بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
وتعالوا بنا الآن نلقي نظرة علي النشاط البحرى العثماني في عهد السلطان سليمان القانوني والذى كان له تأثير كبير علي الصراع العثماني الأوروبي ولنبدأ من نقطة إستدعاء السلطان العثماني لخير الدبن باربروسا الذى تحدثنا عنه في السطور السابقة إلي العاصمة العثمانية إسطنبول في عام 939 هجرية الموافق عام 1533م بعدما أعجب به السلطان العثماني وسمع عن مجهوداته الكبيرة في إنقاذ مسلمي الأندلس في عهد جده السلطان بايزيد الأول ثم في عهد أبيه السلطان سليم الأول ثم في عهده ففي عام 937 هجرية الموافق عام 1530م كان قد كلف كبيرِ قباطنته آيدين ريس بالتوجه إلي غرب البحر الأبيض المتوسط وأمره بالتوغل حتى مضيقِ جبلِ طارقٍ وتمشيط السواحل الأسبانية والإغارة عليها دون أن يدع فرصة للنيل منه وكان ذلك بهدف تخليص أكبر عدد من المسلمين اللاجئينَ إلى جبال غرناطةَ والسواحل الأسبانية الشرقية والجنوبية هربا من الإضطهاد الأسباني لهم وحمل كل من تستطيع سفنه حمله فخرج من الجزائر في عشر سفن لأداء هذه المهمة فصادف في طريقه خمس سفن حربية عملاقة فإشتبك معها في معركة ضارية إنتهت بإستيلائه عليها جميعا فشحنها بطواقمها للجزائر ثم تابعَ غاراته على المدن والبلدان المطلة على الساحل الأسباني وقصفها بالمدافعِ وحمل من عثر عليه من المسلمينَ حتى لم يبق في سفنه موضع لقدم وإستجابة لإستدعاء السلطان العثماني سليمان القانوني خرج خير الدين باربروسا من مقره ببلاد الجزائر متجها إلي إسطنبول وفي طريقه إليها أغار على سواحل جنوب إيطاليا وسواحل جزيرة سردينية ثم أوغل شمالا حتى مشارف ميناء جنوة وذلك لأن الدولةَ العثمانية كانت في حرب مفتوحة مع مملكة أسبانيا بسبب إضطهادها للمسلمين ببلاد الأندلس ومن ثم واصل طريقه محاذيا الساحل الإيطالي حتى مضيق ميسينا الفاصل بين جزيرة صقلية الإيطالية والساحل الإيطالي الجنوبي ووجد في مواجهته عدد 18 سفينة حربية أسبانية وإستطاع أن يستولي عليها بعد معركة عنيفة في عرض البحرِ وربطها إلى سفنه وكان القائد البحرى الجنوى أندريا دوريا في ذلك الوقت يجوب سواحل شبه جزيرة المورة بجنوب اليونان ولما بلغه إنتصار ميسينا هرب إلى مدينة أيونيا التي تقع علي الساحل الغربي لإقليم آسيا الصغرى فتعقبه خير الدين باربروسا إلا أنه لم يتمكن من إدراكه فأرسل عدد 25 سفينة لمطاردته فصادفت في طريقها عدد 7 سفن حربية صغيرة لأندريا دوريا إستسلمت إثنتان منها بعد الإشتباك معها ولاذت الخمس الأخرى بالفرار أما خير الدين باربروسا فخرج من أيونيا متجها نحو الجنوبِ فقدم سواحل المورة وإلتقي كما ذكرنا في السطور السابقة بكامنكاش أحمد باشا قبطان باشا الأسطول العثماني الذى كان راسيا بقسم من الأسطولِ في ميناء نافارين بجنوب غرب المورة وتوجها معا إلى العاصمة العثمانية إسطنبول ويلتقي في اليوم التالي بالسلطان العثماني سليمان القانوني الذى إستقبله إستقبالا حافلا وأثني عليه وعلي ما قام به من أعمال بحرية وأصدر فرمانا بتعيينه قائدا للبحرية العثمانية ومنحه لقب القبودان وكلفه ببناء سفن حربية علي أحدث طراز معروف حينذاك وبالفعل قام بإنجاز هذا العمل علي أكمل وجه وأصبح الأسطول العثماني أقوى من الأساطيل الأوروبية في البحر المتوسط مجتمعة .
