الأحد, 1 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

نجم الدين أربكان

نجم الدين أربكان
عدد : 10-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”


نجم الدين أربكان مهندس وسياسي تركي تولى رئاسة حزب الرفاه ورئاسة وزراء تركيا من الفترة بين عام 1996م وعام 1997م في عهد الرئيس سليمان ديميريل الذى شغل منصب رئيس الجمهورية ما بين عام 1993م وعام 2000م بعد وفاة الرئيس اذى سبقه تورجوت أوزال وكان معروفا عن نجم الدين أربكان أن له توجهات وميول إسلامية هو وحزبه حزب الرفاه أو حزب الرفاهية وهو حزب سياسي تركي تأسس في عام 1983م عندما سمح النظام العسكرى الذى كان يترأسه الجنرال كنعان إيفرين قائد إنقلاب عام 1980م والذى كان يحكم البلاد آنذاك بتأسيس الأحزاب السياسية حيث سارعت مجموعة علي رأسها نجم الدين أربكان إلى تكوين هذا الحزب والذى خاض جولات الإنتخابات البلدية والتشريعية منذ تأسيسه ولم يكن هذا الحزب هو أول حزب يقوم بتأسيسه نجم الدين أربكان حيث كان قد أسس قبل ذلك عدة أحزاب لكنها لم تصمد أمام الأحكام القضائية التي قضت بحلها لمخالفتها للنظام العلماني وتعرضه هو نفسه للسجن لنفس السبب وفي البداية حقق حزب الرفاه نتائج ضعيفة ففي أول محاولة حقق الحزب 1.5% من إجمالي الأصوات لكنه بعد ذلك حقق تقدما مضطردا عاما بعد عام حتي جاء عام 1994م حيث دفعت الإنتخابات البلدية التي أجريت في العام المذكور بالحزب إلى ساحة الإهتمام العالمي والإقليمي والمحلي نظرا لفوزه في أكثر من عدد 400 بلدية كان أهمها بلدية العاصمة أنقرة وبلدية إسطنبول كبرى المدن التركية وقد مثلت هذه الإنتخابات إرهاصا بتزايد شعبية حزب الرفاه ثم جاءت نتائج الإنتخابات التشريعية في شهر ديسمبر عام 1995م وفاز فيها حزب الرفاه بعدد 158 مقعدا وكان هذا الرقم يمثل خمس أعضاء المجلس التشريعي مما دفع بنجم الدين أربكان إلي منصب رئيس الوزراء في شهر يونيو عام 1996م في عهد الرئيس التركي سليمان ديميريل وكانت حكومته حكومة إئتلافية بمشاركة حزب الطريق القويم الذى كانت تتزعمه آنذاك السياسية التركية المعروفة تانسو تشيلر والتي شغلت في هذه الحكومة منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الشؤون الخارجية وكانت قد شغلت قبل ذلك منصب رئيس الوزراء من عام 1993م وحتي عام 1996م في عهد الرئيس سليمان ديميريل أيضا وكانت أول سيدة في تاريخ تركيا تتولي هذا المنصب وخلفها مسعود يلماز رئيس حزب الوطن الأم لمدة قصيرة حوالي 3 أشهر من شهر مارس عام 1996م وحتي شهر يونيو عام 1996م وذلك في حكومة إئتلافية مع حزب تانسو تشيلر ليخلفه نجم الدين أربكان والذى لم يستمر طويلا في منصبه حيث تمت إقالته بعد حوالي عام في شهر يونيو عام 1997م وتولي مسعود يلماز مرة أخرى منصب رئيس الوزراء ثم بعد حوالي عام آخر وفي عام 1998م تم حظر حزب الرفاه بتهمة إنتهاك علمانية الدستور .


