الأحد, 1 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان سليمان القانوني
-ج1-

السلطان سليمان القانوني
-ج1-
عدد : 08-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”

السلطان سليمان القانوني هو السلطان سليمان خان الأول بن السلطان سليم خان الأول بن السلطان بايزيد الثاني وهو عاشر السلاطين العثمانيين وخليفة المسلمين الخامس والسبعون وثاني من حمل لقب أمير المؤمنين من آل عثمان بعد أبيه السلطان سليم الأول وقد أطلق عليه عدة ألقاب أخرى منها خليفة رسول الله في الأرض وحاكم بيت عثمان وحامي المدن المقدسة الثلاث مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وخان الخانات وسلطان السلاطين وصاحب الجلالة الإمبراطورية وفي واقع الأمر فقد إستحق عن جدارة كل هذه الألقاب حيث بلغت الدولة العثمانية الإسلامية في عهده أقصى إتساع لها حتى أصبحت قوة عظمي وأقوى دولة في العالم في ذلك الوقت ولذا فقد أصبح حاكما بارزا في قارة أوروبا في القرن السادس عشر الميلادى بصفته كان يتزعم قمة سلطة الدولة العثمانية الإسلامية العسكرية والسياسية والإقتصادية كما كان يقود الجيوش العثمانية لغزو المعاقل والحصون المسيحية في بلجراد وجزيرة رودس وأغلب أراضي مملكة المجر ثم قيامه بحصار مدينة فيينا عاصمة النمسا حاليا في عام 1529م ثم في عام 1532م وفضلا عن ذلك فقد إستطاع أن يضم أغلب مناطق الشرق الأوسط في صراعه مع الصفويين الشيعة ومناطق شاسعة من شمال أفريقيا حتى الجزائر تحت حكمه وأيضا سيطرت الأساطيل العثمانية في عهده على بحار المنطقة من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر حتى الخليج العربي وهو صاحب أطول فترة حكم بين السلاطين العثمانيين حيث إمتد حكمه ما يناهز 46 عاما وذلك منذ أن خلف أبيه السلطان سليم خان الأول بعد وفاته في يوم 22 من شهر سبتمبر عام 1520م وحتى وفاته في يوم 7 سبتمبر عام 1566م وخلفه إبنه السلطان سليم الثاني وبعد أن تولي السلطان سليمان القانوني السلطنة وكان عمره آنذاك 26 عاما بدأ فورا في مباشرة أمور الدولة العثمانية وتوجيه سياستها ومما عرف عنه إنه كان يستهل خطاباته دائما بالآية القرآنية الكريمة إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم وقد عرف عند الغرب بإسم سليمان العظيم وفي الشرق بإسم سليمان القانوني وذلك نظرا لما قام به من إصلاحات جذرية كبيرة في النظام القضائي العثماني ففي خضم توسيع الإمبراطورية لم ينس السلطان العثماني سليمان القانوني أن يدخل إصلاحات قضائية تهم المجتمع والتعليم في مجال القانون الجنائي وقوانين الضرائب والتي بلغت مجموعها مائتي قانون تقريبا وكانت هذه القوانين مؤثرة تأثيرا كبيرا في شكل الإمبراطورية العثمانية لقرون عديدة في حياته وبعد وفاته ومما يذكر أيضا أنه مما خلد إسمه في هذا المجال قيامه بتطبيق القوانين على الجميع بكل عدل ودون أي تمييز والمادة الآتية الموجودة في قوانينه دليل جيد على ما نقول ونصها القاعدة الثابتة أن العقوبات الموضوعة للجرائم تكون عامة للجميع سواء أكان سباهيا أي فارسا أو من الرعايا أو شريفا أو وضيعا أو دنيئا فمن إرتكب أى جريمة من هذه الجرائم فإنه تطبق عليه العقوبة المنصوص عليها ومن جانب آخر كان السلطان العثماني سليمان القانوني شاعرا وصائغا كما أصبح أيضا راعيا كبيرا للثقافة ومشرفا على تطور العلوم والفنون والآداب والعمارة في العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية وإستطاع أن يجيد أربع لغات غير اللغة التركية وهي اللغات العربية والفارسية والصربية والجغائية وهي لغة من مجموعة اللغات التركية المرتبطة بالأوزبكية والأويغورية وهي لغات تركية قديمة ويعتبر بعض المؤرخين هذا السلطان أحد أعظم الملوك علي مستوى العالم في كافة العصور لأن نطاق حكمه ضم الكثير من عواصم الحضارات الأخرى كأثينا وصوفيا وإسطنبول وبودابست وبوخارست وبلجراد وزغرب وسراييفو وتبريز وبغداد ودمشق وبيروت والقاهرة وطرابلس الغرب وتونس والجزائر وغيرها .