ولم يلبث القبودان خير الدين باربروسا أن خرج بتكليف من السلطان العثماني سليمان القانوني للغزو في عام 940 هجرية الموافق عام 1534م ومعه ثمانين سفينة حربية وفي شهر أبريل من العام المذكور إستخلص كوروني بوسط بلاد اليونان والتي كان قد إحتلها أندريا دوريا قبل عامين في عام 1532م وباتراس وليبانت بغرب الساحل اليوناني من أيدى الأسبان ثم إتجه صوب إيطاليا حتى إذا بلغ مضيق ميسينا في شهر يوليو من العام المذكور أيضا هاجم ودمر مدينةَ ريدجو المطلة على المضيقِ شمالي غرب إيطاليا وإستولى على قلعة سانت أوسيدو وأحرقها ثم هاجم سان لوكا التابعةَ لريدجو ودمرها هي الأخرى ومنها إتجه جنوبا إلي مدينة وميناء جيترارو حيث أحرقَ ثماني عشرة سفينةً كانت راسية بالميناء وتابع طريقه نحو ناپولي فإستولى على قلعتها وأسر من كان فيها وفي شهر أغسطس هاجم فوندى بوسط إيطاليا والتي تقع في منتصف الطريقِ بين ناپولي وروما وسبرلونجا وتيراسينا وتبعد عن جنوبَ شرقِ روما بحوالي 56 كيلو متر وأوستيا التي تقع جنوب غرب روما بحوالي 25 كيلو متر وهو يعد مرفأ روما على مصب نهر التيبر مما أدى لقرعِ أجراس الكنائس في روما إنذارا وهلعا من غزوها بالصعود إليها عبر نهر التيبر وقد تمكن خير الدين باربروسا في هذه الحملة من أسر 16 ألف أسير وفتح عدد 10 قلاع وقام بإرسال مفاتيحها معَ الأسرى والجرحى وعدد 425 صندوقا كبيرا مليئة بالغنائم على متن عدد 40 سفينة إلي العاصمة العثمانية إسطنبول وأبقي عدد 40 سفينة معه ثم إتجه إلي جزيرة سردينية فهاجمها وأنزل جنده بها وبعدما إكتظت سفنه بالغنائم والأسرى توجه صوب الجزائر لكن سوء الأحوال الجوية أجبره علي التوجه إلي ميناء بنزرت بغرب تونس وما أن شاهد حاكمها ضخامةَ سفن القائد العثماني القبودان خير الدين باربروسا حتي سارع يخبر السلطان الحفصي أبو عبد الله مولاى الحسن بذلك وتنص المصادر التاريخية على أن القبودان خير الدين باربروسا كان هدفه من ضرب السواحل الإيطالية وتدميرها بث الرعب في نفوس الأسبان وإبعادهم عن غزو تونس فبعمله هذا أجبرهم على إستنفار قواتهم وإستبقاءها في أراضيهم وتوزيعها بصفة خاصة علي السواحل إستعدادا للتصدى للقبودان خير الدين باربروسا حال الهجوم عليهم بينما تنص بعض المصادر الأخرى علي أن القصد من أعماله كان إستدراج القائد الجنوى أندريا دوريا ومنازلته والقضاء علي قوته نهائيا إلا أن الأخير فضل عدم الظهور في الصورة ولم يحرك ساكنا لعلمه بأنه لن يستطيع مواجهة سفن الأسطول العثماني .
وتوجه القبودان خير الدين باربروسا بعد ذلك من بنزرت إلي تونس عاصمة الحفصيين وما أن وصل إليها حتي خرج الأهالي لإستقباله وفي الوقت نفسه إستطاعت قواته دخول منطقة قلعة حلقِ الوادي المتحكمة في خليج تونس وأنزل جنده إلى البر ودخل تونس بخمسة آلاف خيال وتمكن من الإستيلاء على القلعة ويذكر خير الدين في مذكراته إنه قد توغل جنوبا حتى بلغ مدينة القيروان ثم قفل عائدا إلى تونس وفي يوم 6 صفر عام 941 هجرية الموافق يوم 16 أغسطس عام 1534م هرب السلطان الحفصي أبو عبد الله مولاى الحسن من تونس أما من قاوم من أنصاره فألقي القبض عليه وسجن في القلعة فيما قتل بعض الشيوخِ ممن وضعوا ترتيبات المقاومة وإستنجد السلطان الحفصي بالملك شارلكان لإستعادة عرشه والذى خف لنجدته ولم يكن ينتظر فرصةً خيرا من هذه ليثأر من خيرِ الدين الذى بدوره شرع يستعد وكانت العادة الخروج ربيعا أو صيفا لكن على غير عادته ففي شتاء ذلك العام أرسل خير الدين