بقلم المهندس/ طارق بدراوي
موسوعة" كنوز الدنيا"
شارع باتريس لومومبا هو أحد شوارع حي الأزاريطة بمحافظة الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر ويعد من أجمل شوارعها لما يتمتع به من مناطق خضراء والنخيل الملوكي المنتشر علي جانبيه والعديد من المباني والمنشآت العريقة وتطل بداية الشارع علي حدائق الشلالات الشهيرة ويمتد حتي يتقابل مع البوابة الرئيسية لإستاد الإسكندرية أقدم إستاد في مصر والقارة الأفريقية الذى بني في عام 1929م علي طراز أقواس النصر الرومانية وينسب هذا الشارع للمناضل الكونغولي باتريس إيمرى لومومبا والذى أصبح أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو ما بين آخر أيام الإحتلال البلجيكي لبلاده وأول أيام الإستقلال خلال الفترة من يوم 23 يونيو عام 1960م وحتي يوم 4 سبتمبر عام 1960م والذى ولد في يوم 2 يوليو عام 1925م بقرية كاتانا كوركومبي بإقليم كاساي بالكونغو وكان من أبناء النخبة الكونغولية التي حظيت بالتعليم في فترة الإستعمار البلجيكي لبلاده حيث تلقى التعليم الأولي بالمدارس التبشيرية ثم إلتحق بمدرسة لتدريب عمال البريد في ليوبولدفيل وبعد أن إنتهى من تعليمه عمل موظفا للبريد بمدينة ستانليفيل وهو في سن التاسعة عشرة من عمره وفي هذه الفترة عاش أقسى صور الفصل العنصري بين السكان الأوروبيين البيض وسكان البلاد الأصليين من الزنوج السود وبدأت مشاعر الوطنية تحركه وإستثمر حركته الطبيعية من عمله فعقد علاقات وثيقة مع القبائل الأفريقية المختلفة وعمل على ربط الخيوط بين القوى الوطنية وفي الوقت نفسه درس القانون والإقتصاد من خلال الممارسة وإستطاع إجتياز عدة دورات دراسية إلا أن القوى الإستعمارية رصدت هذا النجم الصاعد ومن ثم عملت على تدبير تهمة سرقة له وذلك بعد 11 عاما من تعيينه وبالفعل تم سجنه وفي السجن عانى أبشع أنواع الإضطهاد والتعذيب ضد المواطنين وبعد خروجه من السجن عمل في عدة أعمال لكي يستطيع الإنفاق علي أسرته .
في شهر أغسطس من عام 1958م تفرغ لومومبا للعمل السياسي وكان مؤتمر أكرا في شهر ديسمبر عام 1958م الممهد لقيام منظمة الوحدة الأفريقية بمثابة أول ظهور لشخصيته على الساحة الافريقية وبعده مباشرة أسس حزب الحركة الوطنية الكونغولية وذلك بعد سماح سلطات الاحتلال البلجيكي بالنشاط السياسي الوطني حيث كان الإستعمار البلجيكي يأمل أن يأتي من خلالها بأشخاص يحكمون البلاد من أبنائها ويكون ولائهم لبلجيكا إلا أن لومومبا حدد هدف حزبه في الإستقلال والوحدة الوطنية ورأس تحرير جريدة أطلق عليها إسم الإستقلال وقام بالإتصال بعدة أطراف إقليمية ودولية لتأييد حق بلاده في الإستقلال وكان يحث الجماهير بخطبه النارية وبمقالاته الحماسية في الصحف المحلية والخارجية يشرح فيها جرائم البلجيك ضد شعبه وبلده معتمدا على البراهين والأدلة المستقاة من ملاحظاته والتقارير والإحصاءات الصادرة من الأوساط البلجيكية حول الأموال الطائلة التي هربها المستعمر