وكان مولد السلطان العثماني العظيم سليمان القانوني في مدينة طرابزون الواقعة على سواحل بحر البنطس أو البحر الأسود شمالي شرق الأناضول علي طريق الحرير التاريخي القديم يوم 6 نوفمبر عام 1494م ووالدته هي عائشة حفصة سلطان أو حفصة خاتون سلطان التي توفيت أثناء سلطنته في عام 1534م وحينما بلغ السابعة من عمره ذهب ليدرس العلوم والتاريخ والأدب والفقه والتكتيكات العسكرية في مدارس الباب العالي في العاصمة العثمانية إسطنبول وإشتهر منذ شبابه بالجدية والوقار ولما بلغ عمره 17 عاما تولى منصب والي فيودوسيا أو كفة بشبه جزيرة القرم بأوكرانيا حاليا ثم صاروخان بغرب الأناضول ثم مغنيسية أو مانيسا بغرب الأناضول أيضا ولفترة قصيرة تولي ولاية إدرنه وذلك خلال الفترة التي خرج فيها والده السلطان العثماني سليم الأول لكي يتم ضم بلاد الشام والديار المصرية إلي الأملاك العثمانية ما بين عام 1516م وعام 1517م وبعد هذه الفترة عاد مرة أخرى إلي ولاية مغنيسية وظل بها حتي وفاة والده السلطان سليم الأول في ليلة السبت 9 شوال عام 926 هجرية الموافق ليلة 22 سبتمبر عام 1520م حيث تم إستدعاؤه إلي العاصمة العثمانية إسطنبول لكي يتقلد منصب السلطنة فوصلها ودخلها في يوم 16 شوال عام 926 هجرية الموافق يوم 29 سبتمبر عام 1520م وبعد ظُهر ذلك اليوم وصل قادما من إدرنه الصدر الأعظم پيرى محمد باشا وأخبر عن وصول جثمان السلطان العثماني سليم الأول في اليوم التالي وعند ظهر يوم 17 شوال عام 926 هجرية الموافق يوم 30 سبتمبر عام 1520م وصل موكب جنازة السلطان العثماني سليم الأول فخرج سليمان لمقابلة الموكب عند أسوار المدينة وإكتنف تابوت أبيه حتى مسجد الفاتح حيث أقيمت صلاة الجنازة ثم خرج الجمع بالسلطان الراحل سليم الأول حتى ورى الثرى على أحد مرتفعات البلد وأمر السلطان الجديد سليمان ببناء جامعٍ شاهقٍ عرف بمسجد السليمية ومدرسة في المحل الذي دفن فيه والده ومن المعروف أن السلطان سليم الأول يرقد في قبره هذا وحيدا تماما كجده السلطان محمد الفاتح الذي لم يدفن معه أحد من بني عثمان ومن ثم تولى السلطان سليمان الحكم كعاشر السلاطين العثمانيين ويصف مبعوث جمهورية البندقية الإيطالية بارتلوميو كونتاريني بعد أسابيع من توليه الحكم فيقول إنه يبلغ من العمر الستة والعشرين عاما طويل القامة ونحيف وبشرته حساسة عنقه طويل قليلا وجهه رقيق ومعقوف الأنف شارباه متدليان ولحيته قصيرة ومع ذلك له طلعة لطيفة مع بشرة تميل إلى الشحوب ويقال إنه حكيم ومولع بالدراسة والتعلم وكل الرجال يأملون الخير من حكمه كما أن له عمامة كبيرة للغاية هذا ويعتقد بعض المؤرخين أن السلطان العثماني سليمان الشاب كان يكن الإجلال والتقدير للإسكندر الأكبر المقدوني حيث تأثر برؤية هذا الأخير لبناء إمبراطورية عالمية من شأنها أن تشمل الشرق والغرب وهذا خلق دافعا قويا لحملاته العسكرية اللاحقة في قارتي آسيا وأفريقيا وكذلك في قارة أوروبا وفضلا عن ذلك فقد كان عهد السلطان العثماني سليمان القانوني يعد قمة العهود العثمانية سواء في الحركة الجهادية أو في الناحية المعمارية والعلمية والأدبية والعسكرية وكان هذا السلطان العظيم يؤثر في السياسة الأوروبية تأثيرا عظيما وبمعنى أَوضح كان هو القوة العظمى الأولي دوليا في زمنه وحقا فقد نعمت الدولة الإسلامية العثمانية في عهده بالثراء والغني والرخاء والأمن والطمأنينة .

