بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
يوسف بن تاشفين هو أمير المسلمين والقائد العظيم الذى إستطاع توحيد المغرب العربي وضم بلاد الأندلس تحت ملكه وسلطته ومن ثم إستطاع إنشاء دولة إسلامية تمتد من مدينة بجاية شرقا والتي تقع شرقي الجزائر حاليا علي ساحل البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي غربا وما بين البحر الأبيض المتوسط شمالا حتى بلاد السودان جنوبا وإسمه بالكامل هو أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن إبراهيم اللمتوني الصنهاجي فهو إذن ينتمي لقبيلة لمتونة وهي إحدى قبائل صنهاجة الموجودة بجبل لمتونة والتي تعد من أكبر وأبرز القبائل الأمازيغية والتي كان لها الفضل الأكبر في إنتشار المذهب المالكي في المغرب وأفريقيا والأندلس وفي ذلك قال الإمام علي بن حزم الأندلسي مذهبان إنتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان المذهب الحنفي في المشرق والمذهب المالكي بالأندلس وكان يوسف بن تاشفين قد تولى إمارة دولة المرابطين بعد أن تنازل له إبن عمه الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني عن الملك ودخل بلاد الأندلس للمرة الأولى بعدما إستنجد به ملوك الطوائف وخاصة أمير إشبيلية المعتمد بن عباد وخاض معركة الزلاقة ضد جيوش مملكة قشتالة وليون التي كان يقودها الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة والتي تعد من أبرز المعارك في تاريخ الأمة الإسلامية والتي وقعت في يوم 12 رجب عام 479 هجرية الموافق يوم 23 أكتوبر عام 1086م وإنتهت بإنتصار جيش المسلمين وكان من نتائجها أن إستدرك المسلمون بهذه الواقعة آنذاك بلاد الأندلس من الضياع ومن ثم فقد تسمى يوسف بن تاشفين بلقب أمير المسلمين وكان ذلك لأول مرة في التاريخ الإسلامي ثم أرسل يوسف بن تاشفين إلى الخليفة العباسي في العاصمة العباسية بغداد أبو العباس أحمد المستظهر بالله سفيرين هما عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبو بكر بن العربي يحملان هدايا وطلب تقليده الولاية فبعث إليه الخليفة العباسي بمرسوم الولاية في عام 481 هجرية الموافق عام 1088م ثم إجتاز يوسف بن تاشفين مضيق جبل طارق إلى الأندلس للمرة الثانية فحاصر حصن لييط بجنوب شرق أسبانيا والذى كانت تنطلق منه حملات ملوك قشتالة ضد ملوك الطوائف المسلمين وإستولى عليه وفي عام 496 هجرية الموافق عام 1103م كان عبوره الثالث إلي بلاد الأندلس وتمكن من الإستيلاء علي الأندلس الإسلامية كاملة وضمها لدولة المرابطين وبالإضافة إلي ذلك فقد كان من أهم أعمال يوسف بن تاشفين التي خلدت إسمه في التاريخ قيامه ببناء مدينة مراكش والتي تسمي أيضا بالمدينة الحمراء عام 454 هجرية الموافق عام 1062م وجعلها عاصمة لمملكته وهي تعد حاليا ثالث بلاد مملكة المغرب .
