له شمس الدين الداودى في كتابه طبقات المفسرين تفسيرا وصفه بالشهير وقال إن هذا التفسير الشهير رواه عنه أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدى وقد ختم سفيان الثورى القرآن الكريم عرضا على القارئ حمزة بن الزيات أربع مرات كما أسلفنا كما كان مستديما في قراءة القرآن الكريم فقد روى عبد الرزاق الصنعاني كان سفيان الثورى قد جعل على نفسه لكل ليلة جزء من القرآن الكريم وجزء من الحديث فيقرأ جزئه من القرآن ثم يجلس على الفراش فيقرأ جزئه من الحديث ثم ينام .
وعرف أيضا عن الإمام سفيان الثورى إنخراطه وإنعزاله عن الدنيا في الوقت الذى كان يقرأ فيه القرآن الكريم حتى قال عبد الرحمن بن مهدى كنت لا أستطيع سماع قراءة سفيان الثورى من كثرة بكائه وقد إعترف الكثيرون بفضل سفيان الثورى وأنزلوه منزلة عالية وإعترفوا بفضله فقد وصفه الذهبي بأنه شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه وقال عبد الله بن المبارك كتبت عن ألف ومائة شيخ وما كتبت عن أفضل من سفيان وقال أيوب السختياني ما لقيت كوفيا أفضله على سفيان وقال يونس بن عبيد ما رأيت أفضل من سفيان الثورى فقيل له لقد رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء ومجاهدا وتقول هذا قال هو ما أقول ما رأيت أفضل من سفيان وقال عبد الرحمن بن مهدى ما رأت عيناى أفضل من أربعة ما رأيت أحفظ للحديث من سفيان الثورى ولا أشد تقشفا من شعبة بن الحجاج ولا أعقل من مالك ولا أنصح للأمة من إبن المبارك وقال يحيى بن سعيد القطان ليس أحد أحب إلى من شعبة بن الحجاج ولا يعدله أحد عندى وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان الثورى وقال أيضا سفيان الثورى فوق مالك في كل شئ وقال عباس الدورى رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان الثورى أحدا في زمانه في الفقه والحديث والزهد والتقوى والورع وكل شئ وقال عبد العزيز بن أبي رزمة قال رجل لشعبة خالفك سفيان فقال دمغتني وقال المثنى بن الصباح سفيان عالم الأمة وعابدها وقال إبن أبي ذئب ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثورى وقال بشر الحافي كان سفيان عندنا إمام الناس وقال الإمام أحمد بن حنبل أتدرى من الإمام الإمام هو سفيان الثورى لا يتقدمه أحد في قلبي وقال سفيان بن عيينة جالست عبد الرحمن بن القاسم وصفوان بن سليم وزيد بن أسلم فما رأيت فيهم مثل سفيان وقال الأوزاعي لو قيل إختر لهذه الأمة رجلا يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم لإخترت لهم سفيان الثورى وقال يحيى بن أكثم كان في الناس رؤساء فكان الإمام سفيان الثورى رأسا في الحديث وأبو حنيفة رأسا في القياس والكسائي رأسا في القراء فلم يبق اليوم رأس في فن من الفنون وقال وكيع بن الجراح كان سفيان بحرا وقال أبو بكر الخطيب عنه كان إماما من أئمة المسلمين وعلما من أعلام الدين مجمعا على أمانته بحيث يستغني عن تزكيته مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد وقد عرف أيضا عن سفيان الثورى بأنه كانت له دقة عجيبة في الإستنباط والفقه فعن الفريابي قال رأينا سفيان الثورى بـالكوفة وكنا جماعة من أهل الحديث فنزل في دار فلما حضرت صلاة الظهر دلونا دلوا من بئر في الدار فإذا الماء متغير بشئ من النجاسة فقال ما بال مائكم هذا قلنا هو كذا منذ نزلنا هذه الدار فقال إدلوا دلوا من ماء البئر التي قبلكم فإذا ماء أبيض فقال إدلوا دلوا من بئر الدار التي شرقيكم فإذا ماء أبيض فقال إدلوا دلوا من بئر الماء التي غربيكم فدلوا دلوا فإذا هو ماء أبيض ثم قال إدلوا دلوا من ماء البئر التي شمالكم فدلوا دلوا فإذا هو ماء أبيض فقال إن لبئركم هذا شأنا كل ما حوله من الآبار نظيفة إلا هذ الذى أنتم فيها فحفرنا فأصبنا عرق كنيف ينزل فيها عرق من مرحاض إلى هذه البئر فتنزل النجاسة في البئر فقال منذ كم نزلتم هذه الدار فقلنا أربع سنين فأمر بإعادة صلاة أربع سنين وكان رحمه الله تعالى حكيما في تعليمه فكان يقول إذا كنت في بلاد الشام فإذكر مناقب الإمام علي لأن بعضهم في تلك البلد كانوا يسبون عليا وإذا كنت في الكوفة فإذكر مناقب الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لأن بعض المتشيعين في الكوفة كان يقع في أبي بكر وعمر وقال إبن المبارك رحمه الله تعجبني مجالس الإمام سفيان الثورى كنت إذا شئت رأيته في الحديث وإذا شئت رأيته في الفروع وإذا شئت رأيته مصليا وإذا شئت رأيته غائصا في الفقه .