إلى بلجيكا ومن ثم حظي لومومبا بشعبية واسعة وقاد مظاهرات ومواجهات مع الإستعمار البلجيكي عام 1959م أدت إلى إعتقاله لمدة ستة أشهر ثم أفرج عنه لإنجاح مفاوضات مؤتمر المائدة المستديرة التي كانت تجري في العاصمة البلجيكية بروكسل لبحث مستقبل الكونغو ونقل من السجن إلى بروكسل بالطائرة وتم الإتفاق على إعلان إستقلال الكونغو وإنهاء ثمانين عاما من الإستعمار البلجيكي لها وإجراء أول إنتخابات ديموقراطية في البلاد والتي أجريت في شهر مايو عام 1960م وتنافس فيها أكثر من مائة حزب وحقق حزب الحركة الوطنية بقيادة لومومبا نجاحا ساحقا وحصل على حوالي نسبة 90% من الأصوات كما تم إنتخاب كازا فوبو رئيسا للجمهورية وحاولت بلجيكا التي كانت تدير البلاد إخفاء النتائج وإسناد الحكم إلى حليفها جوزيف إليو خاصة أن منصب رئيس الوزراء هو المتحكّم في شئون البلاد حيث يعتبر منصب الرئيس منصبا شرفيا وكان الرئيس آنذاك يحابي الإحتلال على حساب شعبه لكن بلجيكا إضطرت وأجبرت رغما عنها بناءا علي هذه النتيجة أمام الضغط الشعبي ومن أجل الحفاظ على ماء وجهها أمام المجتمع الدولي على تكليف باتريس لومومبا بتشكيل الحكومة وبالفعل شكل لومومبا أول حكومة كونغولية منتخبة في يوم 23 يونيو عام 1960م وحرص على أن تضم حكومته كل القوي الوطنية وذلك بهدف منع إستغلال الإستعمار لخيرات بلاده وحتى يمنع القوى الإستعمارية من إستغلال أية جبهة وطنية وأصدر لومومبا عدة قرارات عشية إعلان إستقلال البلاد لإبعاد البلجيكيين عن التدخل في إدارة شئون البلاد وكان ذلك سببا كافيا ليثير الزعيم الشاب إستياء الدول الغربية الذي رأى أن له ميول إشتراكية وأنه بذلك قد عقد الأوضاع خاصة بعد ان سعي لتلقي دعم من دولة الإتحاد السوفيتي .
وفي يوم الإستقلال 30 يونيو عام 1960م تم دعوة الملك بودوان ملك بلجيكا ورئيس وزرائه وكذلك بعض الرؤساء الأفارقة وبعض الشخصيات الأوروبية إلى الكونغو لحضور حفل إعلان الإستقلال وحدث أن تقدم رئيس وزراء بلجيكا لإلقاء كلمة أثناء الحفل فمنعه لومومبا بحجة أن إسمه غير وارد في قائمة المتكلمين فإمتعض رئيس الجمهورية كازا فوبو من هذا التصرف فقام ملك بلجيكا وألقى كلمة قال فيها إن بلجيكا ضحت بشبابها وأموالها الطائلة من أجل تعليم الشعب الكونغولي ورفع مستوى إقتصاده وحذر الوطنيين الكونغوليين من إتخاذ أى إجراءات متسرعة أو غير مدروسة قد تؤدي إلى تدمير المدنية التي خلفها البلجيكيون لهم مما أغضب الكونغوليين وإعتبروا حديثه مهينا ويفتقر إلى اللياقة فقام لومومبا وإتجه إلى المنصة وقاطع الملك البلجيكي بخطاب للشعب الكونغولي أطلق عليه خطاب الدموع والدم والنار قائلا أيها المناضلون من أجل الإستقلال وأنتم اليوم منتصرون أتذكرون السخرية والعبودية التي فرضها علينا المستعمر أتذكرون إهانتنا وصفعنا طويلا لمجرد أننا زنوج في نظره لقد إستغلوا أرضنا ونهبوا ثرواتنا وكان ذلك بحجج قانونية وضعها الرجل الأبيض منحازا إنحيازا كاملا ضد الرجل