وكان ميلاد يوسف بن تاشفين عام 400هجرية الموافق عام 1009م في قبيلة لمتونة إحدى أكبر وأبرز وأهم قبائل صنهاجة الأمازيغية كما ذكرنا في السطور السابقة وكانت قبيلته تسكن المنطقة الممتدة من وادى نون جنوبي المملكة المغربية إلى رأس موغادور التي تطل علي المحيط الأطلسي بإقليم الصويرة ببلاد المغرب بمنطقة مراكش إلى مدينة ازكي شرقا والتي كانت إحدى عواصم دولة المرابطين قبل تأسيس مدينة مراكش وهي تقع جنوبي المملكة المغربية قرب الحدود المغربية الموريتانية حاليا وكانت المناطق الشمالية مقرا لبني وارتقطين احد أجداد يوسف بن تاشفين وقد عرفت قبيلته بالسيادة حيث بسطت سيطرتها على صنهاجة وإستطاعت الإحتفاظ بالرئاسة منذ أن جعلها فيها الإمام والداعية والمجاهد المالكي التونسي عبد الله بن ياسين والذى كان من زعماء الإصلاح الإسلامي حيث جدد الإسلام بأفريقية ووضع الأسس الأولى لتأسيس دولة المرابطين في المغرب الأقصى وقد تربى إبن تاشفين في الصحراء وأخذ منها عادات أهلها وتقاليدهم وتلقى في طفولته العلم من أفواه المحدثين والوعاظ إذ أن المدارس كانت نادرة الوجود في الصحراء ولم يتعمق في العلوم الدينية لأن المسائل المعقدة كانت من مهام الفقهاء وفي الصحراء لم تكن البيئة مواتية لقدوم الفقهاء والتدريس فيها وقد نال يوسف إبن تاشفين نصيبا من تعاليم ثورة الإمام عبد الله بن ياسين المشار إليه في السطور السابقة وعرف يوسف بن تاشفين بأنه كان أسمر اللون معتدل القامة نحيف الجسم خفيف العارضين رقيق الصوت أكحل العينين أقنى الأنف له وفرة تبلغ شحمة الأذن مقرون الحاجبين أجعد الشعر وكانت أولى زوجاته زينب بنت إسحاق النفزاوية وهي من أسرة كانت تعمل في التجارة وظلت زوجة له حتى وفاتها عام 464هجرية الموافق عام 1071م وبعد وفاتها تزوج من سيدة أندلسية تدعى قمر ولا تذكر كتب التاريخ عنها شيئا والظاهر أن سيرة زوجته الأولي زينب قد طغت على زوجاته الأخريات وكانت هي من أنجب له الأمير علي ولي العهد وأمير الأندلس والمغرب بعد والده ثم إقترن يوسف بسيدة تدعى عائشة أنجبت له الأمير محمد الذي نسب إليها فصار يدعى محمد بن عائشة وكان أحد القادة البارزين في جيش والده وقد رزق إبن تاشفين أيضا بعدد آخر من الأولاد منهم تميم الذي كان واليا على سبتة وإبراهيم والفضيل أما بناته فكانتا كونة ورقية .
وخلال الفترة ما بين عام 448 هجرية الموافق عام 1056م وعام 452 هجرية الموافق عام 1060م كان يوسف بن تاشفين قائد عسكري في جيش المرابطين وكان يعمل تحت إمرة ابن عمه الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني ولم يكن يمتلك السلطة بل كان ينفذ تعليمات غيره من الأمراء وكانت هذه المرحلة من حياته غنية بالتجارب أهلته للإنتقال للمرحلة التالية وإستطاع خلالها ممارسة السلطة والإطلاع على خفاياها دون تحمل أدنى مسؤولية وإستطاع بعدها تسلم الإمارة والقيام بأعباء السلطة وقد ظهر نجم يوسف بن تاشفين في معركة الواحات التي وقعت عام 448 هجرية الموافق عام 1056م وكان حينذاك قائدا لمقدمة جيش المرابطين المهاجم وبعد فتح مدينة سجلماسة التي تقع في واحة كبيرة جنوبي جبل أطلس الكبير وتعد ثاني مدينة إسلامية تشيد ببلاد المغرب العربي بعد مدينة القيروان وعينه إبن عمه الأمير أبو بكر واليا عليها فأظهر مهارة إدارية في تنظيمها وبعد ذلك غزا بلاد جزولة والتي تمتد علي ساحل المحيط الأطلسي بجنوب المغرب وشمال موريتانيا وفتح مدينة ماسة بغرب بلاد المغرب جنوبي مدينة أغادير ثم سار إلى تارودنت قاعدة بلاد السوس جنوبي بلاد المغرب وفتحها وكان بها طائفة من الشيعة البجليين نسبة إلى مؤسسها علي بن عبد الله البجلي وقتل المرابطون الشيعة الذين رفضوا التحول إلي المذهب السني وتركوا من تحول منهم إلي مذهب أهل السنة والجماعة علي قيد الحياة وكانت مدينة أغمات والتي نقع بجنوب وسط المغرب بالقرب من مدينة مراكش حاليا في ذلك الوقت مدينة مزدهرة حضاريا إذ كانت إحدى مراكز الديانة النصرانية القديمة ومقرا للبربر المتهودين وكان يحكمها الأمير لقوط بن يوسف بن علي المغراوى وتلقى يوسف بن تاشفين التعليمات من الأمير أبي بكر بمهاجمتها ولما رأى أميرها