بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول الأنصارية ويقال لها أيضا المازنية وتكني بأم عمارة صحابية من قبيلة الخزرج وبالتحديد من بطن بني النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الجد الأول للنبي الكريم محمد صلي عليه وسلم وغير معلوم إن كان أبوها كعب بن عمرو بن عوف قد أدرك الإسلام أم لا وكذلك الحال بالنسبة لأمها الرباب بنت عبد الله بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك وإن كان بعض المصنفين يرجحون إسلامها ومشاركتها في غزوة أحد في شهر شوال في العام الثالث للهجرة وتضميدها لجراح إبنتها نسيبة في تلك الغزوة ولأم عمارة من الإخوة إثنان أولهما عبد الرحمن أحد البكائين الذين لم يكونوا يملكون ما يجعلهم قادرين على المشاركة في غزوة تبوك في شهر رجب في العام التاسع للهجرة ونزل فيهم قوله تعالى في سورة التوبة وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ كما ولاه النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم هو وعبد الله بن سلام على قطع نخيل بني النضير بعد طردهم من المدينة عقب غزوة أحد وشهد باقي الغزوات مع النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم وتوفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب وثانيهما هو عبد الله وقد أسلم وشهد غزوات النبي محمد صلي الله عليه وسلم كلها وتوفي في المدينة المنورة عام 30 هجرية وصلى عليه الخليفة يومها عثمان بن عفان فيما قال صاحب الطبقات أنه قتل يوم وقعة الحرة والتي كانت بين أهل المدينة المنورة ويزيد بن معاوية والأمويين وكان سببها أن أهل المدينة المنورة في عام 63 هجرية كانوا قد نقضوا بيعة يزيد بن معاوية لما كان عليه من سوء ولما حدث في معركة كربلاء ومقتل الحسين بن علي فطردوا والي يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومن معه من بني أمية من المدينة فأرسل على إثرهم يزيد جيش من الشام وأمر عليهم مسلم بن عقبة المرى فوقعت بينهم وقعة الحرة وإنتهت بمقتل عدد كبير من الصحابة وأبناء الصحابة والتابعين وكان ميلاد أم عمارة بالمدينة المنورة وغير معلوم لدينا متي ولدت بالتحديد وقد تزوجت قبل الإسلام من زيد بن عاصم الأنصارى وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة العقبة وغزوة بدر ثم غزوة أحد ولم تذكر كتب السير والتراجم شيئا عن وفاته وأنجبت له ولدين كان أولهما حبيب الذى شهد بيعة العقبة وغزوتي أحد والخندق وباقي الغزوات مع النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم والذى بعثه النبي إلى مسيلمة بن حبيب والذى عرف بإسم مسيلمة الكذاب في اليمامة لما إدعي النبوة فقطع مسيلمة الكذاب أطرافه وألقاه في النار حتى مات لما لم يشهد لمسيلمة الكذاب بالنبوة وكان ثانيهما عبد الله الذى أجهز على مسيلمة الكذاب بسيفه في معركة اليمامة في شهر شوال عام 11 هجرية بعد أن رماه وحشي بن حرب قاتل حمزة برمحه وقد قتل عبد الله يوم الحرة عام 63 هجرية وقد قال محمد بن إسحاق عن نسيبة بنت كعب وزوجها زيد وإبنيها وحضر البيعة بالعقبة إمرأتان إحداهما نسيبة بنت كعب بن عمرو وهي أم عمارة وكانت تشهد الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدت معه أحدا هي وزوجها زيد بن عاصم وإبناها حبيب بن زيد وعبد الله بن زيد وبعد وفاة زيد بن عاصم تزوجت أم عمارة بعده من غزية بن عمرو الأنصارى وكان أيضا ممن شهد بيعة العقبة وغزوة أحد وهو أخو سراقة بن عمرو وأنجبت له ضمرة الذى قتل في موقعة الجسر ضد الفرس ببلاد العراق في شهر شعبان عام 13 هجرية وبالإضافة إلي ذلك كان لأم عمارة ولد آخر يدعى تميم يختلف كتاب السيرة في نسبته إلى زيد بن عاصم أم لغزية بن عمرو .