ولنبدأ مع السلطان العثماني العظيم سليمان القانوني فنجد أنه مع بداية حكمه إبتلي في السنوات الأولى من عهده بأربعة تمردات شغلته إلي حد كبير عن حركة الجهاد والفتوحات إذ أدى موت السلطان سليم الأول وكان رجلا صلبا وقويا ثم جلوس إبنه الشاب على العرش وهو صغير السن إلي إتاحة الفرصة لكي يظن الولاة الطموحون للإستقلال أنهم قادرون على ذلك فلما وصل خبر تولية السلطان سليمان القانوني العرش إلى بلاد الشام وكان جانبردي الغزالي واليا عليها من قبل الدولة العثمانية تمرد وأشهر العصيان والتمرد على الدولة العثمانية وهذا الوالي كان قائدا مملوكيا وكان قد تعاون مع السلطان سليم الأول في حربه ضد المماليك وكان أَميرا طموحا وأودى به طموحه إلى أن ينقلب على المماليك ويتعاون مع السلطان العثماني حتى أن بعض المؤرخين العثمانيين يرون أن معركة غزة التي قادها هذا الأمير ضد طلائع الجيش العثماني الزاحف على مصر إنما كان بالدرجة الأولى لعبة سياسية قصد منها إخفاء دوره في التعاون مع الجيش العثماني وقد بدأت حركة التمرد والعصيان التي قادها جانبردى الغزالي بجمع بعض المعارضين العثمانيين حوله وسك النقود بإسمه وأمر بإلقاء الخطبة علي منابر المساجد بإسمه في أنحاء الشام وأرسل خطاب إلى الشاه إسماعيل الأول حاكم الدولة الصفوية الشيعية وخاير بك والي مصر ليتحركوا سويا معه ولكنه لم يتلق ردا من الشاه أما خاير بك فقد أخبر السلطان سليمان القانوني بالموقف بواسطة السفن التي أرسلها إلى العاصمة العثمانية إسطنبول وأرسل أيضا بصحبتها الرسائل التي أرسلها إلى الغزالي ردا عليه وكان هدف جانبردى الغزالي إعادة تأسيس دولة المماليك وجمع حوله جيشا قوامه يتكون من قرابة خمسة عشر ألف جندي مشاة مابين عرب وشراكسة وأكراد وأتراك وستمائة وستة من صانعي الأسلحة وبعض المدافع الحربية وبدأ الغزالي بمساعدة هذه القوات في جمع الجزية من المدن المحيطة وتكوين مجموعة من المعارضين للدولة العثمانية في بلاد الشام كما بدأ في التصرف بالمخالفة لقوانين الدولة وبعد فترة قصيرة حاصر المتمردون مدينة حلب التي تقوم بحمايتها قوات عسكرية عثمانية بقيادة كاراجا أحمد باشا أمير أمراء حلب لكنهم واجهوا مقاومة صلبة في حلب وفي هذه الأثناء قدم خاير بك إقتراح إلى العاصمة العثمانية إسطنبول بالتدخل بقواته ضد حركة التمرد والعصيان وتلقى الرد بضرورة ذلك وأنه سيتم أيضا التدخل بالقوات التي ستأتي من الأناضول في هذه الأحداث وفي العاصمة إسطنبول عقد السلطان سليمان القانوني عدة مشاورات مع كافة رجال الدولة وتقرر تكليف الوزير الثالث فرهاد باشا بقمع التمرد وأن يرسل قوات عسكرية قوامها أربعة آلاف جندى من الإنكشارية التابعين للقصر والفرسان السباهية المتواجدين في الأناضول بإمارتي القرمان وسيواس وأن تتحرك القوات الموجودة في ولاية ذى القدرية أيضا إلى أن تصل هذه القوات إلى سوريا وأن ينسحب الجنود من حدود بلاد فارس والمجر وبينما كان يعمل فرهاد باشا على تجهيز ومراقبة القوات الإنكشارية أرسل السلطان العثماني سليمان القانوني أيضا فرمان إلى أمراء القرمان وسيواس كي يتحركوا وفقا لأوامر فرهاد باشا ويرسلوا قواتهم إلى سوريا أما علي بك شهسوفر أوغلو أمير إمارة ذى القدرية فقد صدر إليه أمر بمساعدة القوات الموجودة في الولاية للدفاع عن حلب إلى أن يتحرك الجنود الذين تحت قيادة فرهاد باشا إلى المنطقة وإزاء هذه التحركات تراجع جانبردى الغزالي الذى علم أثناء الإشتباكات الدائرة أن القوات الموجودة في إمارة ذى القدرية قد تحركت إلى بلاد الشام يوم 1 فبرابر عام 1521م هاربا من الحصار الذى يكاد أن يقع فيه وعقب رحيله عن مدينة حلب خرج الجنود العثمانيون الموجودون داخل قلعة حلب أيضا وتعقبوا الغزالي الهارب وقواته وتعقب هؤلاء الجنود الذين إتحدوا مع القوات التي يقودها علي