أن لا جدوى من المقاومة فر منها إلى سهل تادلة وهو أحد السهول الداخلية بالمغرب ولجأ إلى بني يفرن وهم أحد القبائل الأمازيغية ودخل المرابطون المدينة في عام 449 هجرية الموافق عام 1057م ثم هاجم الأمير يوسف بن تاشفين مدينة تادلا وهو أحد السهول الداخلية ببلاد المغرب وفتحها وظفر بلقوط المغراوى وقتله وبعد ذلك سار المرابطون نحو مدينة تامسنا التي تقع جنوبي العاصمة المغربية الحالية مدينة الرباط من أجل مهاجمة إمارة برغواطة الأمازيغية والتي كانت تقع أراضيها علي ساحل المحيط الأطلسي بغرب وسط المغرب والتي كانت إمارة تدين بدينها الخاص الذي أسسه رجل يهودى يدعى صالح بن طريف البرناطي نسبة إلى حصن برناط من أعمال شذونة في منطقة قادس بمقاطعة أندلوسيا بجنوب بلاد الأندلس وكان أمير برغواطة حينذاك هو أبو حفص بن عبد الله بن أبي غفير بن محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف ونشبت معركة بين الفريقين أصيب فيها الإمام إبن ياسين بجراح بالغة توفي على أثرها في عام 451 هجرية الموافق عام 1059م ودفن في مكان يقال له كريفلة على مقربة من تامسنا وإختار المرابطون بعد وفاة الإمام غبد الله بن ياسين الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني رئيسا على المرابطين وكانت وفاة الإمام إبن ياسين هي نقطة البداية الأولى في دفع يوسف بن تاشفين لرئاسة المرابطين إذ أن الإمام إبن ياسين كان يمسك بالسلطة الدينية وسلطة الحكم وبعد وفاته أخذت وضعية المرابطين تستلزم حلا لمشكلة إزدواج السلطة .
وكانت المحصلة النهائية للأحداث المذكورة في السطور السابقة أن إبتعد المرابطون عن موطنهم الأصلي الصحراء وفَرضت عليهم الظروف الجديدة أن يكون للصحراء جندها وللحضر جنده وكان أساس هذه الظروف الجديدة أخبار وصلت جيش المرابطين تشير إلى إختلال أمر الصحراء وإلى إختلاف قبيلتي جدالة ولمتونة وهما مجمع أجناد دولة المرابطين وهو خلاف كان بإمكانه تشتيت شمل المرابطين والعودة بهم إلى ديارهم مما سينعكس أثره على البلاد المفتوحة وإختار الأمير أبو بكر حلا لهذه المشكلة وهو أن يخص نفسه بحكم وسلطة الصحراء وترك الشمال لإبن عمه يوسف بن تاشفين فأنابه على بلاد المغرب وأمره بمتابعة الجهاد بعد أن ترك له ثلث جيش المرابطين وسار يوسف بن تاشفين لما كلف به ولما وصل وادي ملوية شمالي المغرب إستعرض جيشه وكان تعداده حوالي أربعين ألفا فقسمه إلى أربعة أفسام وإختار لكل قسم قائد من أشهر وأبرز قادته وهم سير بن أبي بكر اللمتوني ومحمد بن تميم الجدالي وعمر بن سليمان السوفي ومدرك التلكاني وعقد لكل منهم خمسة آلاف مقاتل وبعث بهم إلى أنحاء المغرب وتولى بنفسه قيادة بقية الجيش وتغلب هو وقادته على أكثر مناطقه وهزم قبائل مغراوة وزناتة وبني يفرن وقد أدى ذلك إلي أن إستسلمت بقية القبائل وأعلنت له الولاء والطاعة وخلال مدة لا تتجاوز بضعة أشهر بسط إبن تاشفين سلطانه على المغرب الأوسط والجنوبي وعاد إلى مدينة أغمات التي كان قد إتخذها عاصمة له آنذاك عام 454 هجرية الموافق عام 1062م وفي هذه السنة إقترن بزوجته الأولي زينب النفزاوية وبدأ في إنشاء عاصمته الجديدة مراكش وفي هذه الأثناء إستقام أمر الصحراء للأمير أبو بكر بن عمر وإستطاع القضاء على الفتنة التي ظهرت فيها وأصلح شؤون السكان وترامت إليه أخبار ما حققه إبن عمه يوسف بن تاشفين وما فتح الله على يده من البلاد فقرر العودة ليعزله ويولي غيره ونزل خارج مدينة أغمات وشعر يوسف إبن تاشفين بحرج الموقف إذ لا يمكنه أن يتمرد على إمامه أبي بكر بن عمر لأنه كان شديد التدين و يكن له كل الود والمحبة والتقدير وكان لا يمكنه إنكار فضله عليه لكنه كان كذلك لا يمكنه أن يتخلى بسهولة عما بيده من الملك وهنا برز الدور الهام الذى لعبته زوجته زينب بنت إسحاق حيث شاورها في الأمر فقالت له إن إبن عمك متورع عن سفك الدماء فإذا لقيته فإترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه وأظهر له الغلظة ومظاهر السيادة والترفع والإستبداد حتى كأنك مساو ومكافئ له وعليك أن تلاطفه بالهدايا والأموال والخلع والثياب حيث كان هذا الأمر مالوفا ومعتادا ومرغوبا فيه في الصحراء .