وفي يوم أحد خرجت أم عمارة مع جيش المسلمين وأبلت بلاءا حسنا وجرحت 12 جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف وتروى أم سعيد بنت سعد بن الربيع دخلت علي نسيبة فقلت حدثيني خبرك يوم أحد فقالت خرجت أول النهار إلى أحد وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فإنتهيت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما إنكسر المسلمون وتراجعوا إنحزت إلى رسول الله فجعلت أباشر القتال وأذود عن رسول الله بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلي الجراح وأضافت أم سعيد فرأيت على عاتقها جرحا له غور أجوف فقلت يا أم عمارة من أصابك هذا قالت أقبل إبن قميئة وقد ولى الناس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فإعترض له مصعب بن عمير وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كان عليه درعان وكان ضمرة بن سعيد المازني يتحدث عن جدته أم عمارة قائلا كانت جدتي قد شهدت أحدا وقد خرجت لتسقي الماء وسمعتها تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت 12 جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف وكانت تقول إني لأنظر إلى إبن قميئة وهو يضربها على عاتقها وكان أعظم جراحها فداوته سنة ثم نادى منادى رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد لمطاردة جيش قريش قبل عودته إلي مكة المكرمة فشدت عليها ثيابها فما إستطاعت من نزف الدم ولقد مكثنا ليلتنا نضمد الجراح حتى أصبحنا فلما رجع رسول الله صلي الله عليه وسلم من الحمراء فما أن وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها فسر بذلك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم .
وبالإضافة إلي ذلك فقد أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الجبار بن عمارة عن عمارة بن غزية قال قالت أم عمارة قد رأيتني وقد إنكشف الناس عن رسول الله فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة وأنا وإبناي وزوجي بين يديه نذود عنه والناس يمرون به منهزمين ورآني لا ترس معي فرأى رجلا موليا معه ترس فقال لصاحب الترس ألق ترسك إلى من يقاتل فألقى ترسه فأخذته فجعلت أتترس به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل ولو كانوا رجالة مثلنا لأصبناهم إن شاء الله فيقبل رجل على فرس فضربني وتترست له فلم يصنع سيفه شيئا بي وولى وأنا أضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح مناديا إبن أم عمارة أمك أمك قالت فعاونني عليه وقد أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن عمرو بن يحيى عن أمه عن عبد الله بن زيد قال جرحت يومئذ جرحا في عضدى اليسرى حيث ضربني رجل كأنه الرقل ولم يعرج علي ومضى عني وإستمر الدم ينزف من جرحي لا ينقطع فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم إعصب جرحك فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح فربطت جرحي والنبي صلي الله عليه وسلم واقف ينظر إلي ثم قالت إنهض بني فضارب القوم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة قالت وأقبل الرجل الذي ضرب إبني فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا ضارب إبنك قالت فأعترض له فأضرب ساقه فبرك ثم رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتبسم حتى رأيت نواجذه وقال تقدمي يا أم عمارة ثم أقبلنا نعلوه بالسلاح حتى أتينا على نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذى ظفرك وأقر عينك من عدوك وأراك ثأرك بعينك وأخبرنا أيضا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله قال سمعت عبد الله بن زيد بن عاصم يقول شهدت أحدا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما تفرق الناس عنه دنوت منه أنا وأمي نذود عنه فقال إبن أم عمارة قلت نعم قال إرم فرميت بين يديه رجلا من المشركين بحجر وهو على فرس فأصبت عين الفرس فإضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضدت عليه منها وقرا والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر يتبسم ونظر جرح أمي على عاتقها فقال أمك أمك إعصب جرحها بارك الله عليكم من أهل البيت مقام أمك خير من مقام فلان وفلان رحمكم الله أهل البيت ومقام ربيبك يعني زوج أمه خير من مقام فلان وفلان رحمكم الله أهل البيت قالت إدع الله أن نرافقك في الجنة فقال اللهم إجعلهم رفقائي في الجنة فقالت ما أبالي ما أصابني من الدنيا وأردفت قائلة إنه لما نادى النبي محمد صلي الله عليه وسلم في أصحابه صبيحة يوم أُحد للخروج لمطاردة جيش قريش قبل عودته إلي مكة هممت بالخروج معهم لكني لم اقو على المشاركة في هذه المطاردة بعد أن أثقلتني جراح اليوم السابق يوم أحد .