بك شهسوار أوغلو عدوهم حتى مدينتي حماه وحمص وعندما توجه جانبردى الغزالي إلى داخل بلاد الشام كانت قد تجمعت كل الوحدات العسكرية العثمانية التي كلفت بمواجهة أمر التمرد والعصيان بما فيهم الجنود الذين في قيادة فرهاد باشا في مدينة حلب وهاجمت القوات العثمانية التي يقودها كل من القائد علي بك شهسوار أوغلو والقائد كاراجا أحمد باشا معا الغزالي الذي أعاد جمع قوات جديدة لكنه مني بالهزيمة بعد عدة معارك وقعت في منطقة تسمى مصطبة تقع ببلاد الشام وذلك في تاريخ 27 يناير عام 1521م وقتل الغزالي علي يد أحد رجال فرهاد باشا الذي عاد إلى العاصمة العثمانية إسطنبول عام 1522م حاملا رأس الغزالي معه وبذلك تم إنهاء حركة التمرد والعصيان التي قام بها جانبردى الغزالي .


وأما التمرد الثاني الذى حدث أيضا في بدايات حكم السلطان سليمان القانوني فقام به أحمد باشا الخائن في مصر وكان هذا عام 930 هجرية الموافق عام 1524م وكان هذا الباشا يطمح في أن يكون صدرا أعظما ولم يفلح في هذا لذلك طلب من السلطان العثماني سليمان القانوني أن يعينه واليا على مصر فوافق السلطان وبعد توليه ولاية مصر شرع في إلحاق الموظفين والقوات المملوكية الموالين له في وظائف الولاية لأمر دبر له وهو إعلان إستقلاله بحكم مصر والإنتقام لذاته من فشله في الحصول على منصب الصدارة العظمى لكنه كان من الرعونة بمكان حيث تعجل إعلان تمرده على السلطان العثماني سليمان القانوني قبل أن يكمل إستعداداته حيث كان يملأ قلبه الحقد والعداء للصدر الأعظم إبراهيم باشا الذى كان قد عينه السلطان العثماني في هذا المنصب بدلا منه فإنفجر في أعماقه الضغط النفسي الدفين وتذرع بذريعة واهية لإعلان تمرده لكسب الأنصار من حوله بإدعائه أن السلطان العثماني سليمان القانوني قد أرسل تعليمات لقائد الإنكشارية في القاهرة بإغتياله وقتل أمراء المماليك كما إدعي أنه ألقى القبض على حامل الكتاب الذي به تلك التعليمات ومن ثم أصبح ذا مزاجٍ حاد ومستبد وقام بمصادرة ثروات أعيان مصر وأمر بقتل كبار الضباط العسكريين وقد توفر لأحمد باشا في مصر العديد من عناصر الثورة والتمرد كان في مقدمتها بعد مصر الجغرافي عن مركز الدولة العثمانية ثم يلي ذلك ما تتمتع به مصر من كبر مساحتها وغناها ووجود الكثير من المماليك الناقمين فيها على الحكم العثماني والذين يجمع بينهم وبينه النسب الجركسي القوقازى متوهما أن تلك العناصر كفيلة بتحقيق نجاحٍ باهر في تهديد الوجود العثماني في مصر وكان من بين الذين إستهدفهم غضب أحمد باشا وأمر بالقبض عليهم وإيداعهم السجن الأمير جانم الحمزاوى ذو الأصل المملوكي ومحمود بك وكان من كبار الأمراء في مصر وعندما حاول قائد الإنكشارية العثمانيين التوسط لديه من أجل إطلاق سراح جانم الحمزاوي إعتقله بدوره ثم قتله وفي واقع الأمر لم يكن تخلص أحمد باشا من قائد الإنكشارية حادثا عرضيا بل كان ذلك متعمدا لسببين هما أولا إعتقاده بأن هذا القائد هو الذى رشحه السلطان سليمان القانوني لتولي ولاية مصر عوضا عنه بعد التخلص منه وثانيا أن فرق الإنكشارية كانت موالية للسلطان العثماني وكانت تتمتع بثقته بصورة مطلقة ويبدو أن أحمد باشا أراد تحطيم الروح المعنوية لتلك الفرق العسكرية عن طريق قتل قائدهم وقد أقنعت الإجراءات السالف ذكرها أحمد باشا أن علاقته بالسلطة المركزية العثمانية قد وصلت إلى نقطة لا يجوز له العودة عنها وأن المرحلة القادمة تقتضي منه الإندفاع قدما في مخططه إلى آخر الشوط مهما كلفه الأمر معتمدا على أعوانه الذين ربما منوا أنفسهم بإمكانية تحقيق الإنفصال عن الدولة العثمانية وأن يصبح لهم شأن في الدولة المنتظرة ومن ثم إنتقل أحمد باشا إلي مرحلة الثورة والمطالبة بحقه في سلطنة مصر وإصراره على إمتيازاته الملكية في ذكر إسمه في خطبة الجمعة وسك إسمه على العملة .