باربروسا بعض السفن لضرب السواحل الأسبانية ويبدو أنه أراد تشتيت بحرية العدو بهجومٍ إستباقي ومن ثم وجه أسطوله للإغارة على سواحل جزيرة سردينية فعاد محملا بإثنتي عشرة ألف دوقية ذهبية وأربعمائة وخمسة وسبعين أسيرا مع غنائم أخرى كثيرة وخرج شارلكان من برشلونةَ في يوم 1 ذى الحجة عام 941 هجرية الموافق يوم 2 يونيو عام 1535م ومعه عدد 20 ألف منَ المشاة وألفين من الخيالة تم حشدهم من مختلف مناطقِ الإمبراطورية الرومانية المقدسة إضافةً لفرسان مالطة وهم في الأصل الفرسان الإسبتارية الصليبيين الذين طردهم السلطان العثماني سليمان القانوني من جزيرة رودس عام 1522م فإنتقلوا إلي جزيرة مالطة فأقطعهم شارلكان هذه الجزيرة وطرابلس الغرب بمصادقة البابا وتلقبوا بفرسان مالطة وبفرسان القديس يوحنا أيضا وكانوا قد داوموا على نشاطهم المعهود بالقرصنة على السفنِ المسلمة ومهاجمة سواحل شمالي أفريقيا على وجه الخصوص وإصطحب شارلكان عتادا كبيرا من المدافعِ وتنص بعض المصادر التاريخية علي أن عدد سفنه قد بلغ مائتي سفينةً بينما يذكرها خير الدين في مذكراته بأنها كانت خمسمائة ما بين حربية وناقلة للجنود ووصل شارلكان إلي تونس بعد 17 يوما من مغادرته برشلونةَ وكان الإستيلاء على تونس يستلزم إحتلال قلعة حلقِ الوادي والتي كان القبطان سنان ريس يدافع عنها مع تعليمات بالصمود لأطول مدة ريثما يصل الأسطول العثماني الذى أرسل خير الدين من يستدعيه بحسب مذكراته وعندما إقتربَ شارلكان أمر عدد أربعة من سفنه الكبيرة بقصف القلعة بشكل مستمر ثم أنزل جيشه إلى البر بمدافعه الثقيلة وباشر الهجومَ مع إستمرار القصف المدفعي ومعَ ذلك بقيت القلعةُ صامدة قُرابةَ شهر وعلي الرغم من القصف المدفعي المكثف نظم سنان ريس عدد ثلاث هجمات خاطفةً على الأسبان قتل خلالها ستةُ آلاف جندى من جنود شارلكان .
أما خير الدين باربروسا فقد أقام في تونس يتربص لما سيقوم به السلطان الحفصي ولم يهاجم الأسبان حتى لايدع له فرصةَ مهاجمته منَ الجنوب فيقع بين فكي كماشة وكانَ معه إثنا عشر ألف جندى نصفهم من المتطوعين البدو الذين لا خبرة لهم كثيرا بقتال الجيوش وأما السلطان الحفصي أبو عبد الله مولاى الحسن فقد كان في طريقه إلى تونس في ألف وستمائة فارس وثمانية آلاف جمل محملة بالطعام ولوازم الحرب وإذ بدت علامات سقوط قلعة حلقِ الوادي بيد الأسبان ظهرت أمارات السخط والتذمر والثورة من جانب الأهالي في تونس ويشير خير الدين في مذكراته أن ذلك كان نتيجة أن السلطان الحفصي كان قد أشاع بين الناس عبر أتباعه وجواسيسه أنه قد إتفق مع الملك شارلكان علي إنقاذ تونس من الأتراك العثمانيين وأنهم لن يريقوا قطرة دم من مسلم وبذلك وجد خير الدين باربروسا ورجاله أنفسهم وسط محيط معاد وفي هذه الأثناء سقطت قلعةُ حلقِ الوادي إلا أن سنان ريس بكفاءة لاتخلو من شجاعة وبسالة نادرة تمكن من تنفيذ إنسحاب بارعٍ إلى تونسَ في يوم 14 محرم عام 942 هجرية الموافق يوم 14 يوليو عام 1535م بمن بقي معه منَ البحارة العثمانيين وبقي خير الدين يدافع عن تونسَ ستةَ أيام بعد سقوط قلعة حلقِ الوادى وكبد شارلكانَ خسائر فادحة وبإلتحاقِ سنان ريس وبحارته إلي خير الدين إرتفع عدد قواته إلى تسعة آلاف وسبعمائة جندى وفي المقابل كان جيش شارلكان يتألف من عدد ثلاثينَ ألفا مع عدد خمسمائة سفينة ومجهزا بمئات المدافعِ ويعاضده السلطان الحفصي الذى سار بجيشه من الجنوب وقد جعل ذلك كله التصدى لهذه القوات في حكم المستحيل وعلاوة علي ذلك