وكان مولد نجم الدين أربكان في يوم 29 أكتوبر عام 1926م في مدينة سينوب والتي تقع في أقصي شمال وسط إقليم الأناضول من جهة البحر الأسود في المنطقة المعروفة تاريخيا بإسم أفلاجونيا والتي أصبحت محافظة مستقلة منذ القرن الرابع الميلادى بأمر من الإمبراطور الروماني دوميتيانوس وبعد أن أنهي دراسته الإبتدائية والثانوية إلتحق بكلية الهندسة وبعد تخرجه بدأ في مزاولة العمل السياسي في مدينة قونية والتي تقع في وسط جنوب إقليم الأناضول وكانت قد بلغت ذروة مجدها عندما كانت عاصمة الدولة السلجوقية قبل الغزو المغولي وتاريخيا فقد وقعت بها معركة قونية التي إنتصر فيها الجيش المصرى بقيادة القائد إبراهيم باشا إبن محمد علي باشا على العثمانيين عام 1832م وإكتسب نجم الدين أربكان شعبية واسعة وأصبح رئيسا لإتحاد النقابات التجارية وفي نفس الوقت لم يتوقف عن التحصيل العلمي ففي عام 1956م إستطاع الحصول على الدكتوراة من جامعة آخن الألمانية في هندسة المحركات وعمل أثناء دراسته في المانيا رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات كلوفز هومبولدت دويتز بمدينة كولونيا بشمال غرب المانيا وقد توصل أثناء عمله إلى إبتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود وحين عاد إلي بلاده كان أول ما عمله ولم يزل في عامه الثلاثين تأسيس مصنع المحرك الفضي بالإشتراك مع نحو ثلاثمائة من زملائه وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960م ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا وفي نفس الوقت إنتخب نجم الدين أربكان عضوا في مجلس النواب عن مدينة قونية لكنه منع من المشاركة في الحكومات المختلفة بسبب نشاطه المعادى للعلمانية وفي عام 1970م أنشأ حزب النظام الوطني بدعم من تحالف طريقته مع الحركة النورسية وهي جماعة دينية إسلامية أقرب في تكوينها إلى الطرق الصوفية منها إلى الحركات المنظمة ركز مؤسسها الشيخ سعيد النورسي وهو من الأكراد الأتراك علي الدعوة إلى حقائق الإيمان والعمل على تهذيب النفوس محدثا تيارا إسلاميا في محاولة منه للوقوف أمام المد العلماني الماسوني الكمالي الذى إجتاح تركيا عقب سقوط الخلافة العثمانية وإستيلاء مصطفي كمال أتاتورك على دفة الحكم فيها وكان هذا الحزب يعد أول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924م كما كان تأسيسه لهذا الحزب أيضا يعد أول إختراق جدى لرفض القوى العلمانية المهيمنة علي البلاد لكن لم يصمد حزبه سوى تسعة أشهر فقط حيث تم حله بقرار قضائي من المحكمة الدستورية بعد إنذار من قائد الجيش التركي آنذاك محسن باتور ولم ييأس أربكان فقد قام بدعم من التحالف ذاته بتأسيس حزب السلامة الوطني عام 1972م وأفلت هذه المرة من غضب الجيش ليشارك في الإنتخابات العامة ويفوز بعدد خمسين مقعد كانت كافية له ليشارك في الفترة من شهر يناير حتي شهر نوفمبر عام 1974م في حكومة إئتلافية مع حزب الشعب الجمهورى كنائب لرئيس مجلس الوزراء وهو المنصب الذى شغله السياسي التركي المعروف بولنت أجاويد في عهد الرئيس التركي فخرى قوروترك والذى علي الرغم من أنه كان من أشد المدافعين عن العلمانية إلا أنه إضطر للتحالف مع الإسلاميين لتشكيل حكومته الأولى وكان حزب الشعب الجمهورى الذى كان يترأسه أجاويد قد بدأ في تأسيسه الزعيم والرئيس التركي الأول مصطفي كمال أتاتورك في عام 1919م ليرعى المبادئ العلمانية كإتحاد لمجموعات الكفاح ضد الغزو اليوناني لإقليم الأناضول وقد مثل هذا الإتحاد جبهة موحدة للشعب التركي خلال حرب الإستقلال التركية ما بين عام 1919م وعام 1923م ثم أعلن عن الحزب كمنظمة سياسية في يوم 9 سبتمبر عام 1923م وكان هو الحزب الذى أعلن قيام الدولة التركية الحديثة في يوم 29 أكتوبر عام 1923م تحت مسمي حزب الشعب الجمهوري وكان لفترة من الزمن يعد هو الحزب الواحد في البلاد إلي أن سمحت السلطات الحاكمة بتأسيس الأحزاب السياسية في البلاد فيما بعد .


وأثناء تولي نجم الدين أربكان منصبه المذكور في السطور السابقة كنائب لرئيس مجلس الوزراء وفي عام 1974م شارك رئيس الحكومة بولنت أجاويد في إتخاذ قرار التدخل العسكرى في جزيرة قبرص والتي تقع بالبحر الأبيض المتوسط غربي قارة آسيا جنوبي تركيا وجنوب شرق اليونان وكان الإسم الكودى لعملية التدخل هذه والذى وضعته تركيا هو عملية أتيلا وكانت هذه العملية تعد غزوا عسكريا تركيا لدولة قبرص وقد بدأ التدخل التركي فيها في يوم 20 يوليو عام 1974م في أعقاب الإنقلاب العسكرى الذى حدث في قبرص في يوم 15 يوليو عام 1974م والذى كان بأمر من المجلس العسكرى الحاكم في اليونان آنذاك وقام به الحرس الوطني القبرصي بالإشتراك مع المنظمة الوطنية للمقاتلين القبارصة المعروفة بإسم منظمة إيوكاب حيث تم الإطاحة بالرئيس القبرصي رئيس الأساقفة مكاريوس الثالث الذى كان أول رئيس لقبرص منذ خروج الإنجليز منها عام 1955م والذى إضطر لمغادرة البلاد حينذاك وتم تنصيب نيكوس سامبسون رئيسا بدلا منه وكان الهدف من هذا الإنقلاب توحيد قبرص واليونان وإعلان جمهورية قبرص اليونانية وكان من نتائج الغزو التركي لقبرص أن إستولت القوات التركية على 3% من مساحة الجزيرة قبل إعلان وقف إطلاق النار كما كان من نتائج الغزو أيضا أن إنهار المجلس العسكري اليوناني وحل محله حكومة ديموقراطية وفي شهر أغسطس عام 1974م تم خرق وقف إطلاق النار وأدى غزو تركي آخر إلى الإستيلاء على نحو 37% من الجزيرة وأصبح خط وقف إطلاق النار بداية من شهر أغسطس عام 1974م منطقةً عازلةً تابعة لمنظمة الأمم المتحدة في قبرص ويشار إليه عادة بإسم الخط الأخضر والذي ما يزال يقسم قبرص وتشكيل إدارة قبرصية تركية مستقلة في الشمال وتم طرد نحو 150 ألف شخص يشكلون أكثر من ربع مجموع سكان قبرص والذين يشكلون ثلث سكانها القبارصة اليونانيين من الجزء الشمالي الذى تحتله تركيا وجدير بالذكر أن القبارصة اليونانيين يمثلون 80% من سكان الجزيرة ولاحقا وفي عام 1975م أى بعد أكثر من عام بقليل من الغزو التركي لقبرص نزح نحو 60 ألف قبرصي تركي من الجنوب إلى الشمال وإنتهى الغزو التركي بتقسيم قبرص على طول الخط الأخضر المشار إليه في السطور السابقة الذي تراقبه منظمة الأمم المتحدة وفيما بعد وفي عام 1983م أعلنت جمهورية شمال قبرص التركية إستقلالها ولا تزال تركيا هي البلد الوحيد الذي يعترف بها بينما يعتبر المجتمع الدولي إقليم جمهورية شمال قبرص التركية إقليما تابعا للجمهورية القبرصية تحت الإحتلال التركي ويعتبر أيضا الإحتلال التركي غير قانوني بموجب القانون الدولي ويعد إحتلالا لأراضي دولة من دول الإتحاد الأوروبي الذى أصبحت قبرص عضوا فيه منذ عام 2004م .


