الاثنين, 15 يونيو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان سليمان القانوني
-ج4-

السلطان سليمان القانوني
-ج4-
عدد : 08-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”


وإذا ما نظرنا علي السياسة الخارجية للدولة العثمانية في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني فسوف نجد أنه بما أن الدولة العثمانية في عهده قد خاضت العديد من الحروب والصراعات في الشرق والغرب مع الصفويين والبرتغاليين والمجريين والإيطاليين والنمساويين وغيرهم فإنه نتيجة لذلك قام السلطان العثماني سليمان القانوني بعقد العديد من الإتفاقيات والمعاهدات كان أولها معاهدة إسطنبول الأولي وهي معاهدة تم عقدها بين الدولة العثمانية وأرشيدوقية النمسا تم عقدها في يوم 22 يوليو عام 1533م وقد نصت هذه المعاهدة على سحب الملك النمساوى فرديناند لمطالبه في بلاد المجر والذى كان يرغب في الإحتفاظ بإقليم صغير في غرب المجر وإقرار وتثبيت يانوش زابوليا ملكا للمجر تحت السيادة العثمانية وموافقة دولة النمسا على دفع 30 ألف جلدر كجزية سنوية وكان أيضا من أهم ما نصت عليه هذه المعاهدة إعتبار الملك فرديناند ملكا لالمانيا والنمسا وشارلكان ملكا لأسبانيا وإعتبارهما مساويان للصدر الأعظم للدولة العثمانية وكان محظورا عليهما إطلاق لقب الإمبراطور على أى شخص سوى الإمبراطور والخليفة العثماني وكان السبب الذي دفع السلطان العثماني سليمان القانوني إلى توقيع هذه المعاهدة رغم أن جيوشه كانت في قلب قارة أوروبا وتهدد جميع ممالكها أن الشاه الصفوي جمع جيشا وسار به نحو مدينة بغداد وقام بإحتلالها مستغلا إنشغال السلطان العثماني سليمان القانوني بحصار فيينا ورغم ذلك إستطاع السلطان العثماني فرض شروطه في هذه المعاهدة كما يتضح لنا من البنود المذكورة في السطور السابقة .


وبعد ذلك وفي يوم 19 يونيو عام 1547م عقد السلطان سليمان القانوني معاهدة إسطنبول الثانية مع أرشيدوقية النمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة وكانت هذه أول إتفاقية يتم توقيعها بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة ووفقا لتلك الإتفاقية والتي كانت مدتها خمس سنوات والتي كتبت باللغة العثمانية التركية ووضع الطرف العثماني الشروط متمثلا في السلطان سليمان القانوني وقد تجاوز كل من فرديناد وشارلكان عن ذلك فإن الأراضي المجرية التي كانت تحت سيطرة العثمانيين ستبقي لديهم وأن الأماكن التي تقع تحت سيطرة النمسا وموجودة في المجر سترسل ضريبة سنوية قدرها 30 ألف دوقية ذهبية للدولة العثمانية وأن الطرفين لن يهاجما بعضهم البعض خلال فترة الهدنة وأنهم سوف يمارسوا التجارة الحرة بين الطرفين بعد دفع الضريبة المحددة المعروفة في القوانين التجارية ونصت المعاهدة أيضا علي أن يعاد الشخص من رعايا الدولة العثمانية الهارب إلى المانيا في الحال إذا طلبت العثمانية ذلك سواء كان مسيحيا أو مسلما بينما لا يعاد اللاجئون إلي أراضي الدولة العثمانية من الرعايا الألمان إن كانوا مسلمين وذلك إلي جانب تثبيت البند الذى تضمنته معاهدة إسطنبول الأولي عام 1533م ونصه هو عدم إستعمال صفة الإمبراطور في دول أوروبا في المكاتبات الدبلوماسية الرسمية مع الدولة العثمانية إلا بالنسبة للسلطان والخليفة العثماني سليمان القانوني ملك العالم بينما تكون صفة حكام الدول الأوروبية ملك فقط وعلي أن تكون مرتبتهم في التشريفات العثمانية مماثلة لمرتبة الصدر الأعظم العثماني وإقرار العلاقات الإيجابية بين الامبراطورية العثمانية وبين المملكة الفرنسية وجمهورية فينيسيا الإيطالية داخل هذه الإتفاقية .


وأخيرا كانت المعاهدة الثالثة التي تم عقدها في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني هي معاهدة أماسيا وقد تم توقيعها في عام 1555م وكانت هذه المعاهدة هي أول معاهدة رسمية يتم عقدها بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية الشيعية وتم بموجبها تعيين الحدود بينهما وقد تم توقيع هذه الإتفاقية بعد أن هزم الجيش العثماني الدولة الصفوية وتمكن من دخول عاصمتها تبريز والذى كان يقوده السلطان سليمان القانوني والصدر الأعظم إبراهيم باشا وعموما فإن معاهدتي إسطنبول تدل بنودهما علي مدى القوة والنفوذ التي كانت قد وصلت إليهما الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني وغدت دولة عظمي تنحني أمامها الدول الأوروبية وتخضع لما تمليه من شروط في المعاهدات التي تبرمها مع الدول الأخرى ومما يذكر أنه في عام 1551م قامت النمسا بنقض معاهدة إسطنبول الثانية وذلك بهجومها على مدينة إدرنه لكن الجيش العثماني تمكن من صد هذا الهجوم وفتح عدة حصون وقلاع تابعة للنمسا أثناء صدها لهذا الهجوم أما معاهدة أماسيا فقد عبرت عن إدراك الدولة الصفوية الشيعية عدم قدرتها علي التصدي للدولة العثمانية وأنها يجب أن تتحاشي الصدام معها خوفا من أن تتمكن الدولة العثمانية من القضاء عليها نهائيا .