فإن أربعين مدفعا ثقيلا من عتاد خير الدين كان قد إستولى عليها الأسبان في حلقِ الوادي وتوجه السلطان الحفصي إلي معسكرِ شارلكان وشرع الإثنان يحشدان قوات كبيرة للإشتباك مع خير الدين وفي أول إشتباك فقد خير الدين ألفين وخمسمائة جندي وكانت جميع الدلائل والمؤشرات تشي بأن ليس بوسعه الإستمرار بمن تبقى معه من جند وكان عددهم آنذاك قد تقلص إلي سبعةُ آلاف ومائتينِ فضلا عن شدة الحر إذ كانت المعارك تدور في عز الصيف وبعد آخر هجوم على العدو أراد خير الدين الإنسحاب إلى مدينة تونس إلا أنه فوجئ بإغلاق أبوابها في وجهه حيث إنقلب عليه المتطوعون البدو وكان عددهم ستةُ آلاف وقاموا بينما كان خير الدين يقاتل هو ورجاله أمام الأسوار بفتحِ أبواب السجون لينطلق منها عشرة آلاف أسير أجنبي كان على رأسهِم لفتحِ الأبواب أسير نصراني كان قد تحول حديثا إلى الإسلام يدعى جعفر فإندفعَ الأسرى من زنازينهِم متفرقين في أنحاء المدينة وسيطروا عليها وهكذا وقع خير الدينِ ورجاله بين نارين وقرر خير الدين أمام هذه الظروف شن هجوم كبير أخير بهدف تشتيت صفوف جيش شارلكانَ والنجاة من الحصارِ وإستطاع بالفعل هو وجنوده البواسل تمزيق صفوف الأعداء بمنتهى الشجاعة وشق طريقه حتى مدينة عنابة شرقي بلاد الجزائر حيث كانت تنتظرهم عدد 14 سفينة حربية .
وكنتيجة لهذه المعركة الضارية الغير متكافئة سقط الآلاف من جنود خير الدين شهداء ولم يبق معه سوى آيدينِ ريس وسنانِ ريس وبضعة آلاف من البحارة المثخنين بالجراح وفي الطريق توفي أيضا قائده المتمرس آيدين ريس غرقا ولما دخل شارلكان تونس بعد المعركة قام بمذبحة مروعة على الرغم من أن السلطان الحفصي دخلها قبله وأمن الناس علي أرواحهم وأملاكهم فقتل عدد 30 ألف نفس وتم إسترقاق عشرة آلاف امرأة وطفل وتم تخريب المساجد والمدارس وحتي المقابر ونهبت محتويات القصور والدور وتم حرق آلاف الكتب والمخطوطات ويذكر المؤرخ التونسي إبن أبي الضياف أن ثلث سكان تونس أُبيدوا وثلثهم أسروا وطمست معالم المدينة تماما وكان من نتائج هذه الحملة تنازل السلطان الحفصي عن قلعة حلق الوادى وبنزرت وعنابة للأسبان والسماح لهم بالسكني في جميع أنحاء البلاد مع سداد إتاوة سنوية قدرها إثنا عشر ألف دوقية ذهبية وبإنسحاب خير الدين من تونس التي بقيت تحت سيطرته أحد عشر شهرا وبسقوطها بيد شارلكان خضع الحفصيون للأسبانِ فيما بقيت مناطق تونس الجنوبية وسواحلها الشرقيةُ خاضعةً لباربروسا والذى إنسحب من عنابة التي كان قد وصل إليها كما أسلفنا متجها إلي الجزائر ومن هناك خرج بهدف الإنتقام من الأسبان في عدد 32 قطعة بحرية حتي أرخبيل جزر البليار التابع للأسبان وتمكن من أسر خمسة آلاف وخمسمائة من ميناءى ماهون وبالما وبعد ذلك أوغل إلى المحيط الأطلسي وطاف في خليجِ قادش بجنوب غرب أسبانيا ثم قام بتخريبِ ميناء فارو جنوبي البرتغال وإستولى في سواحل فارو على سفينة برتغالية كبيرة ذات 76 مدفعا وعلى متنها 300 بحار وكان يدفعها مئات الجدافين كانت قادمةً من الهند محملةً ببضائع قيمة إضافةً إلى 36 ألف دينار ذهبي وعقب إقامة قصيرة في الجزائر ثبت ربيبه حسن أغا الطواشي علي إمارة الجزائر وتوجه إلي إسطنبول في يوم 13 ربيع الآخر عام 942 هجرية الموافق يوم 10 أكتوبر عام 1535م وبخروجه من الجزائر هذه المرة أضحت حياته غير مرتبطة فقط بالشمال الأفريقي وأصبحت مرتبطة بالمهام المرتبطة بالأساطيل العثمانية التي يكلفه بها السلطان العثماني سليمان القانوني في أي جبهة بحرية .