وبخلاف مشاركة أربكان في إتخاذ قرار الحكومة التركية بالتدخل في قبرص حاول أربكان فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي حيث حاول ضرب بعض أخطر مراكز النفوذ الداعمة للنهج العلماني حيث قدم بعد تشكيل الحكومة بقليل مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها وعلاوة علي ذلك فقد أسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي وأظهر أكثر من موقف مؤيد صراحة للشعب الفلسطيني ومعاد لدولة إسرائيل وبالفعل نجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان نظرا لسياسته المؤيدة لإسرائيل وحتى بعد خروجه من الحكومة فقد قدم حزب أربكان مشروع قانون إلى مجلس النواب التركي في صيف عام 1980م يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس الشريف وكانت هذه المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر وهو الأمر الذى إعتبر بمثابة إستفتاء على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان هذا وقد إعتبر من دافع عن مشاركة أربكان في الائتلاف أنه قد حقق مكاسب كبيرة لتيار الإسلام السياسي من أهمها الإعتراف بهذا التيار وأهميته في الساحة السياسية إلى جانب مكاسب إعتبرت تنازلات مؤثرة من قبل حزب الشعب الجمهورى وبعد بضعة أيام من المظاهرة المشار إليها في السطور السابقة وفي شهر سبتمبر عام 1980م تزعم قائد الجيش التركي كنعان إيفيرين إنقلابا عسكريا أطاح بالإئتلاف الحاكم وبدأ سلسلة إجراءات عنيفة كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني وتشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب السياسية وإعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين وكان رئيس الوزراء الأسبق بولنت أجاويد من بين من تم إعتقالهم آنذاك ومكث بالسجن عدة أشهر ثم أطلق سراحه وكان أيضا من بين من تم إعتقالهم نجم الدين أربكان والذى مكث في السجن ثلاث سنوات أى حتي عام 1983م حيث خرج في إطار موجة إنفتاح على الحريات في عهد حكومة تورجوت أوزال رئيس حزب الوطن الأم والتي تشكلت في العام المذكور 1983م وقام أربكان بتأسيس حزب الرفاه في نفس العام أيضا وشارك في إنتخابات نفس العام لكنه لم يحصل سوى على 1.5% من الأصوات لكنه لم ييأس إذ واصل جهوده السياسية حتى أفلح في الإنتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر عام 1995م وفاز حزب الرفاه بأصوات بنسبة 21% من أصوات الناخبين الأتراك بما يمثل 158 مقعدا من أصل عدد 550 مقعد في البرلمان التركي وفي شهر يونيو عام 1996م تحالف حزب أربكان مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر وشكل حكومة إئتلافية بزعامة أربكان وتشيلر التي تولت منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية .


وخلال الفترة التي تولي فيها نجم الدين أربكان منصب رئيس الحكومة التركية سعى إلى الإنفتاح بقوة على العالم الإسلامي حتى بدا وكأنه يريد إستعادة دور تركيا الإسلامي القيادى فبدأ ولايته بزيارة كل من ليبيا وإيران وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية وهي إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنجلاديش وماليزيا ولم يكتف أربكان بذلك بل نشط عبر العالم الإسلامي وحدد موعدا لمؤتمر عالمي يضم قيادات العمل الإسلامي وباتت تركيا تتدخل بثقلها لحل مشكلات داخلية في دول إسلامية كما حدث حينما أرسل وفودا لحل خلافات المجاهدين في أفغانستان وعلي الرغم من أن أربكان حرص على عدم إستفزاز المؤسسة العسكرية التركية التى كانت تعتبر نفسها الحارس الأمين والوصي المسؤول عن الحفاظ علي النظام العلماني في البلاد وحاول أربكان تكريس إنطباع بأنه لا يريد المساس بالنظام العلماني إلا أن سياساته قد سببت غضبا شديدا في أوساط المؤسسة العسكرية التركية ولكي يخفف من حدة هذا الغضب إضطر إلي التوقيع على الإتفاقيات المتعلقة بالتعاون مع إسرائيل بعد تأخير إستمر لمدة 10 أيام بعد تعرضه لضغوط شديدة من جانب المؤسسة العسكرية وصلت للتهديد بالإنقلاب العسكرى وهو ما كان معتادا في تركيا فيما شابه ذلك من أزمات ورغم ذلك لم يعهد عليه أنه زار أو طلب زيارة إسرائيل وبذلك لم يكن التقارب مع إسرائيل كافيا لإرتياح الجيش التركي من نجم الدين أربكان ومن ثم فقد قدم القادة العسكريون الأتراك إلى أربكان قائمة من الطلبات والإجراءات وطالبوه بضرورة تنفيذها فورا وكانت تتضمن ما وصفوه بمكافحة الرجعية وتستهدف وقف كل مظاهر النشاط الإسلامي المتزايد في البلاد سياسيا كان أم تعليميا أم متعلقا بالعبادات فكان أن إضطر نجم الدين أربكان إلى الإستقالة من منصبه كرئيس لمجلس الوزراء لمنع تطور الأحداث إلى وقوع إنقلاب عسكري فعلي يعود بالبلاد إلي الوراء لسنوات طويلة .