وبعد غزوة أحد شاركت أم عمارة في غزوة بني قريظة وهي الغزوة التي قادها النبي محمد صلي الله عليه وسلم في السنة الخامسة للهجرة عقب غزوة الخندق على يهود بني قريظة في المدينة المنورة وكان السبب فيها هو غدر بني قريظة بالمسلمين في غزوة الخندق رغم العهود والمواثيق التي كانت بين المسلمين وبني قريظة ومحاولاتهم للهجوم على نساء المسلمين أثناء إنشغال الرجال في حماية المدينة حول الخندق ومحاولتهم فتح ثغرة لتمر الأحزاب منها لداخل المدينة المنورة والقضاء التام على المسلمين فأصدر الرسول صلي الله عليه وسلم أمره بالتوجه نحو ديار بني قريظة ومحاصرتها ولما طال الحصار إنتهي الأمر بإستسلام بني قريظة بشرط التحكيم فحكم عليهم سعد بن معاذ سيد الأوس الذي طلب بنو قريظة من الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم أن يحكمه فيهم لأنه كان حليفا لهم في الجاهلية ظنا منهم أنه سيكون في صفهم لكنه حكم عليهم كما قال النبي صلي الله عليه وسلم بحكم الله فيهم من فوق سبع سماوات فحكم فيهم بقتل المقاتلة من الرجال الذين خانوا العهد وسبي ذراريهم وتقسيم أموالهم وأراضيهم على المسلمين وتوزيع دورهم علي المهاجرين دون الأنصار وفي شهر ذي القعدة من العام الخامس الهجرى خرجت أم عمارة مع النبي محمد صلي الله عليه وسلم وكان بصحبته ألف وخمسمائة من المسلمين لأداء العمرة وقبل أن يدخل النبي محمد وأصحابه مكة أرسل عثمان بن عفان ليبلغ قريش أنهم جاءوا للعمرة لا للقتال فتأخر عثمان في العودة بالرد وإنطلقت إشاعة بين المسلمين بأن عثمان قد قتل فبايعوا النبي محمد بيعة الرضوان على الموت ثأرا لعثمان وكان فيهم أم عمارة وهي البيعة التي نزل فيها الوحي بقوله تعالى في سورة الفتح لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا كما قال النبي محمد عن من بايعه يومها لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وهو الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال عنه أنه حديث حسن صحيح وصححه الألباني وقد شهدت أم عمارة بعدئذ صلح الحديبية الذى عقد بين المسلمين وأهل مكة بعد عودة عثمان والذى نص علي عودة المسلمين إلي المدينة المنورة في هذا العام علي أن يعاودوا الحضور في العام التالي لأداء العمرة وبالفعل ففي شهر ذي القعدة من العام التالي 6 هجرية حضرت أم عمارة مع النبي محمد عمرة القضاء .
وفي شهر المحرم عام 7 هجرية شاركت أم عمارة في غزوة خيبر فبعد أن إطمأن الرسول صلي الله عليه وسلم من تحييد أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة وأمن منه تماما وهو قريش بعد صلح الحديبية أراد أن يؤدب ويقطع شوكة الجناحين الباقيين وهما اليهود وعرب نجد حتى يؤمن المدينة المنورة والمسلمين تماما ويسود الهدوء في المنطقة ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه ولما كانت مدينة خيبر والتي تقع شمالي المدينة المنورة هي الوكر الأساسي للدسائس والمؤامرات التي تحاك ضد المسلمين ومركز الإستفزازات العسكرية والتحرشات وإثارة الحروب ضدهم كانت هي الجديرة بإلتفات المسلمين آنذاك وبعد أن إستعد جيش المسلمين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم به وبالصحابة من المهاجرين والأنصار بروح إيمانية عالية مخلصين لله موقنين بالنصر مستبشرين بالغنيمة التي وعدهم الله إياها وهم في طريق عودتهم من الحديبية في قوله تعالى وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ولم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين وضعفاء الإيمان الذين تخلفوا في الحديبية بالخروج معه فلم يخرج معه إلا أصحاب الشجرة ونزل الجيش بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم بواد يقال له الرجيع وكان يقع بين خيبر وبين ديار قبيلة غطفان وذلك ليحولوا بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر بالإمدادت والأسلحة وكانوا قد سمعوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم لخيبر فجمعوا جموعهم وخرجوا ليظاهروا اليهود فلما ساروا مسافة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا فظنوا أن المسلمين قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم وأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين خيبر وكفى الله المؤمنين مؤونة قتالهم ولما أشرف الجيش الإسلامي على خيبر وقف النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويستنصره فقال اللهم رب السماوات السبع وما أظلَلْن ورب الأرَضين السبع وما أقلَلْن ورب الرياح وما ذرين ورب الشياطين وما أضللن نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ووصل المسلمون خيبر وروحهم المعنوية