الأسود لقد تعرضنا للرصاص والسجون وذلك لمجرد أننا نسعى للحفاظ على كرامتنا كبشر وهنا ساد صمت مطبق ما عدا همس بين ملك البلجيك ورئيس وزرائه اللذين عزما على ضرورة التخلص من لومومبا بأى ثمن والذى أصبح أيقونة للأحرار في العالم ولمناضلي القارة الأفريقية الساعين للخلاص من المستعمرين بداية من خمسينيات القرن العشرين الماضي ومرورا بحقبة الستينيات وبفضل كاريزمته العالية تحول لومومبا إلى نبراس للمناضلين في العالم وكان لابد من إيقاف هذا الرجل والتخلص منه بأى وسيلة حيث أن القوى الرجعية والإنفصالية في الكونغو وأعوانهم من أذناب الإستعمار وعملائه لم يكونوا مستعدين للتسليم بهزيمتهم أمام إرادة الشعوب على يد لومومبا فكانت المؤامرة على حياته وحياة رفاق كفاحه الأحرار ومن ثم ظهر مويس تشومبي الذي تربى في أحضان الإستعمار وعلى فتات موائدهم وأعلن إستقلال أغنى إقليم في البلاد عن الحكومة المركزية وهو إقليم كاتانجا الغني بمناجم الماس والنحاس وفي شهر يوليو عام 1960م قام تشومبي بإعلان الحرب على حكومة لومومبا وقامت بلجيكا بتدعيمه بالمرتزقة من القارة الأوروبية .
وأمام هذا الوضع إستنجد لومومبا بالإتحاد السوفيتي لكن السوفييت رفضوا طلبه ثم طلب منهم فقط إعارته بضعة طائرات نقل جنود لنقل ما بقي من الجيش إلى كاتانجا لتحريرها لكن تم رفض هذا الطلب أيضا ومن ثم إضطر لومومبا إلى اللجوء إلى هيئة الأمم المتحدة لحماية إستقلال البلاد ووحدة أراضيها والتي إستجابت لطلبه ظاهريا وأرسلت 200 ألف جندي إلى الكونغو ولكنها تدخلت ضده وفي نفس الوقت إنفض عن لومومبا عدد من حلفائه الأساسيين وساءت علاقته مع رئيس الجمهورية كازا فوبو وبدأت الضغوط البلجيكية والأميريكية للحفاظ على مصالح الإستعمار في أفريقيا ولكنه لم يخضع لهم سواء بالترغيب أو الترهيب وعلى الرغم من أن منصب رئيس الجمهورية شرفي والسلطة الفعلية بيد رئيس الوزراء فإن الرئيس كازا فوبو بعد ثلاثة أسابيع فقط من بداية أزمة إقليم كاتانجا أصدر أمرا بعزل لومومبا وتجريده من كل صلاحياته وإقالة الحكومة رغم أن مجلس الشيوخ الكونغولي صوت بأغلبية كبيرة ضد القرار وتم تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة جوزيف إليو الذى كان تابعًا لبلجيكا وهنا أدرك لومومبا أن حياته قد أصبحت معرضة للخطر وأنه قد أصبح عرضة للإغتيال في أية لحظة فطلب الحماية والحراسة من قوات هيئة الأمم المتحدة التي كانت قد أرسلت إلي الكونغو كما ذكرنا في السطور السابقة ولكنها تجاهلت طلبه وبقي وحيدا في المعركة فإضطر إلى اللجوء إلى معقل أنصاره في شمال البلاد قرب الغابة الممطرة لكن العقيد موبوتو رئيس هيئة الأركان الذي كان حليفا للومومبا سابقا وتحت التأثير القوي لسفير بلجيكا في الكونغو آنذاك إنقلب ضده وإتهمه أمام كاميرات التليفزيون بأنه متعاطف بل مؤيد للشيوعية وكان موبوتو يريد بذلك التأييد والدعم من الولايات المتحدة فتم تحديد إقامته في منزله وفرض حصار مشدد عليه .