وفي واقع الأمر فإن الصدام بين حكومة نجم الدين أربكان ذات التوجهات الإسلامية وبين المؤسسة العسكرية التركية قد بدأ مبكرا وقبل مرور شهرين من توليه مهام منصبه ففي شهر أغسطس عام 1996م وخلال إجتماع مجلس الشورى العسكرى وجه أعضاؤه إنتقادات حادة وعنيفة للحكومة بسبب ما أسموه بالأنشطة الرجعية تزامنا مع تعالي أصوات حول تعرض نظام الحكم للتهديد في البلاد وبعد حوالي شهرين وفي شهر أكتوبر عام 1996م تسببت زيارات أربكان إلى كل من إيران ومصر وليبيا ونيجيريا في جدال حاد في البلاد ومع مطلع عام 1997م وفي شهر يناير من العام المذكور وخلال زيارة قام بها أربكان إلى ولاية قيصرى والتي تقع في وسط البلاد إستقبله أعضاء حزب الرفاه الذى يترأسه مرتدين زيا موحدا يغلب عليه الطابع الديني فتسبب ذلك في إنزعاج الجهات القضائية التي وصفت المشهد بأنه يتناقض مع قانون الأحزاب السياسية وطالبت النيابة العامة حزب الرفاه بإقالة كوادر الحزب في قيصرى خلال 30 يوما وإلا سيتم إصدار قرار بإغلاق الحزب وبالإضافة إلي ذلك فقد نظم بكير يلدز رئيس بلدية قضاء سنجان بالعاصمة أنقرة المنتمي إلى حزب الرفاه بالعاصمة أنقرة أمسية حول القدس شارك فيها السفير الإيراني في تركيا وألقى كلمة فيها مما أدى إلي إشتعال الجدال في البلاد من جديد حول ماهية وهوية نظام الحكم في تركيا وفي الأول من شهر فبراير عام 1997م فتحت النيابة العامة ونيابة محكمة أمن الدولة بأنقرة تحقيقين منفصلين حول رئيس بلدية حزب الرفاه لتنظيمه أمسية القدس وبعد أيام قليلة وفي يوم 4 فبراير عام 1997م طافت عدد 15 دبابة وعدد 20 عربة ومدرعة عسكرية في قضاء سنجان في مشهد إعتبر تحذيرا عسكريا للحكومة مما فتح الباب أمام التفكير في إحتمالية حدوث إنقلاب عسكرى في البلاد وكان أن أصدرت وزيرة الداخلية التركية آنذاك مرال آقشنار قرارا بإقالة رئيس بلدية سنجان وأرسل رئيس الجمهورية سليمان ديميريل خطابا إلى وزارة الداخلية يطالب فيه بإجراء تحقيق وتدقيق حول أنشطة التحزب الديني لدى البلديات وفي يوم 21 فبراير عام 1997م وعقب لقائه مع رئيس البلاد صرح أربكان بأن تركيا ليست لديها مشكلة حول نظام الحكم كما صرح وكيل رئيس الأركان التركي تشويك بير في فعالية للمجلس التركي الأميريكي بواشنطن بأن مرور الدبابات من سنجان كانت بمثابة موازنة للديموقراطية في بلاده وفي يوم 28 فبراير عام 1997م إجتمع مجلس الأمن القومي التركي برئاسة رئيس البلاد سليمان ديميريل وبحضور كل من رئيس الوزراء أربكان ونائبته ووزيرة الخارجية تانسو تشيلر ورئيس هيئة الأركان ووزيرى الدفاع والداخلية إضافة إلى عدد من كبار قادة الجيش وعدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين وإستمر الإجتماع تسع ساعات إلا ربع وتمخض عنه قرارات عززت من علمانية الدولة وتحويل مدارس الأئمة والخطباء إلى مدارس مهنية وعزل العسكريين المشتبه بهم في مشاركتهم بأنشطة رجعية وفتح الباب أمام عملهم لدى البلديات وخلال الشهر التالي مارس عام 1997م دعت تشيلر إلى تنفيذ مطالب العسكريين في ظل أصوات تنادي بإنسحاب الحزب من الحكومة الإئتلافية وبالتزامن مع ذلك عقد أربكان مؤتمرا صحفيا إنتقد فيه مساعي تشكيل حكومة جديدة مبينا أن مكان تشكيل الحكومة في البرلمان وليس في إجتماعات مجلس الأمن القومي ولاحقا شكل أربكان لجنة تنفيذية تشكلت من عدة وزراء من حزبه لمتابعة القرارات الأخيرة لمجلس الأمن القومي وبعد مرور حوالي شهرين وفي شهر مايو عام 1997م أصدر النائب العام لدى المحكمة العليا قرارا بحل حزب الرفاه بشكل دائم نظرا لتحوله إلى مركز للفعاليات والأنشطة المعادية للدستور ومبادئ العلمانية وفي الشهر التالي يونيو عام 1997م إتفق أربكان وتشيلر على إستلام الأخيرة رئاسة الحكومة وإشراك أحزاب أخرى فيها لحين إجراء إنتخابات مبكرة وقام أربكان بتقديم إستقالة الحكومة إلى رئيس البلاد سليمان ديميريل وفيما بعد وفي يوم 16 أغسطس عام 1997م صادق البرلمان التركي على قرارات التوصية الصادرة من إجتماع مجلس الأمن القومي لتشهد تركيا بعدها مرحلة سميت بإنقلاب ما بعد الحداثة .