كأفضل ما يكون سموا وبذلا وتضحيةً في سبيل الله وكان قدومهم ليلا وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود إلي المسلمين فلما رأوهم قالوا محمد والله فقال النبي صلى الله عليه وسلم خربت خيبر وقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عنصر مفاجأة اليهود حين رأوا جحافل الجيش الإسلامي مرابطة أمام مدينتهم فأوقع ذلك الإضطراب بينهم وإرتدوا إلى حصونهم هاربين فزعين وتم فرض الحصار علي حصون خيبر وتأهب المسلمون لقتال اليهود وقد أخذوا أسلحتهم وأعدوا عدتهم لذلك وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستثير همم أصحابه لمواجهة أعدائهم وأن يحفز في نفوسهم البذل وحب الله ورسوله فقال لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وليس بفرار وفي هذا القول بين النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته شرطين رئيسين للحصول على النصر بإذن الله وهما حب الله تعالى ورسوله والثبات في المعركة وعدم التولي في الزحف تطلع الصحابة رضوان الله عليهم إلى نيل هذا الشرف وتمناه كل واحد منهم فقد روى الإمام البخارى رحمه الله في صحيحه فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ ثم سلمه الراية وأوصاه بدعوة اليهود إلى الإسلام قبل مداهمتهم وقتالهم فالدعوة إلى الله ليست في حال السلم فقط بل قد تكون والمسلم في قلب المعركة فالمسلم داع إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلا والدعوة إلى الله هي الأصل والهداية خير من القتل فقال له صلى الله عليه وسلم إنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم إدعهم إلى الإسلام واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم .
وهذه الوصية تظهر مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس ودخولهم في الإسلام حتى لو كان ذلك سببا في تفويت الغنائم على المسلمين وإلتقى الجمعان وأبدى المسلمون من ضروب الشجاعة والتضحية في سبيل الله ما أذهل اليهود وجعلهم يستميتون في الدفاع عن أنفسهم وعن حصونهم وفتح الله على رسوله أول حصون خيبر وهو حصن ناعم ثم فتح بعده حصن القموص ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفتح حصون خيبر واحدا تلو الآخر وكلما فتح حصنا يهرب شراذم اليهود إلى الحصن الذى يليه وجرت أثناء ذلك مبارزات عديدة أظهر فيها المسلمون شجاعةً وإقداما عظيمين وكان النصر فيها حليف المسلمين ورأى اليهود منهم ما زلزلهم وقذف الوهن في قلوبهم حتى إنتهى إلى آخر حصونهم الوطيح والسلالم فحاصرهم حصارا شديدا حتى إذا أيقنوا بالهلكة ورأوا أن الدائرة تدور عليهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم وأن يسالمهم ففعل ثم سألوه أن يبقيهم على زراعة أرض خيبر مقابل نصف ما يخرج من ثمارها فأعطاهم ذلك على أن يخرجهم متى شاء وكان النبي قد حاز الأموال كلها وجميع الحصون وحدث أن سمع من وراء خيبر من اليهود كأهل منطقة فدك وهي بمنطقة حائل حاليا بالمملكة العربية السعودية بما حدث لإخوانهم في خيبر فبعثوا للرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه الصلح فصالحهم وحقن دماءهم وعاملهم في أموالهم وأراضيهم كأهل خيبر علي أن يقوموا بها ولهم نصف الثمر وتم الصلح بينهم على ذلك وكانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب وكانت خيبر فيئا بين المسلمين وسر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمون بنصر الله تعالى وطابت نفوسهم برضاه تعالى عنهم وبما رزقهم من الغنائم وكانوا قد حازوا كثيرا من المغانم وأصابوا كثيرا من السبي وكان من جملة السبي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب والتي أسلمت رضي الله عنها وإصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وتزوجها فصارت من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وقد روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها وقد رافق فتح خيبر قدوم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من المهاجرين من أرض الحبشة فوافوا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتحه لخيبر وإنتصاره على اليهود فسر الرسول صلى الله عليه وسلم بقدومهم وظهر عليه شعور من الفرح الغامر فتلقاه وقبل جبهته وقال ما أدرى بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أو بقدوم جعفر وأشركهم في الغنائم مع المسلمين وقال أبو موسى الأشعرى رضي الله عنه وكان قد هاجر من اليمن فألقته وأصحابه السفينة في الحبشة فبقوا هناك مع جعفر رضي الله عنه والمهاجرين فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر فأسهم لنا أو قال فأعطانا منها .