وفي هذه الأثناء تسارع أصحاب أبي بكر بن عمر للسلام على يوسف بن تاشفين الذي إستغل المبادرة فإستقبلهم بالترحاب وأغدق عليهم الأموال والعطايا والهدايا فكسب ودهم وبذلك قوي مركزه أمام الجنود والأمراء والقادة وعند أول مقابلة جرت بين أبو بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين نفذ هذا الأخير ما أشارت عليه به زوجته حيث تلقى يوسف إبن عمه أبي بكر مظهرا له مظاهر السيادة والسلطة وسلم عليه وهو علي صهوة فرسه راكبا ولم يترجل كعادته ولا تأدب معه الأدب المعتاد ونظر أبو بكر إلى كثرة جيوشه فقال له يا يوسف ما تصنع بهذه الجيوش فقال له أستعين بها على من خالفني ويخرج عن طاعتي والولاء لي فإرتاب أبو بكر به ثم نظر إلى ألف بعير قد أقبلت موقرة فقال ما هذه الإبل الموقرة فقال يوسف أيها الأمير إني قد جئتك بكل ما معي من مال وأثاث وطعام وإدام لتستعين به على بلاد الصحراء فإزداد أبو بكر تعرفا علي حاله مما أدخل الرعب والخوف في قلبه وأدرك أن إبن عمه يوسف بن تاشفين لن يتخلى له مطلقا عن الإمارة والحكم بسهولة فآثر السلامة وجمع شيوخ المرابطين من قبيلة لمتونة وقادة وأعيان دولة المرابطين والكتاب والشهود وأشهدهم على نفسه بالتخلي لإبن عمه يوسف بن تاشفين عن الإمارة والحكم وكان ذلك في عام 457 هجرية الموافق عام 1065م وقد علل الأمير أبو بكر بن عمر التنازل لإبن عمه يوسف لدينه وفضله وشجاعته وحزمه ونجدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيته وأوصاه بالوصية التالية يا يوسف إني قد وليتك هذا الأمر وإني مسؤول عنه فإتق الله في المسلمين وإعتقني وإعتق نفسك من النار ولا يضيع من أمور رعيتك شيئًا فإنك مسؤول عنه والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك وعليهم وإنصرف الأمير أبو بكر بن عمر بعد ذلك إلى الصحراء وبقي يجاهد في سبيل الله ونشر دين الإسلام في بلاد السودان لعدة سنوات إلى أن استشهد من سهم مسموم أصابه وكان ذلك في شهر شعبان عام 480 هجرية الموافق شهر نوفمبر عام 1087م وذلك بعد أن إستقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب من بلاد السودان ويذهب بعض الكتاب والباحثين والمؤرخين إلى أن يفسروا هذا الإيثار والتنازل عن الملك من جانب الأمير أبي بكر بن عمر بأنه قد خشي من سطوة إبن عمه يوسف بن تاشفين الذي أظهر عدم إستعداده التنازل عن الملك وفي الحقيقة فقد كانت سيرة وحياة الرجلين من حيث الصلاح والتقوى والورع تنافي إحتمال وقوع صدام دامي وصراع علي السلطة والحكم بين الطرفين .