وفي العام التالي 1998م تم حظر حزب الرفاه بحكم قضائي بات ونهائي وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة كان علي رأسها إنتهاك مواثيق علمانية الدولة وتم منعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية وقام بتأسيس حزب جديد بإسم الفضيلة بزعامة أحد معاونيه وبدأ يديره من خلف الكواليس لكن هذا الحزب تعرض للحظر أيضا في عام 2000م وفي العام التالي 2001م حدث أمر هام وهو إنفصال كل من رجب طيب أردوغان وعبد الله جول عن معلمهم أربكان وقاما بتأسيس حزب العدالة والتنمية وفي عام 2003م عاد أربكان من جديد ليؤسس بعد إنتهاء مدة الحظر حزب السعادة وكان من الملاحظ أن من أهم سمات سياسة الأحزاب التي أسسها أربكان بداية من حزب النظام الوطني الذى أسسه في عام 1970م مرورا بحزب السلام الوطني الذى أسسه في عام 1972م بعد حظر الحزب الأول وحزب الرفاه الذى أسسه عام 1983م ثم الحزبين الأخيرين المذكورين في السطور السابقة حزبا الفضيلة والسعادة وأيضا حزب العدالة والتنمية الذى أسسه كل من رجب طيب أردوغان وعبد الله جول أنها جميعا قد حاولت على الدوام التوفيق بين أيديولوجيتها الدينية والأسس العلمانية التي تأسست عليها الجمهورية التركية في عام 1923م وإتباع الآليات السلمية والوسائل والآليات المتاحة للوصول إلى السلطة وتحويل الخطوات التكتيكية إلى إستراتيجية بعيدة المدى لأسلمة الدولة والمجتمع دون الصدام مع المؤسسة العسكرية وقد نجح حزب العدالة والتنمية بفضل هذا الأسلوب في تحقيق نجاحات لم يكن يتوقعها أحد قبل نحو عقد من الزمن وكان من اللافت للنظر أنه خلال فترة تعدت الخمسين عاما أنه كلما تمكنت قوى الإسلام السياسي من تحقيق تحول كبير في بنية المجتمع والدولة حدث إنقلاب عسكري يضع حدا لهذا الصعود حيث شهدت تركيا سلسلة إنقلابات عسكرية أولها في عام 1960م ثم ثانيها في عام 1971م ثم ثالثها في عام 1980م وصولا إلى الإنقلاب ضد رئيس الوزراء نجم الدين أربكان عام 1997م وفي كل إنقلاب منها كان يتم حظر أحزاب الإسلام السياسي ووضع قادتها في السجون بل وإعدام بعض الشخصيات المؤثرة في الحياة السياسية التركية حتي من غير المحسوبين علي الإسلام السياسي كان منهم رئيس الوزراء عدنان مندريس ووزير خارجيته ووزير ماليته عقب إنقلاب عام 1960م الذي قاده الجنرال جمال كورسيل وفي عام 2003م تربص خصوم أربكان من العلمانيين به ليجري إعتقاله ومحاكمته في نفس العام بتهمة إختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل وحكم على الرجل بالسجن لمدة سنتين وكان يبلغ من العمر وقتها 77 عاما وعند هذا الحد وبعد رحلة كفاح طويلة قرر أربكان الخروج من العمل السياسي الفعلي وربما كان تقدم العمر أحد الأسباب لذلك لكن الزعيم الإسلامي كان يمكن أن يستمر في العمل السياسي إلى النهاية لولا الضغوط الشديدة والمتكررة التي تعرض لها من قبل التيار العلماني والتي إتخذت أشكالا مختلفة من الإنقلابات العسكرية إلى إستخدام القضاء والصحافة وشق صفوف أتباعه الذين لم يجرؤ أحد منهم على تكرار ما قام به زعيمهم .


وفي يوم 18 أغسطس عام 2008م أصدر الرئيس التركي عبد الله جول عفو رئاسي عنه بسبب تدهور حالته الصحية ولم يعمر بعد ذلك طويلا حيث توفي في يوم الأحد 23 من شهر ربيع الأول عام 1432 هجرية الموافق يوم 27 فبراير عام 2011م في أحد مستشفيات العاصمة التركية أنقرة عن عمر يناهز 85 عاما وشيعه ملايين الأتراك ومن ورائهم المسلمون في أصقاع العالم وذلك بمشاركة الرئيس عبد الله جول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي قطع زيارة رسمية لبعض دول أوروبا لحضور جنازة المعلم والمؤسس للحركة الإسلامية الحديثة في تركيا ورفيق دربه محمد رجائي قوطان إلى جانب زعماء إسلاميين كثيرين منهم المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف ورئيس حركة النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي وممثلون عن حركة حماس وزعماء إسلاميون عديدون والكثير من العلماء والقيادات الإسلامية في العالم وفي النهاية لا يفوتنا أن نؤكد أن نجم الدين أربكان كان قد فتح الطريق أمام حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية ليتصدر المشهد والحياة السياسية في تركيا وتتلمذت علي يديه قيادات الحزب المذكور والذين كان علي رأسهم رجب طيب أردوغان وعبد الله جول وخاض الحزب الإنتخابات التشريعية عام 2002م وفاز منه عدد 363 نائبا مشكلا بذلك أغلبية ساحقة في البرلمان التركي لكن لم يستطع أردوغان حينذاك ترأس حكومته بسبب تبعات الحكم عليه بالسجن في عام 1998م وتم حينذاك منعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للإنتخابات العامة بعدما إتهم بالتحريض على الكراهية الدينية بسبب إقتباسه أبياتا من شعر تركي أثناء خطاب جماهيرى رغم أن هذا الشعر الذي قرأه ورد في كتاب صادر عن إحدى المؤسسات الحكومية وأوصت وزارة التربية الوطنية التركية المعلمين به وكانت هذه الأبيات مساجدنا ثكناتنا قبابنا خوذاتنا مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا هذا الجيش المقدس يحرس ديننا وتولي بدلا منه رفيق دربه عبد الله جول وفي شهر مارس عام 2003م تولي أردوغان رئاسة الحكومة بعد إسقاط الحكم عنه وفي الإنتخابات التشريعية التالية التي أجريت في يوم 22 يوليو عام 2007م نال حزبه نسبة 46.6% من مجموع الأصوات وقام بتشكيل الحكومة الستين للجمهورية التركية بعدما نال ثقة الرأي العام التركي وبعد تولي أردوغان منصب رئيس الوزراء بداية من عام 2003م عمل على تحقيق الإستقرار والأمن السياسي والإقتصادي والإجتماعي في تركيا وإتخذ العديد من حزم الإصلاح التي وسعت الحريات الدينية وخففت إلي حد كبير قبضة العلمانيين والمؤسسة العسكرية علي الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية كما وسعت تلك الإجراءات أيضا حقوق الأقليات حيث أعاد لمدن وقرى الأكراد بجنوب شرق إقليم الأناضول أسمائها الكردية بعدما كان ذلك محظورا وسمح رسميا بالخطبة باللغة الكردية وعلى صعيد السياسة الخارحية تصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي دام عقود طويلة بين الأتراك والأرمن وكذلك فعل مع اليونان وإتخذ أيضا خطوات هامة في إيجاد حل دائم لقضية جزيرة قبرص وفتح جسورا بينه وبين دولة أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وأرسى تعاونا مع جارتيه العربيتين العراق وسوريا وفتح الحدود مع عدد من الدول العربية الأخرى ورفع تأشيرة الدخول وفتح أبوابا عديدة للتعاون الإقتصادى والسياسي والإجتماعي والثقافي مع عدد من البلدان العالمية وفضلا عن ذلك فقد وجه أردوغان إنتقادات حادة لإسرائيل التي كانت من أقوى حلفاء تركيا بسبب تعاملها مع الفلسطينيين ولا تلقى إنتقاداته لإسرائيل إستحسان قاعدته الإسلامية داخل بلاده فقط بل تحقق له الشعبية في الخارج أيضا .