ولنترك الآن السياسة الخارجية للسلطان سليمان القانوني وأيضا مجال الفتوحات والتوسعات الخارجية التي تمت في عهده وتعالوا نلقي نظرة علي سياساته الداخلية ولنبدأ بالتعليم والذى إهتم به السلطان إهتماما كبيرا فنجده قد منح مدارس المساجد والتي تمولها المؤسسة الدينية تعليما مجانيا لأطفال المسلمين وكانت متقدمة في ذلك علي الدول النصرانية في ذلك الوقت وفي العاصمة العثمانية إسطنبول زاد السلطان سليمان القانوني عدد المدارس إلى أربعة عشر كانت مهمتها الأساسية تعليم الصغار القراءة والكتابة ومبادئ الإسلام وقد سمح للأطفال الذين رغبوا مواصلة تعليمهم الإلتحاق في واحدة من ثمانية مدارس جامعة والتي شملت مناهجها قواعد اللغة والميتافيزيقا والفلسفة وعلم الفلك والتنجيم وكانت هذه المدارس الجامعة العليا تقدم تعليما يماثل التعليم الجامعي اليوم وقد أصبح خريجوها أئمة أو معلمين قدموا علمهم وثقافتهم لخدمة الدولة العثمانية وقد شغلت المراكز التعليمية في كثير من الأحيان واحدا من المباني العدة المحيطة بباحات المساجد أما المباني الأخرى فكان بها المكتبات وقاعات الطعام والنوافير ومطابخ الحساء والمستشفيات وكلها كانت مخصصة لصالح العامة وعلى إثر شعور الدولة العثمانية بضرورة التطور في العلوم الرياضية والطبية أقام السلطان العثماني أربع مدارس لعلوم الرياضيات ومدرسة للطب ومدرسة دار الحديث وفي عام 1557م تم إنشاء كلية السليمانية بإشراف المهندس المعمارى الشهير معمار سنان باشا و حسب ما روى المؤرخ باجوي عمل في بناء الكلية عدد 3523 عامل وتم صرف مبالغ كبيرة عليها وتم نقل مختلف أنواع الأحجار والأعمدة إليها من جزيرة بوزجه وازميت وغزة ولبنان وغيرها من المدن وقسمت الكلية إلى عدد 15 قسما من بين أقسامها الجامع ومدرسة الطب ومشفى الأمراض العقلية ومدرسة الحديث والمطبعة ودار الضيافة وضريح معمار سنان باشا وعلاوة علي ما سبق بلغ عدد المدارس التي تخرج القضاة في إقليم الأناضول عدة مئات وفي عام 1529م بلغ عدد هذه المدارس في إدرنه أربع عشرة مدرسة وبخلاف إنشاء العديد من المدارس وضع السلطان سليمان القانوني نظاما للدراسة والعمل فيها حيث نظم التعليم في تلك المدارس في إثنتي عشرة درجة وكان لكل درجة إسمها الخاص وكان على كل طالب أن يحصل على إجازة قبل أن ينتقل إلى الدرجة التالية وعندما يصل الطالب إلى الدرجة السادسة فإنه يسمح له أن يعمل مساعد مدرس في الدرجات الأولى ويعيد مع الطلاب ما كانوا قد أخذوه من أساتذتهم ويسمى معيدا وإذا أراد أن يصل لمنزلة المدرس كان عليه أن يتابع تعليمه في الدرجات الست الأعلى المتبقية والحصول على إجازاتها وإذا تمكن من الحصول على هذه الدرجات كان عليه أن يبدأ التدريس في المرحلة الدنيا ثم يرتقي تدريجيا نحو المرحلة العليا عبر الدرجات التسع الأولى من أصل الإثنتي عشرة درجة ولا يصبح مرشحا لمنصب الملا أو القاضي الكبير إلا بعد الوصول إلى الدرجة التاسعة من التدريس على الأقل وكان من نتائج الإهتمام بالتعليم في مجال الطب علي سبيل المثال أنه في عام 1539م كانت تجرى في مدينة عينتاب وهي تقع في المناطق النائية في إقليم الأناضول عمليات جراحية دقيقة في الكلية كما كان المتخرج من المدارس العثمانية يتقن العديد من اللغات والمهارات فعلي سبيل المثال كان من يريد التقدم لوظيفة إمام مسجد عليه أن يكون متقنا للغة العربية والتركية والفارسية واللاتينية كذلك كان عليه أن يكون فاهما لعلوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والسيرة وتاريخ الإسلام ومجيدا للفروسية والمبارزة بالسيف مع العلم أن هذه الوظيفة كانت لا تتطلب مواهب وملكات ومهارات كبيرة مثل وظيفتي القاضي والوالي .