وبعد أن حسم أمر الحكم ليوسف بن تاشفين قرر القضاء على نفوذ قبيلة زناتة وإستخلاص الحكم منها ولما عزم على قتالهم وصله طلب من أمير مكناس مهدي الكزنائي بنجدته من خصمه معنصر المغراوي أمير فاس والتي تقع في وسط شمال بلاد المغرب وكانت تعد آنذاك أكبر وأهم مدن البلاد فلبى يوسف الطلب وهاجم منطقة قلعة فازاز والتي تقع جنوبي مدينة فاس وكانت لمهدي بن تولي اليحفشي وقضى عليه ثم تابع سيره لمساعدة الكزنائي فإعترضته قبائل زواغة ولماية وصدينة ولوامة ومغيلة ومديونة وبهلولة وغيرها وكانت له معهم حروب شديدة إنهزموا فيها وتحصنوا بمدينة صدينة بشمال المغرب فحاصرها يوسف ودخلها بالسيف وهدم أسوارها وقتل فيها ما يزيد على أربعة آلاف رجل ثم خربها وإرتحل عنها إلى فاس وهنا بدأ الصراع بين فرع زناتة الذي يحكم فاس وبين يوسف بن تاشفين وكان في صورة نجدة لأمير قبيلة مكناسة وكان أمير فاس آنذاك معنصر المغراوي يعتمد على الحاجب سكوت البرغواطي أمير سبتة التي تقع علي البحر المتوسط وطنجة الواقعة بأقصي شمال بلاد المغرب والمطلة علي كل من البحر المتوسط والمحيط الأطلسي كما كان يعتمد على فروع مغراوية في تازة ونكور بجبال الريف الشمالي بشمال شرق المغرب وجرت حرب فاس بخطة الكر والفر التي إتبعها معنصر وهزم يوسف بن تاشفين جيش فاس الذي فر نحو الشرق فإستولى على أحوازها وظفر بعاملها بكار بن إبراهيم وقتله ثم توجه نحو مدينة صفرو والتي تقع في سفح جبال الأطلس المتوسط على بعد واحد وعشرين كيلو متر جنوب شرق مدينة فاس ودخلها عنوة وقتل حكامها أولاد مسعود المغراوى ورجع بعد ذلك إلى حصار مدينة فاس وظل الحصار قائما حتى دخلها يوسف صلحا عام 455 هجرية الموافق عام 1063م بعد فرار معنصر منها والذي كان قد إستبسل وصمد في المقاومة دون جدوى ويعد فتح مدينة فاس الفتح الأول في عهد يوسف بن تاشفين الذي أقام في فاس عدة أيام وعين عليها واليا من قبيلته لمتونة إذ أخذ يوسف يعين في المراكز المهمة أقاربه ثم ترك المدينة وإتجه إلى بلاد غمارة بشمال المغرب وإستولى على حصونها وقلاعها وإغتنم معنصر فرصة خروج يوسف بن تاشفين وكر على فاس ودخلها وقتل عاملها المرابطي التابع لإبن تاشفين وعلى إثر سقوط فاس طلب يوسف من حليفه مهدي الكزنائي أن يتجهز لقتال قبيلة مغراوة الأمازيغية .
وإستجاب مهدى لحليفه يوسف بن تاشفين وخرج من مدينة عوسجة التي تقع في شمال شرق تونس وإتجه نحو
فاس وخاف معنصر من أن يتقوى المرابطون عليه إذا وصل إليهم حليفهم الكزنائي فإعترض سبيله ودار بينهما قتال شديد قُتل فيه الكزنائي وتفرق جيشه وعندئذ بعث أهل مدينة مكناس والتي تقع شمال المملكة المغربية في هضبة سايس على بعد 140 كيلو متر شرق العاصمة الحالية الرباط إلى يوسف يستغيثونه ضد معنصر وأعطوه بلادهم وبذلوا له الولاء والطاعة وتدارك يوسف الأمر وأرسل جيشا إلى فاس فحاصرها وعندما رأى معنصر أن الحرب قد طالت والأقوات قد إنعدمت وشحت جمع جيشا من قبيلتي مغراوة وبني يفرن وبرز للقتال فكانت الدائرة عليه وقتل إبنه تميم فإلتفت قبيلة زناتة حول بيت موسي بن أبي العافية الذى كان قد حكم في السابق فاس وطنجة وتازة وكان زعيمهم والقائم بأمرهم آنذاك هو محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية الذي جمع قبائل زناتة وخرج لمقابلة جيش المرابطين وهزمهم في معركة وادي صيفير وقتل عددا من فرسانهم وإستسلم الكثيرون ولما إنهزم جيش المرابطين كان يوسف يحاصر قلعة فازاز فعمل على معالجة الأمور بسرعة خاصة أن هذه الهزيمة كانت الهزيمة