وبعد فتح مكة أدركت قبائل هوازن وثقيف التي كانت تسكن قر ب مكة أنها غير متروكة وأن الدور عليها فعزمت على قتال المسلمين ومباغتتهم قبل أن يهاجموهم فسارع النبي عليه الصلاة والسلام في وضع الخطة المناسبة للمعركة بعد معرفة أعدادهم وعدتهم وقام مالك بن عوف قائد المشركين بجمع قبائل هوازن وثقيف وإلتحقت به قبائل نصر وجشم وسعد وبكر وعدد قليل من بني هلال في وادى أوطاس الذى يقع قرب وادى حنين بين مكة المكرمة والمدينة المنورة وخرج النبي صلي الله عليه وسلم في إثني عشر ألفا من الصحابة الكرام وحمل راية المهاجرين علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين وحمل راية الأنصار الحباب بن المنذر رضي الله عنه وكانت أم عمارة ضمن من شاركوا في هذه الغزوة من الأنصار وولى النبي على مكة المكرمة عتاب بن أُسيد رضي الله عنه وجعل معه معاذ بن جبل رضي الله عنه ليعلم من تبقى من الناس السنن والفقه والقُرآن الكريم ووصل المسلمون لوادى حنين وعسكروا فيه فبعث المشركون رجالا لإستطلاع أخبار المسلمين فرجعوا بحالة من الخوف والرعب ونصحوهم بالرجوع وتجمع الصحابة المهاجرون بالرايات السود والبيض والأنصار بالرايات الخضراء والحمراء حول النبي عليه الصلاة والسلام فأعجبتهم كثرتهم فقالوا لن نغلب اليوم من قلة ولبس النبي عليه الصلاة والسلام لباس الحرب وركب بغلته البيضاء وسار بهم نحو وادى حنين وحثهم على القتال وبشرهم بالنصر والفتح وأرسل عبد الله بن أبي حدرد لإستطلاع أخبار المشركين فذهب ورجع وأخبرهم بما سمع وشاهد وبدأ القتال بهجوم من قبيلة هوازن على المسلمين قُبيل مطلع الشمس فإنكشف بعض المسلمين للمشركين فولوا الأدبار فنادى النبي عليه الصلاة والسلام يشجع المسلمين على القتال ثم تقدم بحربته فإنهزم المشركون ثم نادى العباس بن عبد المطلب على الصحابة بالتجمع حول النبي عليه الصلاة والسلام للهجوم على المشركين ووقفت أم عمارة وفي يدها سيف تصيح في الأنصار أية عادة هذه ما لكم وللفرار ووقفت تقاتل ثم عاد المسلمون للقتال لما رأوا ثبات النبي محمد عليه الصلاة والسلام في قلة معه وإشتدت المعركة والنبي عليه الصلاة والسلام يتكلم ويبشر الصحابة ورمى الحصى في وجوه المشركين وهو يقول شاهت الوجوه أنا النبي لا كذب أنا إبن عبد المطلب وكان أن إجتمع المسلمون ثانية وهجموا هجمة واحدة على المشركين ومضى علي بن أبي طالب إلى صاحب راية هوازن فقتله وبعد مقتله كانت الهزيمة للمشركين وهكذا كتب الله النصر لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ولصحابته الكرام .