وفي هذه الفترة أسس أحمد باشا جيشا خاصا به كان أغلبه إلى حد بعيد من المماليك وطلب من الإنكشارية التي تحصنت في قلعة الجبل بالقاهرة الإنصياع له فلما رفضت فرض عليها الحصار وأمام قسوة الحصار إضطر هؤلاء من شق طريقهم عن طريق نفقٍ سرى تحت الأرض داخل الحصن وسقطت القلعة بيد أحمد باشا في يوم 7 فبراير عام 1524م ثم أعلن نفسه سلطانا علي مصر في الثاني عشر من الشهر نفسه وأكد علي ذكر إسمه في الخطبة وعلى العملة وبعدما تغلب أحمد باشا على مناوئيه الخطيرين حاول فعل أى شئ لإضفاء الشرعية على مركزه ومنصبه الجديد بأن طلب من فقهاء المذاهب الأربعة في مصر ومن سليل البيت العباسي إبن آخر خليفة عباسي شرفي حلف اليمين له هذا ولم تذكر المصادر التاريخية إطلاقا كم كان عدد المؤيدين لحركته والذين وثِقوا به لكن كان من الواضح أنه أكثر من مصادرة الأملاك وممارسة الإبتزاز ضد اليهود والمسيحيين من أهل مصر كما عمد لكسب حلفاء جدد له من خارج القاهرة بأن قام بمنح حق ضرائب الأراضي الزراعية لمنطقة الشرقية لشيخ العرب عبد الدايم بن بقر الذي كان قد ثار من قبل على حكومة الوالي السابق خاير بك من جانب العثمانيين وقد أدى هذا التحالف إلى تهديد الحدود المصرية الشامية وأمام تفاقم الأوضاع في مصر وتدهورها وخشية السلطة المركزية العثمانية من فقدان أهم ولاياتها في الشرق الإسلامي عمدت إلى إستخدام سلاح لا يقل خطورة عن السلاح الذي يستخدم في المعارك الحربية إن لم يضاهه أهميةً ويفوقه وهو سلاح الدعاية أو ما يطلق عليه في أيامنا إسم حرب الشائعات ويبدو أن العثمانيين نجحوا في إستخدامه إلى حد بعيد حيث أشاعوا في القاهرة أن أحمد باشا الذي تم تلقيبه بالخائن على علاقة وطيدة ووثيقة بالصفويين الشيعة الذين يحكمون بلاد فارس ويعتنقون المذهب الشيعي وأنه تحت تأثير رجل من كبار الشيعة يسمي ظهير الدين الأردبيلي قد تحول عن المذهب السني وأصبح من أتباع الشاه إسماعيل الصفوى وكان هذا الرجل قد إستقر في إحدى المقاطعات العثمانية وتظاهر بولائه للمذهب السني وأنه قد رأى أن الفرصة قد أصبحت سانحة وأنه من المناسب الكشف عن سره وماهيته وإظهار حقيقة أمره لكي يحول أحمد باشا إلى إعتناق المذهب الشيعي وليؤكد بأن أملاك السنة قد أصبحت غنائم شرعية للشيعة ويبدو أن العثمانيين قد إستخدموا تلك الوسيلة الدعائية بمهارة لتشويه سمعة أحمد باشا بين أتباعه من ناحية وأهل مصر من ناحية أخرى وذلك لخشيتهم من قيام تحالف فعلي بين والي مصر والشاه إسماعيل الصفوى ونجحت هذه الدعاية بالفعل نجاحا باهرا رغم إفتقارها إلى الدليل المادي في إثارة أهل مصر ضد أحمد باشا وأعلن قضاة المذاهب الأربعة كفره وأوصوا بالجهاد ضده وكان من النتائج التي ترتبت علي ذلك إنهيار قوة أحمد باشا بشكل فُجائي وعلى نحو دراماتيكي إذ حدث إنقلاب مضاد تم تخطيطه من جانب الأمير جانم الحمزاوي الذي نجح في الفرار من سجنه وقام هو وأحد المسئولين العثمانيين إضافةً لأحد الأعيان المماليك برفع راية سلطانية ونادوا بأن من أطاع الله ورسوله والسلطان فليقف تحت هذه الراية وتمكنوا من جمع الكثير من أهل مصر إلي جانبهم وفاجأوا أحمد باشا في يوم 23 فبراير عام 1524م وهو في الحمام بالهجوم علي منزله وبينما كانت قواتهم تشتبك مع أتباعه مؤيديه نجح في الفرار من خلال أسطح المنازل المتجاورة ولم يكن بعد قد أتم حلاقة رأسه وتمكن من الوصول إلى منطقة الشرقية ولجأ إلي الشيخ عبد الدايم بن بقر وتمكن مهاجموه من الإستيلاء علي كل ما كان ما يملكه من مال وعتاد وسلاح .