وفي هذه الفترة الزمنية أصبحت مدينة إسطنبول العاصمة الثقافية الأوروبية عام 2009م وبهذه الخطوات التي إتخذها أردوغان كان قد قطع أشواطا كبيرة في طريق التحول الديموقراطي والشفافية ومكافحة الفساد كما تمكن من السيطرة على التضخم المالي الذي كان مشكلة مزمنة أعيت الحكومات السابقة عقودا طويلة مما كان يؤثر سلبا في إقتصاديات البلاد وحالة المجتمع النفسية وبذلك عادت للعملة التركية سمعتها بإزالة ستة أصفار منها كما قام بتخفيض نسبة الفوائد في مديونية الدولة وبذلك شهد دخل المواطن التركي زيادة ملحوظة وفي مجال العمران بنيت السدود والمدارس والمساكن والطرق والمستشفيات ومحطات الطاقة وغيرها بسرعة لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا وكانت هذه التطورات الإيجابية سببا في أن جعلت بعضَ المراقبين الأجانب والزعماء الغربيين يصفونها بالثورة الصامتة وقد أدى هذا الإستقرار الذى تحقق في البلاد إلى تحريك الديناميكيات الداخلية ليجعل من تركيا إحدى الدول المركزية في العالم إلى درجة أصبحت قوة تركيا السياسية وحجمها التجاري أمرا واقعا يمكن الإحساس بتزايده ليس على الصعيد الإقليمي فحسب بل على الصعيد الدولي أيضا وقد جدد رجب طيب أردوغان إنتصاره مرة أخرى في الانتخابات التشر يعية التي أجريت في يوم 12 يونيو عام 2011م بزيادة أصوات حزبه إلى 49.8% وبذلك تمكن من تشكيل الحكومة الحادية والستين وكرد فعل علي إنجازات رجب طيب أردوغان المذكورة في السطور السابقة فقد تم الإشادة به بإعتباره نموذجا لرجال الحكم الذين يجب أن يحتذى بهم في دول الشرق الأوسط الناشئة ومنحته المملكة العربية السعودية جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 1430 هجرية الموافق عام 2010م وقال عبد الله العثيمين الأمين العام للجائزة إن لجنة الإختيار لجائزة خدمة الإسلام التي كان يرأسها في ذلك الوقت ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز قد إختارت أردوغان لنيل الجائزة لقيامه بجهود بناءة في المناصب السياسية والإدارية التي تولاها ومن تلك المناصب أنه كان عمدة مدينة إسطنبول خلال الفترة من شهر مارس عام 1994م حتي شهر ديسمبر عام 1997م حيث حقق إنجازات رائدة في تطويرها وبعد أن تولَّى رئاسة وزراء وطنه تركيا أصبح رجل دولة يشار إليه بالبنان نتيجة نجاحاته الكبيرة ومواقفة العظيمة كرجل وطني وإسلامي وعالمي وقد تم منحه أيضا شهادة دكتوراة فخرية من جامعة أم القرى بمكة المكرمة في مجال خدمة الإسلام بتاريخ 23 من شهر ربيع الأول عام 1431 هجرية الموافق يوم 8 مارس عام 2010م وفي نفس العام وفي يوم الإثنين 23 من شهر ذي الحجة عام 1431 هجرية الموافق يوم 29 نوفمبر عام 2010م تسلم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان جائزة القذافي لحقوق الإنسان خلال الحفل الذي نظمته مؤسسة القذافي العالمية لحقوق الإنسان بمسرح فندق المهاري بالعاصمة الليبية طرابلس وقد بدأت مراسم هذا الحفل بكلمة عضو المكتب التنفيذي ورئيس لجنة الترشيحات للجائزة الدكتور أحمد الشريف تلتها كلمة رئيس اللجنة الشعبية الدولية لجائزة القذافي وليتم بعدها تسليم الجائزة والتي تشمل قراءة براءة الجائزة باللغة العربية واللغة التركية واللغة الإنجليزية ومما يذكر أن أردوغان قد زار ليبيا آنذاك للمشاركة في القمة الأفريقية الأوروبية الثالثة بصفته ضيف شرف بدعوة رسمية من الرئيس الليبي آنذاك معمر القذافي وقد تعرض لنقد شديد لتقبله نيل هذه الجائزة وتعرض أيضا لمعارضة ورفض الكثيرين من الساسة الأتراك وغيرهم والذين طالبوه بالتنازل عنها وفي عام 2014م فاز رجب طيب اردوغان بوسام التميز لأكثر الشخصيات تأثيرا في العالم من قائمة الملوك والرؤساء وكبار السياسيين خلال التصويت الذي دشنه المجلس الدولي لحقوق الإنسان والتحكيم والدراسات السياسية والإستراتيجية .