ومما يذكر أنه في ظل هذه الظروف الصعبة توافرت الحماية لعائلة لومومبا بواسطة الفوج المصري الذى كان تابعا لقوات الأمم المتحدة وكان تحت قيادة العقيد آنذاك سعد الدين الشاذلي والذي ساعدهم وهربهم بأوامر من الرئيس والزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وكان ذلك أثناء تحديد إقامة لومومبا في منزله وقبل إلقاء القبض عليه وكانت تعليمات الرئيس عبد الناصر أن يتم تهريب عائلة لومومبا خارج البلاد عن طريق المطار الذي كان خاضعا لسيطرة قوات الأمم المتحدة وقوات موبوتو مهما كان الأمر ومهما كان الثمن وتم الإستعانة بشخص مصري الجنسية كانت له بعض الأعمال في القارة الأفريقية يسمي عبد العزيز إسحاق وكان صديقا شخصيا للومومبا والذى توجه برفقة الشاذلي بسيارة جيب تابعة للأمم المتحدة وكانت الساعة حوالى السابعة مساءا إلي منزل لومومبا والذى كان محاصرا بواسطة قوات موبوتو وفي غفلة من هذه القوات تم تهريب أبناء لومومبا الثلاثة فرانسوا وباتريس وجوليانا في السيارة الجيب وبقيت الأم إلى جوار الوالد بالإضافة إلى إبن رابع هو رولا كان عمره عامين وتوجهت بهم السيارة أولا إلى أحد المباني التي كانت تابعة لمصر في الكونغو وقضوا الليلة هناك ولم تلتفت قوات موبوتو التي كانت تحاصر البيت لعدة أيام إلى أن أولاد لومومبا قد هربوا رغم أنهم لاحظوا أنهم لم يخرجوا إلى حديقة البيت كالعادة حيث ظن الجنود أن الأطفال يلتزمون البيت خوفا على حياتهم مطمئنين أنه طالما الأب موجود فالأولاد موجودون .
وكان مع عبد العزيز إسحاق جواز سفر مزور على أنه متزوج من سيدة أفريقية وكان مثبت في جواز السفر أن أبناء لومومبا الثلاثة هم أولاده وأنه قد أطلق عليهم أسماء عربية فكان إسم باتريس مثلا هو عمر كما أن صور أبناء لومومبا في الجواز كانت مهزوزة قليلا وكان ذلك مقصودا حتى لا تتضح معالم وجوههم بالضبط وأمر إسحق أبناء لومومبا أن يمثلوا بأنهم نائمون حتى وقت إقلاع الطائرة وتوجهت السيارة بهم إلى المطار وكان الشاذلي قد خصص فرقتين صاعقة ووضعهما في المطار بإعتبارهما من قوات الأمم المتحدة التي تشارك فيها مصر وأخذ أحد ضباط الجوازات في المطار يفحص ويدقق في جواز سفر عبد العزيز إسحاق وأبنائه فساوره الشك وصاح مستحيل أن يكون هؤلاء أولاد هذا الرجل وطلب رؤيتهم قبل صعودهم إلى الطائرة فرد عليه عبد العزيز إسحاق بأن الأولاد قد ناموا ولا يمكن أن يتم إيقاظهم وكان يتحدث بثقة كبيرة وكان حوله ضباط مصريون مما ساعد في إرباك الموظف وفي النهاية سمح لعبد العزيز إسحاق والأولاد بالسفر ومر الموقف علي خير ودخل الجميع الطائرة التي أقلعت ومع الإحساس بالأمان إستيقظ الأطفال من تمثيلية النوم وبذلك نجحت عملية تهريب أولاد لومومبا الثلاثة ووصلوا بسلامة الله إلي مطار القاهرة بعد عدة أيام حيث هبطت الطائرة بهم أولا في الجزائر ترانزيت ثم في برشلونة بأسبانيا ترانزيت أيضا ثم في سويسرا ومن سويسرا إلي مطار القاهرة وفور نزولهم إلى أرض المطار حضر مندوبون من رئاسة الجمهورية وصحفيون وتوجه عبد العزيز إسحق ومعه الأولاد إلي منزله حيث فضل الرئيس جمال عبد الناصر في البداية أن يبقي الأولاد في رعايته نظرا لكونه صديق والدهم وبعد مرور عام تقريبا جاءت الأم ومعها وإبنها الأصغر رولا إلى القاهرة بعد أن ذهبت إلى مدينة ستانليفيل وإستمرت فيها لفترة تدخل خلالها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من أجل أن تأتي إلى مصر ومعها رولا وزارها في منزلها ورحب بها في بلدها الثاني مصر وكان ذلك في يوم 7 أغسطس عام 1961م وبقيت بمصر مدة شهرين ثم عادت إلى ستانليفيل مرة أخرى ولم تكن قد وقعت تحت سيطرة موبوتو بعد ثم عادت مرة أخرى إلى مصر لتستقر فيها مع أولادها الأربعة نهائيا وفيما بعد إستأجر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فيلا مستقلة لهم وإنتقلت العائلة للعيش فيها.