وبعد إنتهاء العصر الأموى وقيام الدولة العباسية وبعد أن مات الإمام أبو حنيفة في سجون الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور الذى تولي الخلافة عام 136 هجرية الموافق عام 754م لرفضه تولي القضاء سأل المنصور عمن يلي أمر القضاء فأشاروا عليه بسفيان الثورى وأخبروه بأنه أعلم أهل الأرض فأرسل في طلبه لكنه تهرب وإضطر إلى الخروج من الكوفة إلى مكة المكرمة عام 155 هجرية الموافق عام 773م فأرسل المنصور في الأقاليم بمناد يقول من جاء بسفيان الثورى فله عشرة آلاف درهم ففر الثورى إلى البصرة وعمل هناك متخفيا في حراسة أحد البساتين حتى عرفه الناس وهموا به فخرج من البصرة إلى اليمن وهناك إتهم بالسرقة ودفع به إلى معن بن زائدة والي اليمن وكان عنده خبر من الخليفة المنصور بشأن طلب سفيان الثورى فقيل للأمير هذا قد سرق منا فقال لم سرقت متاعهم فقال سفيان الثورى ما سرقت شيئا فقال لهم الأمير تنحوا حتى أسائله وحتى أحقق معه ثم أقبل على سفيان فقال ما إسمك فقال عبد الله بن عبد الرحمن وأراد ألا يكذب ولا يذكر إسمه لأنه مطلوب عند الخليفة فقال الأمير ناشدتك بالله لمن إنتسبت فلما وجد أنه قد سأله بالله فكان لا بد أن يجيب فقال للأمير أنا سفيان بن سعيد بن مسروق فقال الأمير الثورى فقال نعم الثورى فقال الأمير أنت بغية أمير المؤمنين فقال أجل فأطرق الأمير ساعة يفكر ثم قال ما شئت أقم ومتى شئت فإرحل فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها يعني أحميك وأدافع عنك وكان معن بن زائدة فيه خير كثير وبعد ذلك رحل سفيان إلي مكة المكرمة مرة أخرى في موسم حج عام 158 هجرية الموافق عام 775م الذي تصادف أن جاء فيه أبو جعفر المنصور حاجا وبلغت أبا جعفر أنباء عن وجود الثورى بمكة المكرمة فأرسل إلى واليها يطالبه بالقبض على الثورى وصلبه فلما علم سفيان الثورى بالأمر تعلق بأستار الكعبة وأقسم على الله ألا يدخل الخليفة المنصور مكة المكرمة فإذا بالخليفة المنصور يمرض ويموت قبل أن يدخلها وخلف المهدى أباه المنصور فأرسل إلى الثورى وطلب منه كما طلب أبوه بأن يتولي القضاء وكتب لسفيان الثورى عهدا بذلك فرمى الثورى العهد في النهر وفر إلى البصرة مجددا وإختبأ في دار يحيى بن سعيد القطان ثم إنكشف أمره بعد أن توافد طلاب الحديث على الدار فعاد إلى الكوفة وتخفى في دار عبد الرحمن بن مهدى ورصد الخليفة المهدي جائزة لمن يأتيه برأس الثورى والذى ظل هائما يتنقل بين البلاد متخفيا وأرسل إلى الخليفة المهدى كتابا قال فيه طردتني وشردتني وخوفتني والله بيني وبينك وأرجو أن يخير الله لي قبل مرجوع الكتاب فمات سفيان الثورى قبل أن يأتيه كتاب الخليفة المهدى بالأمان وقد إستمر الإمام سفيان الثورى رحمه الله عابدا لربه مستمرا على العهد الذى بينه وبين الله علما وتعليما وعبادة .