وقد تمكن أحمد باشا خلال وجوده في منطقة الشرقية من تأسيس قوة عسكرية كان أغلب قوامها من العربان والجراكسة وبعض العثمانيين الموالين له والمناوئين للسلطان العثماني سليمان القانوني وتعهد لهم بإسترداد القاهرة ونهبها كما تعهد للقبائل العربية بأن يمنحها إعفاء تام من الضرائب لمدة ثلاث سنوات وفي تلك الأثناء كان المجلس السياسي الموالي للعثمانيين في القاهرة قد تولى الإدارة وعين مجلس الأعيان العسكرى الأمير جانم الحمزاوي لقيادة الإنكشارية وزملاءه المماليك الموالين له لقيادة قوات الخيالة الجراكسة كما تم تعيين القائد العثماني كحاكم للقلعة وأُعلنت في القاهرة التعبئة العامة للجيش للمشاركة في التخلص من أحمد باشا الخائن الذي تم وصمه بالخيانة والكفر لموالاته الشاه إسماعيل الصفوى وتسارعت الأحداث فيما بعد بصورة حثيثة وأرسلت الحكومة الجديدة التي تم تعيينها في القاهرة حملة صغيرة لإلقاء القبض على أحمد باشا الخائن لكنها باءت بالفشل مما جعل الأمير جانم الحمزاوي يضطر لقيادة حملة عسكرية مؤلفة من ألف مقاتل مع تسعة مدافع لمواجهة المتمردين العصاة ويبدو أن تلك الحملة ساعدها الحظ في النجاح بسبب الإنشقاق الذي دب بين جماعات العربان المنشقة والتي كانت موالية لأحمد باشا الخائن والتي ترامى لمسامعها أن نحو ألف من الجند الإنكشارية العثمانيين قد نزلوا إلى ميناء الإسكندرية فحث كل من والد الشيخ عبد الدايم وأحد أبنائه الشيخ عبد الدايم عن التخلي عن أحمد باشا الخائن لكي يحفظوا أنفسهم من الدمار والقتل الذي سيلحقه بهم العثمانيون وأمام إلحاح أقاربه إضطر الشيخ عبد الدايم للإذعان فأخذت قوات أحمد باشا الخائن تنفض عنه تدريجيا مما أدى إلى إلقاء القبض عليه في أثناء القتال وقطع رأسه وكان ذلك في يوم 6 مارس عام 1524م وحملت رأسه إلى القاهرة وتم تعليقها على باب زويلة وبعد فترة تم إرسالها إلى العاصمة العثمانية إسطنبول لكي يتأكد السلطان العثماني سليمان القانوني من الإجهاز على هذا المتمرد وظل إسمه في كتب التاريخ مقرونا بإسم الخائن وقد شاء القدر أن يلقي أحمد باشا الخائن مصيره بالقتل بعد أسبوع واحد فقط من مقتل ظهير الدين الأردبيلي الذي كان قد قُتل في يوم 26 فبراير عام 1524م .