ولنتجه الآن إلي مجال آخر وهو مجال الإدارة والقانون وهو المجال الذى إشتهر به السلطان سليمان القانوني وإقترن بإسمه حيث أنه قام بوضع القوانين التي كان لها تأثير كبير علي تنظيم الحياة في دولته الكبيرة المترامية الأطراف وكانت القوانين السائدة آنذاك في الإمبراطورية هي القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية وكان تغيير هذه القوانين خارج صلاحيات أي سلطان حتى جاء عهد السلطان سليمان القانوني والذى أصدر ما أطلق عليه قانون سليمان والذي غطى مجالات القانون الجنائي وحيازة الأراضي والجبايات وجمع فيه جميع الأحكام التي صدرت من قبل السلاطين العثمانيين التسعة الذين سبقوه بعد القضاء على الإزدواجية والحيرة التي كانت تحدث بسبب الأحكام والتصريحات المتناقضة ومن ثم أصدر مدونة قانونية واحدة إلتزم فيها أيضا بأحكام الشريعة الإسلامية وراعى فيها الظروف الخاصة لأقطار دولته فعلى سبيل المثال في عام 1525م أصدر السلطان قانون نامة مصر لتنظيم أمور ولاية أو إمارة مصر وحرص على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية وأن يكون لها أدلة من القرآن الكريم وأحاديث وسنة الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم وفي كل القوانين التي أصدرها أكد على ضرورة إقامة قواعد الشرع وعدم السكوت على المنكرات وإن كانت مما يدر دخلا للأمة وكانت كل هذه الإصلاحات القانونية في إطار سعي السلطان سليمان القانوني بدعم من المفتي أبو السعود أفندي وكان الهدف الأساسي منها إصلاح التشريع للتكيف مع التغييرات السريعة التي حدثت بالدولة العثمانية ومما يذكر أنه حينما وصل القانون إلى شكله النهائي سمي القانون العثماني‏ أو قانون السلطان سليمان وبقي جاريا العمل به قرابة ثلاثة قرون أي حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري الموافق القرن التاسع عشر الميلادي وكان مما أقره أيضا السلطان سليمان القانوني أنه جعل أكبر الوظائف العلمية وظيفة المفتي وقسم جيش الإنكشارية إلى ثلاث رتب بحسب سنين خدمتهم هذا ولم يطلق الشعب على السلطان سليمان لقب القانوني لوضعه القوانين فقط وإنما لتطبيقه أيضا هذه القوانين بعدالة ونزاهة ولهذا يعد العثمانيون الألقاب التي أطلقها الأوروبيون على سليمان في عصره مثل الكبير والعظيم قليلة الأهمية والأثر إذا ما قورنت بلقب القانوني الذي يمثل العدالة وحقا لم يكن السلطان العثماني سليمان القانوني رجل سلاح وقائدا عسكريا عظيما فقط كما كان أبوه السلطان سليم الأول وجدوده بداية من السلطان بايزيد الثاني وحتي السلطان عثمان غازى مؤسس الدولة العثمانية بل إختلف عنهم لأنه كان رجل قلم ومشرعا عظيما يقف أمام قومه كحاكم شهم نبيل المشاعر وناصر للعدالة .



وكان من أمثلة القوانين التي سنها السلطان العثماني سليمان القانوني السماح للجنود الإنكشارية بخوض الحروب بدون خروج السلطان على رأسهم والسماح للوزراء بتداول شؤون الدولة في وجود الصدر الأعظم على رأسهم مندوبا عن السلطان كما أعطى السلطان سليمان القانوني إهتماما خاصا لحالة الرعايا العاملين في الأراضي الزراعية حيث عدل قانون الرعايا الذي يحكم الجبايات والضرائب التي يدفعها الرعايا ورفع مكانتهم إلي حد أن الرعايا النصارى في البلدان النصرانية فضلوا الهجرة إلى الأراضي التابعة للدولة العثمانية للإستفادة من الإصلاحات وعلاوة على ذلك سن السلطان سليمان القانوني قانونا جنائيا جديدا وقانون شرطة جديد يحث على مجموعة من الغرامات على المخالفات الخاصة فضلا عن الحد من الحالات التي تتطلب القصاص أو التشويه في المجال الضريبي حيث كانت الضرائب مفروضة على عدة سلع ومنتجات منها الحيوانات والمعادن والأرباح التجارية ورسوم الإستيراد والتصدير وبالإضافة إلى ذلك فقد صادر السلطان أراضي وممتلكات المسؤولين الذين لهم سمعة سيئة حيث سن السلطان سليمان القانوني القانون نامه الذي ضم أحكاما في العقوبات التعزيرية وفي حقوق الأراضي وتحديد الأراضي الأميرية والخراج وكذلك في المواضيع العسكرية والإدارية كما جرى في عهد السلطان سليمان القانوني تأسيس السجلات الشرعية التي ضمت قرارات المحاكم الصادرة من المحاكم الشرعية وبوجه عام لم يكن عهد السلطان سليمان القانوني العهد الذي بلغت فيه الدولة أقصى حدود لها من الإتساع وحسب وإنما كان هو العهد أيضا الذي تمت فيه إدارة أعظم دولة بأرقى نظام إداري وبالإضافة إلي كل ما سبق فقد لعب السلطان سليمان القانوني دورا هاما في حماية يهود إمبراطوريته لقرون تالية ويقول بوسبيك سفير الإمبراطورية الرومانية المقدسة بالعاصمة العثمانية إسطنبول في عهد السلطان سليمان القانوني إن غياب أرستقراطية النسب والسلالة كان من أهم عناصر القوة في الدولة العثمانية ويقول أيضا إنه فيها لا يحظى الأتراك أنفسهم بالتقدير إلا بمهارة أو خصلة حميدة وإن جميع القادة لا يصلون لمواقعهم إلا بمؤهلاتهم ومهاراتهم وليس بإنتمائهم لنسب أو عائلة أو قوتهم أو مالهم فأبواب الإرتقاء مغلقة أمام الكسالى والمتقاعسين فيظل هؤلاء قابعين في زوايا النسيان وهذا سبب نجاحهم في كل أمر وعلو أمتهم وإمتداد دولتهم على مر الزمان أما نحن فعلى خلافهم في كل شئ فلا محل للأهلية والكفاءة بيننا بل يجري التحري عن النسب في كل شئ دون النظر إلى المهارة .