وإستطاع لومومبا أن يخرج من منزله وعن طريق أنصاره إستطاع الخروج بسلام من العاصمة وإعتزم التوجه إلى بلدة ستانليفيل والتي كان له أتباع كثيرون فيها لكن الجماهير في البلاد التي كان يمر عليها في طريقه إلى ستانليفيل كانت تستوقفه فيخطب فيهم ويشعل حماسهم مما أدى إلى تعطيله وتأخيره عن الوصول بسرعة إلى هذه البلدة وقد أعطى ذلك الفرصة للتعرف علي تحركاته والإبلاغ عنها وفي ذلك الوقت لم تكن لدى موبوتو طائرات فأمده الأمريكان بطائرة هليوكوبتر وطائرات أخرى لنقل قواته ووضعوا خطة قامت على تحديد مكان علي أحد الأنهار سوف يعبر منه لومومبا بواسطة معدية إلى مكان مقابل وفي الناحيتين أوقف موبوتو قوات تابعة له بحيث أنه لو أفلت من ناحية سيجد قوات من الناحية الأخرى تعتقله على الفور وهذا ما حدث بالفعل حيث تم القبض عليه في هذا المكان وتم إقتياده إلى الطائرة المهداة من الأمريكان لموبوتو لتعود به إلى العاصمة وفي العاصمة حبسوه في معسكر جيش ورأى موبوتو أن إستمرار لومومبا في المعسكر خطر لأنه من الوارد أن يتحدث مع حراسه فيتحولوا إلى تأييده وبالتالي من الممكن أن يقوم الحراس بتهريبه وعلى هذا الأساس جاء التفكير بضرورة التخلص من لومومبا وقد حاول لومومبا الهرب من معتقله بالفعل لكن تم القبض عليه في الطريق مع إثنين من أهم رفاقه وأمر موبوتو بسجنهم ثم سلمهم إلى عدوه اللدود تشومبي والذى قام بدوره بتسليمهم إلى الجيش البلجيكي وتم سجنهم في معسكر تابع له وحاول أنصار لومومبا أن يستعيدوا زمام الأمور فقاموا بشن حرب ضد موبوتو وإندلعت حرب أهلية في البلاد وتمكن أنصار لومومبا من السيطرة علي ثلثي الكونغو لكن موبوتو هزمهم بفضل الدعم الغربي وفي النهاية تمكن من الإستيلاء علي السلطة عام 1965م في إنقلاب عسكري كان هو الأول من نوعه في قارة أفريقيا في ذلك الوقت ولما تم تسليم لومومبا إلي الجيش البلجيكي أدرك أن نهايته قد إقتربت حتى أنه نقل عنه قوله إذا مت غدا فسيكون السبب أن أبيض قد سلح أسود وأن لومومبا مات شابا في سبيل الدفاع عن أمة عصرية وبعد فترة قصيرة قضاها لومومبا سجينا في معسكر الجيش البلجيكي تم نقله إلى فيلا سكنية لكنه كان شبه ميت من شدة التعذيب وتقرر التخلص منه نهائيا حيث أدرك البلجيكيون أن إستمرار سجنه سيؤدي حتما إلى إحداث قلاقل في البلاد .