وكانت وفاة سفيان الثورى في شهر شعبان عام 161 هجرية الموافق شهر مايو عام 778م عن عمر يناهز 62 عاما وهو متخف في دار بشر بن منصور السليمي وقال عبد الرحمن بن مهدى رحمه الله عن وفاته مرض سفيان بالبطَن فتوضأ تلك الليلة ستين مرة حتى إذا عاين الأمر نزل عن فراشه فوضع خده بالأرض وقال يا عبد الرحمن ما أشد الموت ولما مات غمضه وجاء الناس في جوف الليل وعلموا وقال عبد الرحمن أيضا كان سفيان يتمنى الموت ليسلم من هؤلاء يعني الأمراء فلما مرض كرهه وقال لي إقرأ علي سورة يس فإنه يقال إنها تخفف عن المريض فقرأت فما فرغتُ حتى توفاه الله فأُخرجت جنازته على أهل البصرة فجأة فشهدها جمع كبير من الناس وصلى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر بحسب وصيته وتم دفنه ليلا ولم يعقب سفيان الثورى ولدا حيث كان له إبن مات قبله فجعل كل شئ له لأخته وولدها ولم يورث أخاه المبارك شيئا وكان للثورى من الكتب الجامع الكبير والجامع الصغير والفرائض إضافة إلى رسالة تناقلها طلابه كان قد وجهها إلى عباد بن عباد الأرسوقي وكان نص هذه الرسالة فَإِنك في زمانٍ كان أَصحاب النبي صلي الله عليه وسلم يتعوذون أن يدركوه ولهم من العلم ما ليس لنا ولهم من القدم ما ليس لنا فكيف بنا حين أدركناه علي قلة علم وقلة صبر وقلة أعوان علي الخير وفساد من الناس وكدر من الدنيا ولذا فعليك فعليك بالأمر الأول والتمسك به وعليك بالخمول فإن هذا زمن خمول وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس فقد كان الناس إذا إلتقوا ينتفع بعضهم ببعض أما اليوم فقد ذهب ذاك والنجاة في تركهم فيما نرى وإياك والأمراء أن تدنو منهم وتخالطهم في شئ من الأشياء وإياك أن تخدع فيقال لك تشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإن ذلك خديعة إبليس وإنما إتخذها فجار القراء سلما وكان يقال إتقوا فتنة العالم الفاجر فإن فتنته فتنة لكل مفتون وما لقيت من المسألة والفتيا فإغتنم ذلك ولا تنافسهم فيه وإياك أن تكون كمن يحب أن يعمل بقوله أو ينشر قوله أو يسمع من قوله فإذا ترك ذاك منه عرف فيه وإياك وحب الرياسة فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة فتفقد نفسك وإحذر الرياء وسيأتي على الناس زمان يعرض على الرجل الخير والشر فلا يدري أيما ركب وإعلم أنه قد دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت والسلام وبعد فقد كان الإمام سفيان الثورى حقا من الرجال العظماء الذين أنجبتهم هذه الأمة وصاغهم دين الإسلام العظيم فكم نحن بحاجة أن نلتزم خطاهم وأن نسير على نهجهم القويم وأن نتمثل سيرتهم العظيمة وكم نحن بحاجة إلى إستعادة سير أسلافنا الماضين لنكون في العز كما كانوا أو نحاول ونحن نعلم أننا لن نكون مثلما كانوا لكن على الأقل لا يصلح أيها المسلمون أن تبقى سير العلماء مدفونة وأن يبقى أولئك الأجلاء الأعلام غير معروفين عند متأخرى هذه الأمة فهذه جريمة لا تغتفر فإن هؤلاء الصالحين قدوة يجب الكلام في سيرهم ونشر نهجهم وحياتهم حتى تعرف هذه الأمة الإمتداد الحقيقي لها وتعرف هذه الأمة أن لها سابقين وتعرف أنها متى قامت بالحق وعدلت بوأها الله المكانة المتقدمة التي ينبغي أن تكون عليها.
|