وكان من هذه المهام التي قام بها القبودان خير الدين باربروسا بناءا علي توجيهات وتعليمات السلطان العثماني سليمان القانوني الحملة التي سميت حملة أوترانتو وكورفو وبحر إيجة وكان بداية خروجه لهذه الحملة في يوم 1 ذى الحجة عام 943 هجرية الموافق يوم 11 مايو عام 1537م متجها نحو أوترانتو بجنوب إيطاليا وجزيرة كورفو الإستراتيجية والتي تقع غرب بلاد اليونان والمشرفة على مضيقِ أوترانتو الذى يقع بين ألبانيا وإيطاليا ويعد مدخل البحر الأدرياتيكي من البحر المتوسط والذى كان سقوطها يعني تقييد حركة الأسطول البندقي ولاسيما التجارى بين جمهورية البندقية الإيطالية والبحر الأبيض المتوسط خاصة وأن البحر الأدرياتيكي كان يعد بحر خاص بجمهورية البندقية نظرا لسيطرتها على سواحله حتي أنه كان يسمى بحر البنادقة ولحقه السلطان العثماني سليمان القانوني بالجيش بعد ستة أيام في يوم 7 ذي الحجة الموافق يوم 17 مايو عام 1537م وقد تألفت القوة البحرية العثمانية من عدد 280 قطعة بحرية عليها ثلاثونَ ألف جداف وعشرات الآلاف من جنود البحرية الأكفاء وعدد أربعةَ آلاف جندى إنكشارى وعدد ستمائة مدفعٍ برى وعدة آلاف من الفرسان السباهية الثقيلي التدريع وفي يوم 11 يوليو عام 1537م دخل الأسطول العثماني خليج آفلونيا قبل السلطان العثماني بيومين ثم إجتاز مضيق أوترانتو وكانت المهمة الموكلة إليه تأمين الحصار البحرى ونقل الجند ومساندة القوات البرية بالقصف البحرى حتي يمكنه إنجاز الفتح وتم إحتلال أوترانتو في يوم 23 يوليو عام 1537م وكانت تابعة حينذاك لمملكة ناپولي بجنوب إيطاليا لمدة شهر لكن الحصارَ البحرى العثماني الفرنسي على جزيرة كورفو لم يفلح في إحتلالها لمناعة دفاعاتها ويذكر القبودان خير الدين باربروسا في مذكراته عن هذه المعركة إنه عقب دخوله البحر الأدرياتيكي لمح أسطولا كبيرا يتبع جمهورية البندقية الإيطالية فشن هجوما عليه فأغرق منه أربعة عشر سفينة حربية كبيرة وإستولي علي ستةَ عشر سفينة أخرى فيما لاذت باقي السفن بالفرار ولم يلبث السلطان العثماني سليمان القانوني طويلا وقفل راجعا إلى عاصمته إسطنبول برا .
وبعودة السلطان سليمان القانوني إلي إسطنبول أوكل القبودان خير الدين باربروسا القسم الأكبر من الأسطول العثماني للطفي باشا ليعود به وتوجه هو للغزو تنفيذا لتعليمات السلطان حيث كان على خير الدين متابعة الصراعِ بين الدولة العثمانية وجمهورية البندقية الإيطالية فغادر كورفو على رأس 60 أو 70 سفينةً وقام بغزوِ جزيرةِ كيفالونيا والتي تقع غربَ اليونان ثم هاجم جزيرة كيثيرا التي تقع ما بين جزيرة كريت وشبه جزيرة المورة وغنم منها غنائم كثيرة ثم حاصر بعض الجزر عند خليجِ أجانيطس وهو جزء من بحر إيجة لثلاثة أيام قبل أن يحوزها ثم هاجم جزر مرتد وباروس وأنتيباروس والتابعة لليونان وتقع في بحر إيجة وإستولي عليها ثم توجه إلي جزر كيكلاد في شهر سبتمبر عام 1537م الإستراتيجية جنوبي بحر إيجة وكانت تحكم من قبل دوقية الأرخبيل التابعة لجمهورية البندقية وقام خير الدين بالتجول في الجزر المذكورة واحدة تلو الأخرى وأجبر دوق الأرخبيل جيوفاني الرابع كريسبو على إعلان تبعيته للعثمانيين وتسديد خمسة آلاف ليرة ذهبية ضريبةً سنوية كما تمكن أيضا من السيطرة على عدد منَ الجزر اليونانية التي تنتشر ببحر إيجة مثلَ سيروس ونيوس وتينوس وبطمس وجياروس وأستيباليا وبعد هذه الحملة خرج خير الدين في حملة أخرى بما أمكنه من سفن في يوم 9 محرم عام 945 هجرية الموافق يوم 7 يونيو عام 1538م وكان معه عدد 40 سفينة وودعه السلطان سليمان القانوني ومعه رجال دولته وكان الهدف من هذه الحملة الإستيلاء علي جزيرة كريت بالبحر المتوسط لكنه عندما علم أن غريمه القائد الجنوى أندريا دوريا لم يكن في كريت عمد إلي فتح بعضِ الجزر الإيجيه حيث فتح جزيرتي سكياثوس وسكيروس وأرسل الغنائم إلى إسطنبول ثم بسط سيطرته على جزرِ أندروس وسيريفوس وسكوربينتا على التوالي منَ الشمال إلى الجنوب.