ومن الناحية الإقتصادية فقد بلغت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني درجة عالية من التقدم في المجال الإقتصادى شأنه شأن باقي المجالات الأخرى وبالطبع فقد كان من المستحيل للدولة العثمانية أن تكون قوية سياسيا وعسكريا وتمتد جيوشها من شرق العالم إلى غربه إلا إذا كان هناك نظام إقتصادي قوي لهذه الدولة وفي عام 1528م بلغ دخل الدولة العثمانية أكثر من 9,6 مليون دوقية ذهبية وكانت إيرادات الدولة العثمانية متنوعة بين الضرائب والجمارك والغنائم التي تحصل الخزينة أو بيت المال على خمسها من المعارك أو من الجزية المفروضة على الدول النصرانية فعلي سبيل المثال بلغت إيرادات الدولة العثمانية في عام 1521م من الجمارك علي الحرير في مدينة بورصة 13 ألف دوقية ذهبية وفي عام 1523م بلغت 17 ألف دوقية ذهبية وفي عام 1557م بلغت إيرادات الجمارك 24 ألف دوقية ذهبية وكان هذا الإرتفاع في إيرادات الجمارك بسبب عقد معاهدة أماسيا مع الصفويين لأن الحرير كان يأتي من بلاد فارس معقل الصفويين وكمثال آخر ففي عام 1526م كانت إيرادات الجمارك من التوابل القادمة مع الحجاج تصل إلى 110 آلاف دوقية ذهبية ومن جانب آخر ففي مجال التجارة الخارجية ففي عام 1547م قام تاجر مجرى ببيع كمية كبيرة من الجوخ في مدينة بورصة وقام بشراء مئة وعشرة قناطير من التوابل وفي عام 1554م قام البنادقة وحدهم بشراء ستة آلاف قنطار من التوابل من مدينة الإسكندرية التابعة للدولة العثمانية ووصلت مشترياتهم خلال الأعوام من عام 1560م وحتي عام 1564م إلى إثني عشر ألف قنطار أي نفس الرقم الذي كان قبل إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وفي عام 1559م رست خمسون سفينة في ميناء أنطاليا التابع للدولة العثمانية وكانت كل سفينة تحمل من 20 إلي 30 تاجرا جاءوا خصيصا للحصول علي سلع وبضائع لتصديرها إلي بلادهم وكل هذه الأمثلة تدل علي مدى الرواج في مجال التجارة الخارجية للدولة العثمانية خلال عهد السلطان سليمان القانوني وجدير بالذكر أنه كان من الأحداث التي وقعت في المجال التجارى خلال عهد السلطان سليمان القانوني أنه في عام 1561م أجبرت الحكومة العثمانية الحرفيين على شراء كميات كبيرة من السلع المصادرة بأسعار عالية وإلى إعتماد سعر غير عادل للذهب لا يمثل سوى ثلث السعر السائد آنذاك مما دفع بحشود الحرفيين إلى التجمع والتوجه إلى الديوان السلطاني لمطالبة الصدر الأعظم بالعدالة ولكن بعد أن ردوا على أعقابهم ولم يستجب لهم الصدر الأعظم نظموا إضرابا سلميا وإمتنعوا عن فتح دكاكينهم في اليوم التالي وتجمهروا تحت راياتهم وكان عددهم مائة وخمسون ألفا وكان غالبيتهم يحمل السلاح وإنتهى الأمر بعزل الصدر الأعظم نظرا لسوء تصرفه .


وفي مجال العمارة والتشييد قام السلطان سليمان القانوني بالعديد من أعمال البناء والتشييد حيث كان مغرما بذلك وظهر أثر ذلك في دولته فنجده قد أنفق بسخاء على المنشآت الكبرى ففي عصره كانت إسطنبول هي أضخم مدينة في قارة أوروبا وكانت أكثر مدينة مزدهرة ووصل عدد سكانها إلى 400 ألف نسمة في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادى وكانت من المدن الثرية ففي عام 1546م كان في إسطنبول 2517 وقفا تعود إلى أشخاص من خارج العائلة الحاكمة كذلك فقد إزدهرت فيها التجارة والصناعة بشكل كبير ففي عام 1564م كان عدد الورش التي تصنع البروكار وهو نوع من المنسوجات والأقمشة الفاخرة عدد 318 ورشة كما قام السلطان سليمان القانوني ببناء مدينة السليمانية شرقي بلاد العراق قرب حدودها مع إيران حاليا على أنقاض قرية قديمة كما شيد المعاقل والحصون في رودس وبلجراد عاصمة الصرب وبودابست عاصمة المجر وأنشأ أيضا المساجد والصهاريج والقناطر والتكايا والخانات في شتى أنحاء الدولة العثمانية وبخاصة في مدن قونية ودمشق ومكة المكرمة والقدس الشريف وبغداد غير ما أنشأه في عاصمته إسطنبول من روائع فن العمارة ومما يذكرأنه في عهد السلطان سليمان القانوني عاش المهندس المعمارى الشهير معمار سنان باشا والذى كلفه السلطان بتشييد الكثير من الأبنية المعمارية وكان من الأبنية التي شيدت في عهده العديد من المساجد التي تعد من روائع الفن المعمارى حول العالم كان أولها مسجد السلطان سليم الأول بالعاصمة العثمانية إسطنبول والذى بناه السلطان سليمان القانوني تكريما لذكرى والده الراحل وقد إستمر العمل في بنائه 7 سنوات من عام 1520م وحتي عام 1527م ويوجد هذا المسجد على قمة هضبة في الشق الأوروبي من مدينة إسطنبول ويطل على خليج القرن الذهبي ونظرا لحجمه وموقعه الجغرافي المتميز فإنه يعد من المعالم الرئيسية للمدينة العتيدة وثانيها مسجد سليمان القانوني بإسطنبول أيضا والذى أشرف علي بنائه معمار سنان باشا وإستمر البناء 7 سنوات أيضا من عام 1550م حتى 1557م ويحتل هذا المسجد موقعا متميزا وبارزا يعتبر من أفضل البقاع في إسطنبول فقد بني على ربوة مرتفعة تطل على مضيق البوسفور وخليج القرن الذهبي وعلى الجزء الآسيوي من إسطنبول في الضفة الأخرى من المضيق وبجواره اليوم توجد جامعة إسطنبول في منطقة بايزيد التي بنيت مكان مبنى قديم كان مشيدا في الماضي والساحة الخارجية له لها أحد عشر بابا وكغيره من الأبنية الإسلامية والمسيحية في الدولة العثمانية فقد بني بالحجارة المنحوتة والمركبة بدون ملاط وهي ميزة جميلة نجدها في النظام المعماري العثماني وهو لا يحتوي زينة كبيرة لكنه صامد معماريا فلم تحدث في جدرانه تشققات مع الزمن علما أنه قد مر علي بنائه أكثر من 465 عاما ويقال إن مجموع الشرفات العشرة الموجودة على المنارات الأربعة له ترمز إلى ترتيب هذا السلطان ضمن سلاطين الدولة العثمانية حيث أن ترتيبه هو العاشر من بينهم وقبل أن يستهل معمار سنان باشا عملية البناء إستدعى أشهر الحرفيين والمهندسين المعماريين والفنيين للمشاركة في بناء هذا الصرح العظيم فبلغ عددهم الآلاف ممن جاءوا من كافة أطراف الدولة العثمانية ويستوعب هذا المسجد في الداخل 10 آلاف شخص وفي ساحته 6 آلاف وفي وقتنا الحاضر ففي شهر رمضان يكون هذا المسجد مقصدا للصائمين وقت الإفطار ثم صلاة التراويح وفي ليلة القدر عندما يكون الطقس جيدا يصل العدد إلى 30 ألفا كما يشهد المسجد فعاليات كثيرة من برامج تليفزيونية وتلاوات قرآنية وإنشاد ديني في شهر رمضان .