الثانية التي تلحق بالمرابطين في المواجهات العسكرية مع زناتة وترك يوسف قسما من جيشه يحاصر القلعة وبعث بالقسم الآخر إلى فاس وسار هو نحو بني مراس بجبال الريف شمالي المغرب بالقرب من مدينة طنجة وقتل أميرهم يعلى بن يوسف ثم سار إلى بلاد قبيلة قندلاوة البربرية وفتح جميع تلك الجهات ثم سار إلى ورغة وفتحها عام 458 هجرية الموافق عام 1065م وتابع الحرب حتى تم له فتح جميع البلاد بشمال المغرب من الريف إلى طنجة عام 460 هجرية الموافق عام 1068م وبعد أن أتم يوسف فتح البلاد المحيطة بفاس نزل عليها عام 462 هجرية الموافق عام 1069م بجيش بلغ عدده مائة ألف مقاتل وضرب عليها الحصار حتى دخلها عنوة بالسيف دون قيد أو شرط وحدثت مقتلة كبيرة حيث قتل من كان بها من قبائل مغراوة وبني يفرن وزناتة حتى إمتلأت الأسواق بالقتلى وكان دخول يوسف لفاس في شهر جمادى الآخرة عام 462 هجرية الموافق شهر مارس عام 1070م وقام يوسف بن تاشفين بتنظيم المدينة من جديد فأمر بهدم أسوارها ثم أحاطها بسور كبير وأمر ببناء العديد من المساجد في أنحائها كما أعاد تخطيط الحمامات وأصلح الأسواق وأقام بالمدينة حتى شهر صفر من عام 463 هجرية الموافق شهر نوفمبر عام 1070م ثم خرج إلى بلاد ملوية بشمال المغرب وفتحها وإستولى على حصون وطاط من بلاد طنجة .
ولما إستقر الأمر ليوسف بن تاشفين بعد ما حققه من إنتصارات تم ذكرها في السطور السابقة قام بإستدعاء أمراء بلاد المغرب وشيوخ قبائل زناتة ومصمودة وغمارة لمبايعته فبايعوه بالإمارة ثم قرر أن يتابع فتوحاته فغزا الدمنة من بلاد طنجة عام 465 هجرية الموافق عام 1072م ثم فتح بلاد علودان وبعدها إستولى على جبال غياثة وبني مكود وبني رعينة من أحواز تازة بشمال شرق المغرب والتي تقع بين جبال أطلس وجبال الريف الشمالي وما جاورها عام 467 هجرية الموافق عام 1074م وجعلها فاصلا بينه وبين زناتة الهاربة إلى الشرق وأصبحت منطقة تازة ثغرا منيعا بينه وبين زناتة ويعتبر العام المذكور 467 هجرية الموافق عام 1074م عاما فاصلا في تاريخ دولة المرابطين إذ بسط يوسف بن تاشفين نفوذه على سائر المغرب الأقصى والشمالي بإستثناء طنجة وسبتة حيث كانت كل من سبتة وطنجة من أملاك الحموديين العلويين والذين كانوا أسرة من الأدارسة الذين حكموا بلاد المغرب في السابق وإستطاعوا أن يبسطوا سيطرتهم على جنوب بلاد الأندلس أكثر من ربع قرن وأنابوا عليهما من وثقوا بهم من الصقالبة وهم النصارى المعاهدون الذين دخلوا في الإسلام وظل الأمر كذلك إلى أن إستقل بها الحاجب سكوت البرغواطي وأطاعته قبائل غمارة وظل يحكمها حتى قيام دولة المرابطين وبعد أن أخضع يوسف بن تاشفين سائر المغرب وأصبحت حدوده مجاورة لإمارة الحاجب طلب منه الأمير يوسف التحالف معه والمظاهرة على أعداء المرابطين وكاد الحاجب أن يقبل بعرض يوسف لولا أن أثناه إبنه ضياء الدولة يحيى عن عزمه وعند ذلك بدأ يوسف بن تاشفين في التجهيز لقتال الحاجب فجهز جيشا من إثني عشر ألف فارس مرابطي وعشرين ألفا من سائر القبائل وأسند قيادته إلى صالح بن عمران وذلك عام 470 هجرية الموافق عام 1077م وأمره بمهاجمة طنجة وعندما إقترب المرابطون منها برز إليهم الحاجب بجيشه وكان الحاجب شيخا كبيرا ناهز التسعين من عمره وقال والله لا يسمع أهل سبتة طبول اللمتوني وأنا حي أبدا وكان معه إبنه وجرت المعركة في وادي منى من أحواز طنجة وقتل فيها الحاجب وإنهزم جيشه ولجأ إبنه إلى سبتة وإعتصم بها ودخل المرابطون طنجة وكتب القائد صالح بن عمران بالفتح ليوسف بن تاشفين .
|