وفي مجال السواحل الأفريقية وسواحل البحر الأبيض المتوسط كان السلطان سليمان القانوني قد تلقي أنباء بأن القائد الجنوى أندريا دوريا قد إحتل حصن كوروني بغرب المورة بجنوب بلاد اليونان وكان الوجود الأسباني شرق البحر الأبيض المتوسط قد مثل منافسةً ضمنيةً للسيطرة العثمانية في المنطقة ومن ثم كلف السلطان سليمان القانوني قائد البحرية العثمانية خير الدين باربروسا المعروف لدى الأوروبيين بإفشال التحدي الأسباني في البحر المتوسط وكان شارلكان عام 1535م قد إنتصر على العثمانيين في تونس وفي الحرب ضد جمهورية البندقية عام 1537م وقبل السلطان سليمان القانوني إقتراحات فرانسوا الأول ملك فرنسا الذي كان يخوض حربا ضد شارلكان وفي يوم 4 جمادى الأولى عام 945 هجرية الموافق يوم 28 سبتمبر عام 1538م هزم خير الدين باربروسا أساطيل الحلف الصليبي المقدس مجتمعةً والذى كان يشمل عدد سبعة دول في معركة بروزة البحرية شر هزيمة وبذلك إستطاع أن يوطد أمن الدولة العثمانية ويؤمن نفوذها شرقي البحر الأبيض المتوسط لثلث قرن لاحقٍ حتى إندلاع معركة ليبانت عام 1571م وكانت هذه المعركة المعروفة بإسم معركة بروزة أو بريفيزا قد وقعت في التاريخ المذكور في خليج أكتيوم بالقرب من ميناء بريفيزا غربي بلاد اليونان والذي كانت قد وقعت فيه معركة أكتيوم البحرية عام 31 ق.م بين القائد الروماني أوكتافيوس وبين الملكة كليوباترا السابعة آخر ملوك البطالمة في مصر وحليفها القائد الروماني مارك أنطونيوس وإنتصر فيها الأسطول العثماني على التحالف الصليبي وكانت هذه المعركة معركة هائلة تحركت لها دول أوروبا إستجابة لنداء البابا في روما فتكونت حملة صليبية من أسطول مكون من أكثر من 600 قطعة بحرية منها 302 سفينة حربية كبيرة تحمل نحو ستين ألف جندي من أسبانيا والنمسا والبندقية ويقوده الجنوى أندريا دوريا الذى كان يعد آنذاك من أعظم قادة البحر في قارة أوروبا أما القوات العثمانية فتكونت من عدد 122 سفينة تحمل عشرين ألف جندي وإلتقى الأسطولان في بروزة وفاجأ القائد العثماني خير الدين باربروسا خصمه قبل أن يستعد للقتال فتفرقت سفنه من هول الصدمة وهرب القائد الأوروبي من ميدان المعركة التي لم تستمر أكثر من خمس ساعات والتي حسمت لصالح العثمانيين وتم تدمير عدد 13 سفينة من سفن التحالف الأوروبي بالكامل بمن عليها من بحارة وإعطاب أكثر من عدد 110 سفينة أوروبية كما تم أُسر عدد 36 سفينة أخرى وعدد 3000 أسير أوروبي بينما لم يفقد الجيش العثماني أي سفينة ونظرا لأهمية هذه المعركة يعتبر يوم وقوع معركة بروزة هو يوم البحرية التركية وقد أثار هذا النصر الفزع والهلع في جميع أنحاء قارة أوروبا وحقق للبحرية العثمانية هيبتها في البحر الأبيض المتوسط ولما وصلت أنباء هذا الإنتصار للسلطان العثماني سليمان القانوني إستقبلها بفرحة غامرة وأمر بإقامة الإحتفالات في جميع أنحاء الدولة العثمانية وجدير بالذكر أن الأسطول العثماني الذى كان يقوده خير الدين باربروسا قد شارك الأسطول الفرنسي في حروبه البحرية بموجب التحالف الذى عقده السلطان العثماني سليمان القانوني مع فرانسوا الأول ملك فرنسا مما ساعد الفرنسيين في إستعادة مدينة نيس التي تقع بجنوب فرنسا عام 950 هجرية الموافق عام 1543م بالإضافة إلى جزيرة كورسيكا التي تقع في البحر المتوسط غربي السواحل الإيطالية شمالي جزيرة سردينية الإيطالية وفضلا عن ذلك فمن جانب آخر فقد إتسع نطاق عمل الأسطول العثماني فشمل البحر الأحمر أيضا حيث إستولى العثمانيون على ميناء سواكن السوداني وميناء مصوع الأريترى واللذان يقعان علي سواحل البحر الأحمر كما تمكن العثمانيون أيضا من الإستيلاء علي سواحل بلاد الحبشة وبذلك إستطاع أن يخرج البرتغاليين من مياه البحر الأحمر مما أدى إلى إنتعاش حركة التجارة بين قارة آسيا ودول الغرب الأوروبي عن طريق البلاد الإسلامية .