وفي يوم 17 يناير عام 1961م تم إعدام لومومبا هو ورفاقه رميا بالرصاص وبعد أربعة أيام تم التخلص من جثثهم بعد أن قطعت أجسادهم إلى قطع صغيرة واُذيبت في حمض الكبريتيك لتنتهي حياة لومومبا ورفاقه بهذا الشكل المأساوي وفي يوم 20 فبراير عام 1961م قامت مظاهرة ضخمة بالقاهرة للتنديد بما فعله الإستعمار البلجيكي بالكونغو وإغتيال الزعيم الكونغولي لومومبا ورفع المتظاهرون الذين مثلوا جامعات ونقابات وهيئات حكومية لافتات كتبوا عليها في ذمة الله يا لومومبا يسقط الإستعمار لا إستعمار بعد اليوم ولم يكتف المحتجون بذلك إذ قصدوا السفارة البلجيكية بالقاهرة وحاصروها وعلقوا على جدرانها من الخارج صور الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا محملين بلجيكا مسؤولية إغتياله قبل أن يقتحمها بعض المتظاهرين في رد فعل غاضب على ما حدث وقد كشفت الوثائق فيما بعد عن أن قتل لومومبا ورفاقه قد تم بناءا على خطة بلجيكية عرفت بإسم خطة باراكودا وبدعم من وكالة المخابرات المركزية الأميريكية التي كشفت وثائقها رسائل دالاس مديرها إلى مندوب وكالة المخابرات الأميريكية بالمنطقة بضرورة التخلص من لومومبا وأنه يأتي على قمة الأولويات القصوى في عملنا وفي عام 2018م أعرب ملك بلجيكا الحالي فيليب ألبرت عن أسفه الشديد عما وقع في الحقبة الإستعمارية للكونغو من إنتهاكات على يد أجداده وهى البلد التي كان جده ليوبولد يعتبرها مزرعته الخاصة كما إعترفت بلجيكا بعظمة لومومبا وشجاعته وروعة نضاله لتحرير مستعمرتها الإفريقية السابقة التي إرتبط إسمها بنهر الكونغو العظيم كذلك أطلقت الحكومة البلجيكية إسم باتريس لومومبا على أحد أهم ميادينها الكبرى في بروكسل العاصمة لكن أنصار لومومبا يقولون إن ذلك غير كاف بالنسبة لهم وتسعى منظمات مدنية كونغولية لدى السلطات البلجيكية لإستعادة أسنان لومومبا التي إنتزعها قتلته بعد إعدامه وهو السعى الذي تدعمه السلطات الكونغولية لرمزيته السياسية .
ومن أهم معالم شارع باتريس لومومبا مقام وضريح سيدى الزهرى الذي يتوسط الشارع تقريبا أمام إستاد الإسكندرية وهو مبنى صغير تعلوه قبة دائرية معرجة بالخطوط الطولية التي تحمل اللونين الأصفر والأخضر وتحمل جدرانه اللونين البني والأصفر وهو مصمم على الطراز الإسلامى القديم وله بوابة صغيرة تحمل اللون الأخضر يعلوها لافتة مضيئة زرقاء دون عليها جملة لا اله إلا الله محمد رسول الله وأسفلها لافتة أخري رخامية بيضاء اللون مدون عليها جملة هذا مقام سيدي محمد الزهري نسألك الفاتحة ويتكون هذا المبنى من الخارج من عدد 4 نوافذ حديدية تحمل اللون الأخضر تشبه المشربيات الإسلامية والضريح عبارة عن حجرة صغيرة لا تتعدى أبعادها 4 أمتار وجدرانها مدهونة باللون الأخضر وبمنتصفها مقبرة يعلوها مقدمة الرأس الخاصة بضريح سيدي محمد الزهري وملفوفة بالقماش الأخضر والبيارق البيضاء وموضوع عليه بعضا من المصاحف التي وهبها المريدون هدية على روح سيدي الزهري وأمام الضريح صندوق كبير للنذور وسيدى الزهرى هو الفقيه التابعي أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الأصغر بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهرى أحد الفقهاء والمحدثين والتابعين بالمدينة المنورة وقد رأى 10 من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم وروى عن جماعة من الأئمة منهم الإمام مالك بن أنس والإمام سفيان