وأما المسجد الثالث الذى بني بإسطنبول في عهد السلطان سليمان القانوني فهو جامع الشاهزاده والذى أمر ببنائه السلطان سليمان القانوني تكريما لذكرى إبنه الشاهزاده محمد الذي توفي في عمر يناهز 22 عاما ونفذه أيضا بالعاصمة إسطنبول المهندس العثماني معمار سنان باشا ببراعة فائقة وجعل منه تحفة معمارية ولذا فقد تم إعتباره إتجاها جديدا في فن العمارة العثمانية الإسلامية وكان رابع المساجد التي بنيت في عهد السلطان سليمان القانوني جامع رستم باشا والذى بني بأمر من الصدر الأعظم رستم باشا والذى تولي هذا المنصب من عام 1544م إلى عام 1553م ومن عام 1555م إلى عام 1561م وكان أيضا زوج الأميرة مهرماه سلطان إبنة السلطان سليمان القانوني وقد بني هذا المسجد في عام 1561م وهو يتميز بتصميمه الداخلي الغني بالزخارف المتميزة وبالبلاط الناعم الذي يغطي الجدران الداخلية والخارجية وقد اشرف على بنائه أيضا المهندس المعماري العثماني معمار سنان باشا وأخيرا كان خامس وسادس المساجد التي بنيت في إسطنبول خلال عهد السلطان سليمان القانوني مسجدان قامت ببنائهما إبنته الأميرة مهرماه سلطان وهما يحملان إسمها وصممهما ونفذهما أيضا معمار سنان باشا أولهما بني في عام 954 هجرية الموافق عام 1548م ويقع في المركز التاريخي لبلدية أسكدار في الجانب الآسيوى من العاصمة العثمانية إسطنبول وهو يعد أحد أشهر معالم أسكدار المعروفة أما ثانيهما فقد بني بين عام 1562م وعام 1565م وهو يقع في حي إدرنه قابي بإسطنبول بالقرب من أسوار القسطنطينية البيزنطية القديمة على قمة الهضبة السادسة بالقرب من أعلى نقطة من المدينة وهو يعد معلما بارزا في مدينة إسطنبول وإلي جانب المساجد المذكورة شيد السلطان سليمان القانوني مجمع السليمانية والذى وصفه معمار سنان باشا بأإنه واحد من أبرز معالمه المعمارية التي قام ببنائها ولذا فهو يتباهى به وهذا المجمع تبلغ مساحته الإجمالية حوالي 70 فدان ويحوي هذا المجمع إلي جانب مسجد السليمانية الذى تكلمنا عنه في السطور السابقة مقبرة للسلطان العثماني سليمان القانوني وزوجته وأولاده وأربع مدارس ومكتبة ومستشفي وفندق ودكاكين وحمامات ومدرسة قرآنية وضريح منفذ المسجد معمار سنان باشا وكان يمد هذه المجموعة بكاملها نظام حديث في وقت تشييد هذه المجموعة للتغذية بالمياه كما أنه وبداخل هذا المجمع توجد مساحات خضراء تزيده روعة وجمالا .


وبخلاف المساجد الضخمة التي تعد من روائع الفن المعمارى ومجمع السليمانية قام السلطان العثماني سليمان القانوني بإنشاء العديد من التكايا أولها تكية هرباتي بابا وهي مكان أنشئ للفقراء في مقدونيا ببلاد اليونان عام 1538م كانت مساحتها 26.7 ألف متر مربع وفي عام 2017م أعلنت تركيا أنها تستعد لترميمها وكان ثانيها التكية السليمانية والتي أمر ببنائها السلطان سليمان القانوني في دمشق في عام 1554م وكانت تخدم عابري السبيل والفقراء والحجاج وهم في الطريق لأداء مناسك الحج والعمرة وكانت تؤمن لهم الماء والطعام والمأوى والتعليم للفقراء والمحتاجين وكانت تبلغ مساحتها 11 ألف متر مربع وأقيمت في مكان قصر السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس الذي كان قد هدمه الغازى المغولي تيمورلنك وكانت من تصميم معمار سنان باشا وعلاوة علي كل ما سبق ففي عهد السلطان العثماني سليمان القانوني تم بناء أربعة جسور على أنهار مدينة سراييفو عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك حاليا منها الجسر الروماني وتم بناؤه ما بين عام 1530م وعام 1556م وهو يعتبر من أشهر المعالم السياحية في مدينة سراييفو وجسر تشوموريا وتم بناؤه عام 1556م وجسر تشابانيا وتم بناؤه عام 1557م والجسر اللاتيني فوق نهر ميليا تسكا وتم بناؤه عام 1565م وجسر كريفا في مدينة موستار ببلاد البوسنة أيضا والذى بني على نهر رادوبوليا عام 1558 تحت إشراف المعماري التركي تشيفان كاتودا ويقال إن هذا الجسر بني على سبيل التجربة قبل بناء الجسر القديم ستاري موست بمدينة موستار أيضا وقد تم بناؤه بين عام 1557م وعام 1566م وهو جسر قوسي أثري بني على نهر نيريتفا من الحجر الجيري الأبيض وهو الموضوع حاليا تحت حماية منظمة اليونيسكو العالمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة كمعلم من معالم التراث العالمي حول العالم وهو يعتبر من أعظم الجسور التي خلفتها الدولة العثمانية في منطقة البلقان وقام بتصميمه المهندس معمار خير الدين أحد تلامذة المهندس معمار سنان باشا بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني ويبلغ طول هذا الجسر حوالي 30 مترا وعرضه 4 أمتار ويرتفع عن النهر بحوالي 24 مترا ويتضمن برجين يتخذان شكل الحصن على طرفي الجسر ويقع الحصن الأول في الإتجاه الشمالي الشرقي ويلقب ببرج هيليبيجا أما البرج الثاني فيعرف بجسر تارا وهو يقع في جهة الجنوب الغربي ومما يذكر أنه في عام 1993م قام الجيش الكرواتي بتدمير الجسر أثناء حرب الصرب والكروات علي جمهورية البوسنة والهرسك خلال حقبة التسعينيات من القرن العشرين الماضي لكن أعيد تجديده عام 2004م .