وإذا ألقينا نظرة علي التوسعات والفتوحات التي تمت في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني سنجد أنه قد تمكن من ضم أراض واسعةً شمالي قارة أفريقيا وأضحت طرابلس الغرب وجنوب تونس والجزائر إمارات عثمانية ذاتية الحكم والتي شكلت طليعة جبهة السلطان سليمان القانوني في صراعه مع الملك شارلكان الذي حاول إخراج العثمانيين من الجزائر عدة مرات إنتهت آخرها بهزيمة مذلة عام 1541م وذلك بعدما تم إستدعاء خير الدين باربروسا من جانب السلطان العثماني سليمان القانوني إلي إسطنبول قبل ذلك بثماني سنوات أي في عام 1533م نظرا لجهوده العظيمة في مواجهة الصراع البحرى ضد أعداء الدولة العثمانية بالبحر المتوسط وتحقيقه للعديد من الإنتصارات فقرر السلطان العثماني الإستعانة بجهوده في الجبهة الأوروبية وإستخلف مكانه في عام 1535م في قيادة الجزائر ربيبه حسن أغا الطواشي وكان لا يقل كفاءة عن خير الدين فإنتهز الملك الأسباني شارلكان الفرصة وقرر القيام بعمل ضخم ضد الشمال الأفريقي ظنا منه أن الساحة قد أضحت خالية أمامه بعد إنتقال خير الدين إلي إسطنبول ولكنه إنتظر حتى أنهى خلافاته الكبيرة مع ملك فرنسا فرانسوا الأول ثم دعا بعدها لحملة صليبية ضخمة على الجزائر إشترك فيها بجانب جنسيات الدول التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة فرسان مالطة وكرسي البابوية وبلغ تعداد الحملة مئات الآلاف وأكثر من 600 سفينة وسار شارلكان بحملته الصليبية الجرارة ورسا على شواطئ الجزائر في يوم 28 جمادى الآخرة عام 948 هجرية الموافق يوم 18 أكتوبر عام 1541م وأمام هذه الأحداث الخطيرة إجتمع حسن أغا الطواشي مع زعماء الجزائر وقادة جنده وقرروا الدفاع عن البلاد حتى آخر قطرة في دمائهم وإستثار حمية المسلمين هناك حتى أقسموا جميعا على الموت في سبيل الله والإسلام وأسرع وأعد جيوشه وإستعد لمعركة حاسمة على أرض الجزائر وقد رأى شارلكان تجهيزات أهل الجزائر ودفاعاتهم فسخر منها وأراد أن يدخل عليهم الهزيمة النفسية فأرسل إليهم برسائل تهديد ووعيد وإنذار بالويل والثبور إن هم لم يستسلموا ويسلموا البلد له ولكن حسن أغا الطواشي رد عليه برسائل قوية تفيض عزة وكرامة أهل البلد فقال له تعال وإستلم القلعة والبلد إن إستطعت ولكن لهذه البلاد عادة أنه إذا جاءها العدو لا يعطى إلا الموت وذكره بهزيمة أسبانيا على سواحل الجزائر مرتين من قبل وأن الثالثة ستتحقق معه بإذن الله تعالي وأيقن شارلكان أن أهل البلاد مصممون على الدفاع عنها خاصة بعد أن طلبوا منه أن يسمح لمن أراد الخروج من أهل الجزائر مثل النساء والأطفال بالمرور من منطقة باب الوادى التابعة لمدينة الجزائر وما كان في ظن شارلكان ومن معه أن المدينة ستصمد أو تقاوم وكانت مشروعاتهم تدور فيما بعد الجزائر فلم ينزلوا مدافع القصف وفوجئوا بمقاومة في منتهى العنف والشدة خاصة من كتائب المتطوعين الذين توافدوا جماعات تلو جماعات على مدينة الجزائر بمجرد سماعهم بخبر نزول الأسبان عليها وكانوا أجدر وأخبر بأرض المعركة من عدوهم ثم جاءت الإمدادات الإلهية حيث هبت ريح عاصفة قوية وزوابع بحرية عاتية قلبت سفن العدو وخيامه ومعسكره وإنهال المطر على المنطقة فأفسد مفعول البارود وحاول شارلكان وسط