وكان التمرد الثالث ضد السلطان العثماني وخليفة المسلمين هو تمرد شيعـي قام به رجل يسمي بابا ذو النون عام 1526م في منطقة يوزغاد ببلاد فارس حيث جمع هذا الرجل ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر وفرض الخراج على المنطقة وقويت حركته حتى أنه إستطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا لقمع حركته والقضاء عليها لكن تمكن العثمانيون في النهاية من القضاء علي هذه الفتنة الشيعية وتمكنوا من هزيمة بابا ذو النون وأرسل رأسه إلى العاصمة العثمانية إسطنبول ومما يذكر أنه كانت قد قامت حركة شيعية قوية في بلاد فارس تزعمها الشاه إسماعيل الصفوى في عهد السلطان بايزيد الثاني وإكتسب الكثير من الأنصار وهدد إستقرار الدولة العثمانية في إقليم الأناضول حيث أقنع الكثير من القبائل التركمانية بإتباع مذهبه وتصدى السلطان بايزيد الثاني لهذه الحركة لكنه لم يقض عليها تماما ولذا فما لبث الشاه إسماعيل الصفوى أن أحيي حركته من جديد وواجهه أيضا السلطان سليم الأول وأوقع به ضربات موجعة لكن لم يتم القضاء علي هذه الحركة أيضا فكان يظهر كل فترة أحد الأشخاص الذى يحيي هذه الحركة من جديد ويروج للفكر الشيعي ومن يثير الفتنة في الإمارت العثمانية بالأناضول مما يهدد إستقرار الدولة العثمانية السنية وأخيرا كان التمرد الرابع ضد الدولة العثمانية في بدايات عهد السلطان سليمان القانوني فقد كان تمردا شيعيا أيضا وكان على رأسه رجل يسمي قلندر جلبي في منطقتي قونية ومرعش بوسط إقليم الأناضول وكان هذا الرجل منتميا إلي الطائفة العلوية الأناضولية وهي طائفة إسلامية محلية توفيقية ويتبع أتباعها التعاليم الصوفية الباطنية التي تخالف العديد من ثوابت الشريعة الإسلامية وكانت هذه الطائفة تتفق مع طائفة الشيعة الإثني عشرية من حيث التشيع لآل البيت وسبهم للخلفاء الراشدين الثلاثة الأول أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ولزوجة الرسول صلي الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وكان هذا الرجل رائدا في منطقة مرعش وكان يعد أيضا شيخا من شيوخ الطريقة البكتاشية حيث زعم أنه من نسل حاج بكتاش ولي مؤسس هذه الطريقة كما أنه حصل على دعم الصفويين الشيعة والقبائل التركمانية التي كانت قد تأثرت في السابق بالدعاية الصفوية الشيعية والذين كانوا غير راضين عن التدهور الاقتصادي والإصلاحات الجديدة التي دعمها قلندر جلبي وبذلك إستطاع أن يحصل علي تأييد ودعم العديد من القبائل المحلية ووصل عدد أتباعه ثلاثين الف شيعي والذين قاموا بقتل المسلمين السنيين في هاتين المنطقتين ويقول بعض المؤرخين إن قلندر جلبي جعل شعاره أن من يقتل مسلما سنيا ويعتدي على إمرأة سنية يكون بهذا قد حاز على أكبر ثواب وتوجه القائد العثماني بهرام باشا لقمع هذا التمرد والعصيان فقتله العصاة لكن نجحت الحيلة معهم إذ أنه بعد ذلك إستطاع الصدر الأعظم إبراهيم باشا أن يستميل بعض رجال قلندر جلبى فقلت قواته وهزم وقتل وبمقتله تفرق أتباعه وإنتهت فتنته وبعد حركات التمرد والعصيان الأربعة هذه هدأت الأحوال في ربوع الدولة العثمانية ومن ثم تفرغ السلطان العثماني سليمان القانوني للإستعداد والتخطيط لسياسة الجهاد والفتوحات في قارة أوروبا من جديد والتي كانت قد تضاءلت وتقلصت إلي حد كبير بعد وفاة السلطان العثماني السابع محمد الثاني فاتح القسطنطينية وذلك خلال عهد السلطانين العثمانيين الثامن والتاسع بايزيد الثاني وخليفته سليم الأول وإن كانت الدولة العثمانية كانت قد توسعت كثيرا في عهد السلطان العثماني التاسع سليم الأول الذى تمكن من ضم بلاد الشام والديار المصرية والمغرب الأوسط والحجاز واليمن إلي أملاك الدولة العثمانية .