وفي عهد السلطان سليمان القانوني بني أيضا عدد من الخانات في كامل الدولة العثمانية منها في سوريا العثمانية علي سبيل المثال خان الشونة وبني عام 1546م في مدينة حلب من قبل والي حلب وخان الخياطين في مدينة دمشق ويعرف أيضا بخان الجوخية وهو يقع في سوق الخياطين المشهور وقد أنشأه والي دمشق أحمد شمسي باشا في عام 960 هجرية الموافق عام 1554م كما هو مثبت في الكتابة المنقوشة على باب الخان وهو من أوائل الخانات التي شيدت في دمشق أثناء حكم الدولة العثمانية وأيضا كان من الخانات السورية العثمانية خان أفاميا والذى بني في مدينة حماة ليكون إستراحة للحجاج والمعتمرين وتبلغ مساحته سبعة آلاف متر مربع وينسب البعض هندسة الخان إلى المهندس معمار سنان باشا وخان رستم باشا وبني عام 1556م وتبلغ مساحته4500 متر مربع وفضلا عن كل ما سبق إهتم السلطان سليمان القانوني بالعمارة في مدينة القدس الشريف حيث نجده قد أمر بإعادة تجديد وتحصين سور القدس وذلك لتوفير الأمن والإستقرار داخلها وذلك بعد أن وطد الأمن في ربوع الدولة العثمانية وإستعان بأفضل المهندسين لأجل هذا الغرض وكذلك أمر السلطان بتجديد عدد من الأسبلة الموجودة في مدينة القدس وببناء عدد جديد من الأسبلة منها سبيل سليمان الذي أمر ببنائه عام 1536م ويقع في الساحات الشمالية للمسجد الأقصى المبارك كذلك تم بناء خمسة أسبلة غير هذا السبيل في عهده وذلك في مواقع أخرى بمدينة القدس الشريف غير المسجد الأقصى المبارك وإلي جانب الأسبلة أنشأ السلطان سليمان القانوني ما أطلق عليه برك سليمان التي تتسع لما يقارب 2.4 مليون متر مكعب من المياه وكانت هذه البرك تزود مدينتي بيت لحم والقدس الشريف وخاصة المسجد الأقصى المبارك بالمياه لعدة قرون وشيد أيضا تكية خاصكي سلطان والتي بنيت بعد أن زارت روكسلانا زوجة السلطان سليمان القانوني مدينة القدس عام 1552م فأمرت بإنشاء مجمع خيري كبير بالمدينة بعد أن رأت أعداد المصلين والطلاب الكبير في المسجد الأقصى وكانت هذه التكية تقدم الطعام والدعم لخمسة آلاف إلى عشرة آلاف شخص وهي مازالت قائمة إلى الآن وتقدم الطعام لعدد من الفقراء وعابري السبيل وتم وقف أوقاف كثيرة على هذه التكية لزوم الصرف علي الخدمات التي تقدمها وأخيرا فقد إهتم السلطان سليمان القانوني ببناء العديد من الحمامات منها حمام آيا صوفيا وبني عام 1556م بأمر من السلطان سليمان القانوني بعد أن طلبت زوجته حرم سلطان حماما وأشرف على بنائه معمار سنان باشا وقد إستخدمته زوجة السلطان سليمان القانوني مرتين فقط ثم أصبح حماما للسلاطين يستحمون فيه وهو يعد أكبر وأقدم حمام في مدينة إسطنبول وبخلاف هذا الحمام بني أيضا حمام حرم سلطان علي يد معمار سنان باشا في مدينة قونية بوسط إقليم الأناضول وبنى بجانبه خان ومسجد بناءا على طلب من حرم سلطان زوجة السلطان سليمان القانوني وقد بقي الحمام مستخدما حتى سبعينيات القرن العشرين الماضي ثم تم ترميمه وتحويله إلي متحف في عام 2015م وهو يحوي الآن أكثر من خمسمائة أداة كانت مستخدمة أثناء حكم الدولة العثمانية معروضة به وفي النهاية لابد وأن نذكر أن السلطان العثماني سليمان القانوني قد إهتم بالحجاج وتأمين الحماية والماء لقوافلهم المتجهة إلي المدينة المنورة ومكة المكرمة كغيره من سلاطين الدولة العثمانية الذين سبقوه فنجده قد أمر ببناء أربع قلاع لحماية الحجاج وبحفر العديد من الآبار في طريق قافلة الحج الشامي للحجاج القادمين من إقليمي البلقان والأناضول ومن بلاد الشام .