وفي يوم الأحد الموافق 10 أغسطس عام 2014م إنتخب الشعب التركي رجب طيب أردوغان رئيسا للجمهورية التركية فصار الرئيس الثاني عشر في تاريخ تركيا وعقب إعتماد التعديل الدستوري في الإستفتاء الذى أجرى في يوم 16 أبريل عام 2017م والذى بموجبه تم تمهيد الطريق لإمكانية إنتماء رئيس الجمهورية التركية إلى حزب سياسي ومن ثم أعيد إنتخاب رجب طيب أردوغان في المؤتمر الإستثنائي الثالث الذي عقد بتاريخ 21 مايو عام 2017م رئيسا لحزب العدالة والتنمية والذي يعد أحد مؤسسيه بالإشتراك مع رفيق دربه عبد الله جول ومجددا وفي يوم الأحد 24 يونيو عام 2018م إنتخب أردوغان مرة أخرى في الإنتخابات الرئاسية التي أجريت رئيسا للجمهورية بنسبة 52.59% من أصوات الناخبين وقام الرئيس أردوغان بأداء اليمين الدستورية بتاريخ 9 يوليو عام 2018م ليتولى منصبه الجديد في نفس اليوم كأول رئيس للجمهورية وفق نظام الحكومة الرئاسية الذي دخل حيز التنفيذ في أعقاب إعتماد التعديلات الدستورية المشار إليها في السطور السابقة وخلال الفترة الزمنية التي تقلد فيها أردوغان منصبه كرئيس للجمهورية أشرف علي إحياء التقاليد العثمانية التي تم تجريد تركيا منها وكان أردوغان خلال الفترة التي تقلد فيها منصب رئيس وزراء تركيا قد أشار الحزب الذى يتزعمه وهو حزب العدالة والتنمية إلى العهد العثماني خلال الحملات الإنتخابية مثل تسمية مؤيديهم بأحفاد العثمانيين أو عثمانلي تورونو وكان هذا مثيرا للجدل حيث كان ينظر إليه على أنه هجوم مفتوح ضد الطبيعة الجمهورية لتركيا الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك وهكذا إتهم العديد من النقاد أردوغان بالرغبة في أن يصبح سلطانا عثمانيا والتخلي عن أوراق الإعتماد العلمانية والديموقراطية للجمهورية وقال بعض معارضيه عنه إنه يحاول تأسيس وإنشاء شئ مثل الخلافة العثمانية في تركيا من جديد وأن يكون هو الخليفة والمرشد الأعلى للجمهورية وأن يلقي بثقله في كل مكان وبالتالي يدمر بقايا الديموقراطية في تركيا وعند تصاعد هذه الإتهامات في عام 2015م نفى أردوغان هذه المزاعم وقال إنه يهدف إلى أن يكون مثل الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة وليس مثل السلاطين العثمانيين .


وبالطبع فإن المؤسسة العسكرية التركية شعرت بعد ان تمكن أردوغان من إبعادها عن التحكم والسيطرة علي الحياة السياسية في البلاد خاصة وأنها كانت تعتبر نفسها الحامية للنظام العلماني ومع إنتشار مد إسلامي في البلاد جذب الكثير من الأجيال الشابة في تركيا بأن العلمانية التركية تتعرض لتهديدات غير مسبوقة منذ تأسيس الجمهورية بسبب ما إعتبرته خطر داخلي يشكله الإسلاميون وخطر خارجي ناشئ نتيجة إرتياح البعض لتقديم تركيا كنموذج لدولة يحكمها الإسلام المعتدل وهنا قررت المؤسسة العسكرية التحرك سريعا وفي مساء يوم الجمعة 15 يوليو عام 2016م تحرك فصيل داخل القوات المسلحة التركية محاولا القيام بإنقلاب عسكرى وإسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية وأعلن مدبرو الإنقلاب إنشاء مجلس السلم من أجل أن يكون هو الهيئة الحاكمة في البلاد وسيطر هذا الفصيل مؤقتا على محطة التليفزيون الأولى وأعلنت تسلمها لزمام الحكم وفرض حالة الطوارئ في البلاد ولم يحظ هذا الإنقلاب بالتأييد وقد أعلنت كافة القوى السياسية ومنها علي غير المتوقع المعارضة العلمانية رفضها للإنقلاب وبعدها ظهر الرئيس أردوغان في بث مباشر عن طريق تطبيق الهاتف المتحرك المعروف بالفيس تايم ودعا الشعب للتظاهر ضد الإنقلاب فخرج غالبية الشعب التركي في مظاهرات حاشدة وقاموا بالقبض على مجموعة من قادة الإنقلاب والذى فشل فشلا ذريعا في أقل من ثمانية ساعات وتم إلقاء القبض على المشاركين فيه وبعد ذلك وجه الرئيس أردوغان خطابا أوضح فيه أن البلاد لم تعد كما كانت من قبل وكان مما قاله إننا قمنا بشراء السلاح للدفاع عن أرضنا وليس حمله في وجه بعضنا كما فعل الإنقلابيون وعلاوة علي ذلك فقد أبدى العديد من رجالات الدولة رفضهم للإنقلاب ومنهم وزير الدفاع التركي ورئيس الوزراء وجميع أعضاء البرلمان حيث إجتمع رئيس البرلمان بجميع الأعضاء ليلا وقام بتوجيه دعوة لجلسة طارئة صباح اليوم التالي السبت 16 يوليو عام 2016م رفضا لأى شكل من أشكال محاولة قلب نظام الحكم كما تكلم الرئيس التركي السابق عبد الله جول عبر تطبيق الهاتف المتحرك وأبدى غضبه ورفضه الشديد لما حدث من بعض الخارجين على القانون كما كان للشعب التركي موقف كبير ومؤثر في مجريات هذه المحاولة عندما خرج إلى الشارع مدافعا عن الرئيس رجب طيب أردوغان والحكومة بإعتبار أنهم هم من إنتخبوا رئيس الدولة ولا يحق لأحد أيا كان أن ينقلب عليه ويسلب حقهم الديموقراطي وتم إعفاء عدد من القيادات من مناصبها وإعتقل آخرون في المؤسسة العسكرية قدرت أعدادهم بحوالي ستة آلاف جنرال وضابط وجندى كما تم فصل حوالي ثلاثة آلاف قاضي بما في ذلك عدد من القضاة في المحكمة الدستورية والذين كانوا من المؤيدين للإنقلاب وللنظام العلماني .