وقبل أن نستعرض الفتوحات التي تمت في عهد السلطان سليمان القانوني نذكر أنه كان يقود الحملات الهامة بنفسه وإستطاع أن يتوغل في عمق قارة أوروبا حتى وصل إلى مدينة فيينا العاصمة النمساوية حاليا وقد قاد السلطان العثماني سليمان القانوني بنفسه عدد ثلاث عشرة حملة عسكرية كبرى وتحت قيادته تم فتح عدد 360 حصنا وقلعة وقد بلغ الجيش العثماني في عهده درجة عالية من القوة والحداثة بحيث كانت تخشاه جميع جيوش الدول الأخرى فقد حاولت أسبانيا إحتلال هولندا فطلب ملك هولندا وقتها المساعدة من السلطان العثماني سليمان القانوني فأرسل له عدد أربعين بدلة من لباس الجيش الإنكشاري والتي كانت كان لها شكل متميز ومعروف لدول أوروبا كي يرتديها الجنود الهولنديون في المعركة وعندما شاهدها الأسبان ظنوا أن العثمانيين يحاربون بجانب الهولنديين فتوقفت إعتداءاتهم لمدة ثلاثين عاما وفضلا عن ذلك لم تكن قوات المشاة العثمانية هي الأقوى عالميا فحسب بل كانت أيضا المدافع العثمانية في عهده متميزة ومتفوقة على جميع المدافع في العالم من حيث المدى والقدرة التدميرية وكانت قيادة السلطان العثماني سليمان القانوني للجيش العثماني قد أكسبته هيبة بين جيشه وشعبه وطاعتهم له كما ساعدت قيادته للجيش علي عدم حدوث أي حركات تمرد أو عصيان داخل صفوف الجيش العثماني أو الإنكشارية عليه وكان الجيش في غاية الإنضباط والتنظيم فلم يكن هناك فرق بين جندي وفارس وقائد إلا في حدود الرتبة والمكانة العسكرية ولم يكن هناك أيضا مجالا للتطاول والعدوان من جانب الجيوش العثمانية على أهل البلدان التي يمرون عليها أثناء تحركاتها وفتوحاتها فكان الجنود العثمانيون إذا إشتروا أي شئ من أهل بلدة لابد من دفع ثمنه وإذا قام أحد الأهالي بخدمة أو مهمة لها مهما كانت بسيطة لا بد من أن يتقاضي أجره وإذا تسبب الجيش أثناء مسيره في أي تلفيات أو أحدث أي خسائر أو أضرار لأحد فلا بد من تعويضه ولا بد من إصلاح تلك التلفيات والأضرار وعلاوة علي ذلك فقد كانت الجيوش العثمانية أثناء تنقلاتها وتحركاتها تقوم بإصلاح وترميم الطرق والجسور التي كانت في حاجة إلى إصلاح وترميم وفي نهاية عهد السلطان العثماني سليمان القانوني كان عدد الجنود السباهية وهم الفر سان ثقيلي التدريع في الجيش أكثر من أحد عشر ألف فارس وعدد الجنود من حملة الأعلام 620 جندي وعدد جنود فرقة المدفعية تجاوز 1200 جندي وسائقو عربات المدفعية تجاوز 670 شخص وقدر عدد الإنكشارية في عهده بإثني عشر ألف جندي وكان دائما ما يهتم بتطوير الجيش وأخيرا ففي عام 1557م أمر السلطان العثماني سليمان القانوني بإنشاء مصنع للقنابل النحاسية في مدينة القدس الشريف وقد تعددت ميادين القتال التي تحركت فيها الدولة العثمانية لبسط نفوذها في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني فشملت أجزاء كبيرة من قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا فإستولى على بلجراد عاصمة صربيا عام 927 هجرية الموافق عام 1521م وجزيرة رودس بالبحر الأبيض المتوسط عام 1522م كما ضم إلى دولته أجزاء من بلاد المجر بما فيها عاصمتها بودابست وجعلها ولاية عثمانية وحاصر العاصمة النمساوية مدينة فيينا كما ذكرنا في السطور السابقة عام 935 هجرية الموافق عام 1529م لكنه لم يفلح في فتحها وأعاد الكرة مرة أخرى في عام 1532م ولم يكن نصيب تلك المحاولة بأفضل من الأولى حيث كان يضطر لرفع الحصار عنها عندما يأتي فصل الشتاء وتسوء الأحوال الجوية وتنخفض درجات الحرارة إلي ما دون الصفر إلي جانب أن المسافة كانت بعيدة جدا بين العاصمة العثمانية إسطنبول وبين مواقع الحصار وبالتالي كانت تطول جدا خطوط مواصلاته وتموينه وفي قارة أفريقيا تم فتح أراضي ليبيا والقسم الأعظم من بلاد تونس وأريتريا وجيبوتي والصومال وأصبحت كل تلك البلاد ضمن نفوذ الدولة العثمانية والتي أضحت في ذلك الوقت إمبراطورية وقوة عظمي يعمل لها الكل ألف حساب .