وكان السلطان العثماني سليمان القانوني سابقا لعصره في مجال الحفاظ علي البيئة ففي عام 898 هجرية الموافق عام 1539م أصدر الخليفة سليمان القانوني أول لائحة قانونية للحفاظ على البيئة في قارة أوروبا وفي عهده وجد موظفون مختصون بالحفاظ على نظافة البيئة وكان يطلق عليهم إسم جوبلوك صوباشيسي وعلي الرغم من أن هذه المواد تبدو من المسلمات في هذا العصر إلا أنها في ذلك الوقت لم تكن كذلك في أى بقعة من العالم وكان من المواد التي تشملها اللائحة المشار إليها والتي أصدرها السلطان سليمان القانوني ضرورة المحافظة على نظافة المناطق المحيطة بالمساكن والمتاجر مع ضرورة الإهتمام بنظافة المنشآت العامة كالحمامات والتكايا والخانات وأيضا ضرورة قيام البقالين وأصحاب المهن الأخرى بنقل الفضلات والمياه القذرة إلى خارج المدينة وعدم السماح لأصحاب العربات بإيقاف عرباتهم أمام المنازل والدكاكين بل إيقافها في محلات وقوف خاصة وإلي جانب هذه اللائحة الخاصة بالحفاظ علي البيئة كانت هناك لائحة خاصة بالمحظورات التي يجب الإلتزام بها من الجميع وكان من هذه المحظورات عدم رمي القمامة والنفايات أمام البيوت والدكاكين ورفع ما يرمي منها علي الفور ومنع القائمين على غسيل الملابس وكذلك القائمين على فصد الدم سكب المياه القذرة والدماء على الطرق العامة بل يجب نقلها إلى خارج المدينة ومنع الطباخين وبائعي رؤوس الأغنام المشوية والسراجون من رمي الأعشاب وفضلات الحيوانات على الطرق وعليهم نقلها إلي خارج المدينة فورا ومنع أصحاب العربات من تقديم العلف لحيواناتهم في الدكاكين وعليهم بعلفها مسبقا في أماكن مبيتهم وإن إضطروا لعلفها في الدكاكين فعليهم القيام بتنظيف المكان وإلقاء القمامة والنفايات في أماكن خالية خارج المدينة وإلي جانب هاتين اللائحتين الهامتين كانت هناك تعليمات وتنبيهات مشددة بأنه على الموظفين المعروفين بإسم الجوبلوك صوباشيسي إبداء غاية الإهتمام بنظافة الأسواق ومحلات السكنى وإجبار أصحاب البيوت والمحلات على رفع الأوساخ القريبة من بيوتهم ومحلاتهم وفي حال قول بعضهم إني لم أرم هذه الأوساخ البحث عن الفاعل وإجباره على تنظيف المكان بالقوة الجبرية وجدير بالذكر أنه إلي جانب مجهودات السلطان سليمان القانوني في مجال المحافظة علي البيئة فبعد أن أنشأ العديد من المساجد والخانات والحمامات والقلاع لخدمة رعاياه أمر بإنشاء بيوت للطيور لحمايتها من البرد وتأمين مأوى لها كذلك ففي عام 1550م أصدر السلطان العثماني سليمان القانوني قرارا أعلن فيه منع زيادة الثقل على الحيوانات أثناء إنشاء جامع السليمانية كما أصدر قرارا بأن ترتاح الخيول التي كانت تستخدم في حمل أي أثقال في يوم الجمعة وأن لا يركب عليها أحد حتى ترتاح جيدا ومما يروى عنه أيضا أن ﻣﻮظفي ﻘﺼﺮ طوب قابي مقر الحكم أخبروه عن إستيلاء ﺍﻟﻨﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﺬﻭﻉ ﺍﻷﺷﺠﺎﺭ ﻓﻲ حدائق القصر ﻭﺑﻌﺪ إﺳﺘﺸﺎﺭﺓ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺧﻠﺺ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻰ ضرورة ﺩﻫﻦ جذوع الأشجار ﺑﺎﻟﺠﻴﺮ ﻭﻟﻜﻦ السلطان العثماني سليمان القانوني كان من عادته حين ﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺮ أن يأخذ رأى مفتي الدولة الذى كان لقبه الرسمي شيخ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻲ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩ ﺃﻓﻨﺪﻱ شيخ الإسلام في ذلك الوقت ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻔﺘﻮى ﻓﻠﻢ ﻳﺠﺪﻩ ﻓﻲ ﻣكانه ﻓﻜﺘﺐ ﻟﻪ ﺭﺳﺎﻟﺔ ببيت شعر ﻳﻘﻮﻝ ﻓيه ﺇﺫﺍ ﺩﺏ نمل ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮ ﻓﻬﻞ ﻓﻲ ﻗﺘﻠﻪ من ﺿﺮﺭ ولما قرأ الشيخ أبو السعود أفندى الرسالة أجابه بقوله ﺇﺫﺍ ﻧﺼﺐ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻝ أخذ ﺍﻟﻨﻤﻞ ﺣﻘﻪ ﺑﻼ وجل وﻫﻜﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ العثماني ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ القانوني فقد كان لا يتفذ ﺃﻣﺮﺍ ﺇﻻ ﺑﻔﺘﻮﻯ ﻣﻦ علماء الإسلام .