وفي النهاية نختم هذا المقال بأن نجم الدين أربكان وإن كان لم يستطع تحقيق ما كان يحلم به من إعادة تركيا إلي أصولها الإسلامية والشرقية إلا أنه بدون شك كان قد وضع اللبنة الأولي في طريق طويل شاق وصعب وجاء من بعده تلميذه رجب طيب أردوغان ليستكمل مسيرته وكانت تركيا كما نعلم قد تبنت خيار العلمانية منذ عقد العشرينيات من القرن العشرين الماضي بداية من عهد مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة عندما ألغى هذا الأخير دولة الخلافة وأقام دولة حديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية التي تهاوت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وهو الأمر الذي جعل تركيا واحدة من البلدان القليلة المحسوبة على العالم الإسلامي التي ينص دستورها بشكل صريح على العلمانية لكن وبعد سنوات طويلة جاء إسلاميو تركيا وفي مقدمتهم أردوغان ورأوا أن الدولة التركية قد تبنت العلمانية بشكل مفرط ومبالغ فيه حيث تقلص حضور الدين في المجتمع والحياة العامة كما تدخل النظام العلماني في الحرية الدينية للأفراد وفي سعيه لتغيير علاقة الدولة بالدين في تركيا حاول أردوغان تجنب الدخول في أى صدام أو مناوشات مع العلمانيين عندما كان يؤكد أن حزبه وإن كان يسعى لمنح مساحة للقيم الإسلامية في المجتمع التركي فإنه لن يخرج عن خارطة الحداثة التي وضعها أتاتورك وفي العديد من المناسبات ظهر وكأنه لا يعارض جوهر العلمانية من حيث كونها فصلا بين الدين والدولة إذ أكد في حوار أجرته معه قناة العربية الفضائية أن الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين وأن مفهوم العلمانية الذي يؤمن به هو علمانية الدولة عبر التسامح مع كافة المعتقدات وأن تكون الدولة علي مسافة واحدة تجاه كافة المعتقدات والأديان التي يجب أن يمنح لأفرادها الحق في ممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية وأشار أردوغان إلى أن هذه العلمانية غير مخالفة للإسلام عكس تأويل آخر يفسر العلمانية باللادينية ويجعلها معادية للأديان علي حد قوله وفضلا عن ذلك كان أردوغان واضحا تمام الوضوح عندما دعا الشعب المصرى عند زيارته لمصر في أواخر عام 2011م على بناء دولة علمانية من خلال تعديل الدستور متحدثا عن ضرورة تمكين الأفراد من حرية المعتقد الديني وعموما فحتي وقتنا الحاضر يتشكك دعاة العلمانية الأتاتوركية في حفاظ أردوغان على النهج العلماني الذى أشار إليه إذ أنهم إعتبروا العديد من القرارات والتصريحات في عهده وأيضا العديد من الوقائع أنها تحمل بعدا إسلاميا كبيرا في تدبير حياة المواطنين ففي عهده علي سبيل المثال لا الحصر تم الاهتمام بتأسيس مراكز ومدارس لتعليم اللغة العربية ولتحفيظ القرآن الكريم خاصة للأجيال الشابة الجديدة ومنح المتفوقين منهم جوائز من خلال فعاليات يحضر إليها أردوغان بنفسه ويقوم بتسليم الجوائز للمتفوقين إلي جانب الإهتمام بإحياء ليالي شهر رمضان المعظم وأداء صلاة التراويح في المساجد الكبرى وتكريم كبار رجال الدين وعلاوة علي ذلك ففي شهر يوليو عام 2020م بعد أن حكم على المرسوم الصادر من مجلس الوزراء في عام 1934م بتحويل مسجد آيا صوفيا إلي متحف بأنه غير قانوني بموجب القانونين العثماني والتركي لأن وقف آيا صوفيا الذي وهبه السلطان العثماني محمد الثاني حدد الموقع مسجدا ومن ثم ألغى مجلس الدولة قرار مجلس الوزراء المشار إليه ومن ثم أمر أردوغان بإعادة تصنيف المتحف ليعود كمسجد وأيضا ففي شهر أغسطس عام 2020م وقع أيضا على الأمر الذي نقل إدارة كنيسة خورا التي كان قد حولها العثمانيون لمسجد إلى مديرية الشؤون الدينية وفتحها للعبادة كمسجد بعد أن كانت قد تحولت إلي متحف بأمر من أتاتورك عام 1934م وبالطبع لم يسلم أردوغان من معارضة مؤيدى ودعاة العلمانية لتلك القرارات وإعتبروها إرتداد عن النظام العلماني الذى إنتهجته تركيا منذ عهد أتاتورك .
 
 
الصور :
بولنت أجاويد تانسو تشيلر تورجوت أوزال رجب طيب أردوغان سليمان ديميريل شعار حزب الرفاه مسعود يلماز قبر نجم الدين أربكان وأسرته بإسطنبول