هذه الكوارث حفظ ماء وجهه بالهجوم الشامل على مدينة الجزائر عبر باب الوادى في يوم 4 رجب عام 948 هجرية الموافق يوم 23 أكتوبر عام 1541م وعندها كشف أهل الجزائر عن الوجه الحقيقي وظهرت بطولات رائعة خاصة من كتيبة الحاج بكر قائد الفرسان التي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف المقدمة الأسبانية وإتبع المسلمون أسلوب الكر والفر العربي القديم في التعامل مع العدو الأسباني وفشلت كل محاولات الملك شارلكان لكسب ولو شبر واحد من أرض الجزائر وفي النهاية إنتابه اليأس من إحراز أي نصر و إضطر أن يلملم أشلاء جيشه وحملته الفاشلة ويبحر على من بقي من سفن أسطوله المحطم من عار وخزي الهزيمة المذلة التي نالها وتوجه إلى إيطاليا ولم يتوجه إلى أسبانيا .
وقد كان لفشل شارلكان في حملته الصليبية على الجزائر أثر عميق على الصعيد العالمي بأسره فلقد نزلت أخبار الهزيمة كالصاعقة على دول أوروبا وإنفرط عقد التحالف الأوروبي الصليبي وإنفض الجميع من حوله ولم تقم له بعدها قائمة وظل يلعق جراح هزيمته بالجزائر حتى هلك بعدها بقليل وبعد هذه الحملة الصليبية الفاشلة علي الجزائر تتابعت عمليات الجهاد البحرى العثماني في إطار الحرب ضد أسبانيا لفترة قصيرة ومن جانب آخر فقد أمنت التوسعات البحرية العثمانية السيطرة علي البحر الأحمر والخليج العربي حتى عام 1554م حينما هزم البرتغاليون الأسطول العثماني وكان البرتغاليون قد إستولوا على جزيرة هرمز في مضيق هرمز بوابة الخليج العربي عام 1515م في عهد السلطان العثماني سليم الأول وإستمرت منافساتهم للسلطان سليمان القانوني للسيطرة على عدن في اليمن ولكن تهديداتهم في البحر الأحمر إنتهت عام 1542م وبسبب مواجهتهم لعدو واحد وهو الملك الأسباني والإمبراطور الروماني المقدس شارلكان سعى الملك الفرنسي فرانسوا الأول لتجديد التحالف الفرنسي العثماني فأرسل السلطان سليمان القانوني مائة سفينة تحت قيادة القبطان خير الدين باربروسا لمساعدة فرنسا غرب البحر المتوسط وغزا باربروسا شواطئ صقلية ونابولي وبعد وصوله فرنسا قدم له فرانسوا الأول مدينة تولون لتكون قاعدة للبحرية العثمانية كما ذكرنا في السطور السابقة وذلك في إطار الحملة ذاتها وحاصر باربروسا نيس في عام 1543م لكن بحلول عام 1544م إنتهى التحالف الفرنسي العثماني مؤقتا بتوقيع الصلح بين فرانسوا الأول وشارلكان في جزيرة مالطة ذات الموقع الإستراتيجي والتي أعاد فرسان القديس يوحنا تشكيل أنفسهم بها بعدما طردهم السلطان العثماني سليمان القانوني من معقلهم بجزيرة رودس في عام 1522م تحت إسم فرسان القديس يوحنا أو فرسان مالطة بداية من عام 1530م وأثارت قرصنتهم ضد سواحل شمال أفريقيا وسفن المسلمين في البحر المتوسط غضب الدولة العثمانية التي أرسلت حملةً عظيمةً لفتح جزيرة مالطة عام 1565م وبدأ حصار جزيرة مالطة الكبير في يوم 18 مايو عام 1565م وإستمر حتى يوم 8 سبتمبر عام 1565م وفي البداية بدأت المعارك تكرارا للمعارك في رودس فدمرت عدة مدن في جزيرة مالطة وقضى نحو نصف الفرسان نحبهم في القتال ومنهم قائدهم فاليتي الذي سميت فاليتا عاصمة مالطة على إسمه لكن بوصول مدد من أسبانيا تغير ميزان القوى فإنسحب العثمانيون بعدما خسروا عددا كبيرا من جنودهم .
|