وبعد وفاة النبي محمد صلي الله عليه وسلم إرتدت بعض القبائل عن الإسلام فقرر خليفته أبو بكر الصديق قتالهم ودارت في معظم أركان الجزيرة العربية معارك عرفت بحروب الردة حيث أخرج أبو بكر عدد 11 جيش من المدينة المنورة لقتال المرتدين لقتال القبائل التي إرتدت عن الإسلام في شمال وشرق وجنوب شبه الجزيرة العربية وكان أن إلتحقت أم عمارة بالجيش الذى كان يقوده خالد بن الوليد والذى كانت مهمته قتال بني تميم ومن بعدهم بني حنيفة ومتنبئهم مسيلمة بن حبيب الذى كان قد قتل إبنها حبيب ومثل به وكان مسيلمة الحنفي قد إدعى أن النبي محمد صلي الله عليه وسلم قد أشركه في الأمر وكان مما قوى أمره شهادة رجال قبيلته الذين شهدوا كذبا أنهم سمعوا رسول الله يشركه في الأمر ووصل الأمر ببعضهم أنهم كانوا يشهدون بأن مسيلمة كذاب وأن محمدا رسول الله لكنهم كانوا يقولون كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر يقصدون النبي محمد صلي الله عليه وسلم وقد شاركت أم عمارة ومعها إبنها عبد الله بن زيد في قتال معركة اليمامة والتي كانت أعتى معارك حروب الردة وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وأبلت أم عمارة في هذه المعركة بلاءا حسنا وكان يوم اليمامة يوم شديد الهول ثبت فيه بنو حنيفة وقاتلوا عن أنفسهم وأحسابهم قتالا شديدا حتى إنكشف المسلمون وكادت الهزيمة تلحقهم لولا رجال من ذوى الدين والحمية الدينية الذين ثبتوا وصرخوا في الناس يا أصحاب سورة البقرة يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال وقال سالم مولى أبي حذيفة بئس حامل القرآن أنا إذا لم أثبت وأمرهم خالد بأن يمتازوا حتى يعلم من أين يؤتوا فأثارت هذه الصيحات روح الإستشهاد في نفوس المسلمين فحملوا على جيش مسيلمة حملة إستطاعوا أن يزحزحوا بها جيوشه عن موقفهم الأول ثم شد المسلمون حتى فر بنو حنيفة إلى الحديقة التي تسمي حديقة الرحمن وكانت منيعة الجدران فتحصنوا بها إلا أن المسلمين إستطاعوا أن يقتحموها بمعونة الصحابي البراء بن مالك الذى رفعوه فوق سور الحديقة برماحهم وإستطاع فتح بابها بعد أن هبط من فوق سورها ودخلها المسلمون وهم يكبرون ودارت داخلها معركة فاصلة كانت من أشد المعارك عنفا ودموية إنتصر فيها المسلمون وهزم أعداؤهم وقتل فيها مسيلمة وأربعة عشر ألفا من قومه وسميت هذه الحديقة بعد ذلك بحديقة الموت وقد إستشهد في هذه المعركة ألف ومائتا شهيد منهم زيد بن الخطاب والطفيل بن عمرو وأبو دجانة وسالم مولى أبي حذيفة وأبي حذيفة وعبد الله بن سهيل وغيرهم كثير من كبار الصحابة كما قتل فيها مسيلمة وكان قاتله هو وحشي بن حرب قاتل حمزة بن عبد المطلب فيما قيل بعد أن رماه برمحه كما شاركه في قتله عبد الله بن زيد إبن أم عمارة بسيفه وبذلك نجح في الثأر لأخيه الذى كان مسيلمة قد قتله لرفضه الإعتراف بأنه نبي وقد أصيبت أم عمارة في تلك المعركة بأحد عشر جرحا وقطعت يدها فبعث إليها خالد بن الوليد بطبيب كوى لها القطع بالزيت المغلي ولم تعمر أم عمارة بعد معركة اليمامة طويلا حيث كانت وفاتها في أواخر عام 13 هجرية في أوائل خلافة عمر بن الخطاب متأثرة بجراحها ودفنت في البقيع وكان مما روى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقدمت إليه طعاما فقال كلي فقالت إني صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا وربما قال حتى يشبعوا وأنها من شدة حرصها على إبتغاء ثواب عبادتها أنها أتت النبي محمد صلي الله عليه وسلم يوما وقالت له ما أرى كل شئ إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشئ فنزلت آية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا رحم الله أم عمارة رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته .
|