وفي مجال الأدب والفنون والشعر كان السلطان سليمان القانوني يتقن العديد من اللغات الشرقية علي رأسها اللغة العربية واللغة الفارسية ويحفظ الكثير من سور القرآن الكريم ويحفظ أشعار المتنبي والبحتري وجرير وأبي فراس الحمداني وأبي تمام وكان يكتب الشعر باللغتين العربية والتركية وكان يحتفظ بلقب أكثر من كتب شعرا على بحر الغزل بين الشعراء الكلاسيكيين وبفارق كبير ومن المتفق عليه بين الدارسين أن عظمة شاعريته كانت مساوية لعظمة قيادته العسكرية والسياسية والإدارية وإستخدم القانوني إسم محبي الفني ولضرورة الوزن إستخدم أحيانا أسماء محب والسلطان سليمان ومفتوني وعاجزي وقد أنجز ديوانا يتضمن عدد 2779 قصيدة على بحر الغزل بينما لم يكتب الشاعر زاتي أشهر الشعراء الكلاسيكيين سوى عدد 1825 قصيدة فقط وهكذا يعتبر القانوني صاحب الرقم القياسي في كتابة قصائد على هذا البحر كما أن أكثر شعراء العالم التركي علي شيرنوائي بقي عند الرقم 2616 قصيدة على بحر الغزل وبذلك يتخلف عن رقم القانوني بمائة وست وستين قصيدة وعلاوة علي ذلك فقد كتب بالفارسية قصائد كثيرة لو جمعت لعادلت ديوانا بأكمله وقد طبعت السلطانة عادلة بنت السلطان العثماني محمود الثاني قسما مؤلفا من عدد 875 قصيدة من ديوان محبي عام 1899م تقديرا لأحد جدودها ويذكر المؤرخ الأديب التركي إميل جلبي أوغلو أن القانوني ينبغي أن يعد أحد كبار الشعراء الذين كتبوا في الشعر العثماني وقد رفع القانوني من مكانة الأدباء والعلماء والشعراء ومن ثم إرتقت الفنون والآداب في عصره ونبغ عدد كبير من الأعلام في ذلك العصر وكان يستضيفهم في قصره ويستمتع بمسامراتهم وإصطحابهم معه في ترحاله وكان يعمل دائما على إسعادهم وكان من هؤلاء العلماء علي سبيل المثال لا الحصر العالم الشهير تقي الدين الشامي والذى ولد في دمشق عام 1526م وتوفي عام 1585م وهو عالم ميكانيكي وفيزيائي وهو أول من إخترع ساعة تقيس الوقت بالدقائق كذلك إخترع أول نموذج لمحرك بخارى وألف أكثر من 90 كتاب في شتى المواضيع المختلفة والتي تشمل علم الفلك وصناعة الساعات والهندسة والرياضيات والميكانيكا والبصريات والمنطق ويقول عادل لطيفي أستاذ التاريخ العربي في جامعة باريس في مذكراته عن السلطان سليمان القانوني الكلمات البليغة التي تنتظم في خلجات قلبه أثناء أعمال السلطنة تشبه عقدا من اللؤلؤ وقد وجدت مكانة وشهرة بين المثقفين وفي لغات العالم كلها فبأداء مرهف وكلمات ملونة نظم قصائد على بحر الغزل الجميل بالفارسية والتركية .


ويذكر إسماعيل حقي أوزون تشارشيلي في إحدى مقالاته بمجلة التاريخ التركي إن القانوني كان أيضا فنانا في الخط ويكتب خط التعليق بشكل جميل ويلاحظ أنه كان يستخدم هذا الخط في خطاباته وفي عهده تطور فن الخط وبلغ درجات عالية من التطور ولكون السلطان نفسه كان خطاطا فعلى الرغم من أنه كان يحكم نصف العالم إلا أن ذلك لم ينسه حظه من القرآن الكريم فقد كتب القرآن الكريم بخط يده ثماني مرات وما زالت هذه المخطوطات موجودة حتى الآن في الأرشيف العثماني كذلك ظهر في عهده أشهر الخطاطين العثمانيين وهو أحمد قره حصاري الذي قام بالتخطيط على جدران مسجد سليمان القانوني وكذلك كتب نسخة من القرآن الكريم وأهداها للسلطان العثماني سليمان القانوني وهناك نسخة من القرآن الكريم إستمر أحمد قره حصارى في كتابتها أربعين عاما وقد أهدتها تركيا حديثا لمجلس الأوقاف في مدينة القدس الشريف على أن تعرض في المسجد الأقصى المبارك وإلي جانب فن الخط فقد وصل أيضا فن المنمنمات العثمانية إلى أوجه في عهد السلطان سليمان القانوني وقد قدم عارفي وثائق الحوادث السياسية والإجتماعية التي جرت في عصر سليمان القانوني في منمنمات زاهية وظهر في عهد هذا السلطان عدد من علماء الدين الإسلامي في مقدمتهم أبو السعود أفندي صاحب التفسير المعروف بإسم إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم وعموما فقد رعى القانوني أرباب العلم والفن بشكل دائم وأمر علاء الدين جلبي بترجمة كتاب كليلة ودمنة أحد أهم آثار الأدب الهندي وجاء في مقال لكوك بلغين في الموسوعة الإسلامية التركية إن القانوني قرأ الترجمة المقدمة له بإسم سيرة سلطانية في ليلة واحدة وكافأ المترجم بتعيينه قاضيا على مدينة بورصة وهو منصب يحتاج في الأحوال العادية إلى سبع سنوات خدمة لبلوغه كما أمر شاعرا يدعى ضعيفي بترجمة كتاب إلباسه لباسا روميا من الفارسية إلى التركية وهو كتاب سياسي نموذجي ويمكن إعتبار عمله هذا محاولة على طريق تشكيل فلسفة الدولة من خلال الرسائل وأخبار الشعراء وبالإضافة إلى ما تقدم فقد ترجم مراد بك أحد مترجمي القصر السلطاني كتاب الفيلسوف والخطيب الرومي شيشرون وقدمه للقانوني بعنوان كتاب مديح الشيخوخة وحديثا أعلنت تركيا عن إقامة معرض ينشر فيه أشعار القانوني التي كتبها إلى زوجته بعد أن قام بعض الباحثين المختصين بجمعها من مئات المصادر والمراجع المختلفة .
 
 
الصور :
جامع السلطان سليم الأول أو السليمية جامع مهرماه سلطان في إدرنه قابي جامع مهرماه سلطان في أسكدار جامع رستم باشا بإسطنبول جامع الشاهزاده محمد بن سليمان القانوني بإسطنبول