بن عيينة وسفيان الثوري بحسب الشيخ جابر قاسم وكيل المشيخة الصوفية بالإسكندرية وضواحيها وقد حفظ سيدي الزهرى علم الفقهاء السبعة وهم فقهاء المدينة المنورة المشهورين ومن ثم كتب الخليفة الأموى الثامن عمر بن عبد العزيز في أثناء خلافته العادلة في كتب إلى الآفاق والولايات الخاصة به قائلا عليكم بإبن شهاب الزهري فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه مؤكدا أن الزهرى أخذ العلم عن سيدي عبد الرحمن بن هرمز الأعرج التابعي الجليل وذلك بمسجده وضريحه الكائن بشارع رأس التين في غرب الإسكندرية وقد أخذ سيدى الزهرى أيضا العلم عن سيدنا زيد بن ثابت وعروة بن الزبير بن العوام مشيرا إلى أنه حفظ فقه علماء المدينة المنورة وحديثهم وكان من أسبق العلماء إلى تدوين العلم وإتصل بالعديد من خلفاء بني أمية الذين عاصرهم وكان موضع تقديرهم وإحترامهم وكان منهم عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وإستقضاه يزيد بن عبد الملك لكونه كثير العلم وفقيها جامعا ثم لازم هشام بن عبد الملك وحج معه ومن المرويات عن سيدى الزهري أنه حينما دخل مصر لزيارة آل البيت إستقر بمدينة الإسكندرية عند شيخه سيدي عبد الرحمن بن هرمز والذى كان يتعلم العلم والحديث وكان له زاوية داخل سور إستاد بلدية الإسكندرية القديم الذى أصبح إستاد الإسكندرية الآن وبعد وفاته بفترة طويلة جاء سيدي الزهري لوالي الإسكندرية آنذاك في المنام وطلب نقله من داخل السور إلى مكانه الحالي بشارع باتريس لومومبا أمام الإستاد موضحا أنه سوف يخرج إلى هذا المكان بنفسه وهو ما تحقق بالفعل وكانت وفاته في يوم 17 رمضان عام 124هجرية وهو إبن خمسة وسبعين عاما وتقام له إحتفالية بمولده كل عام من خلال مشيخة الطرق الصوفية .
ومن المعالم الشهيرة بالشارع أيضا عمارة سكنية مواجهة لحدائق الشلالات يزين مدخلها نحت حديث لغزالين وهى عمارة كوتاريللي صاحب أكبر وأشهر شركة للسجائر في العهد الملكي والتي إستضاف فيها ملك اليونان بول إبان الحرب العالمية الثانية ومما يضفى جمالا زائدا على العمارة قربها من مشتل نباتات تابع لمحافظة الإسكندرية ومن بين معالم الشارع أيضا مجموعة من المباني ذات الطراز الفريد ومنها قنصليات دول ليبيا والكويت وبلجيكا وعمارة إبراهيم عبد السيد باشا طبيب الملك فؤاد الأول ويوجد بها حاليا المركز الفرنسى لدراسات الإسكندرية وتحمل رقم 50 في ترقيم مبانى الشارع ومن معالم الشارع أيضا مبنى الإسعاف الكلاسيكى المبني علي الطراز الإيطالي والذى تم إفتتاحه عام 1927م وفضلا عن ذلك يعد شارع باتريس لومومبا أكثر شوارع مدينة الإسكندرية الذى مر منه ملوك ورؤساء لأنه المدخل للبوابة الرئيسية لإستاد الإسكندرية وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما يصطحب ضيوفه لزيارة الإستاد فكان يمر من هذا الشارع والذين كان منهم راؤول كاسترو شقيق الزعيم الكوبى الشهير فيدل كاسترو وجدير بالذكر أن شارع باتريس لومومبا كان إسمه الأصلى شارع بلجيكا إلا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرر تغييره ليصبح شارع باتريس لومومبا القائد الكونغولى المناضل والمكافح ضد الإستعمار البلجيكى في الكونغو والذي إغتالته بلجيكا بأسلوب بشع كما شرحنا في السطور السابقة بسبب دعواته التحررية وسعيه لتحقيق الإستقلال لبلاده وذلك في رسالة واضحة بدعم مصر للحركات التحررية في دول أفريقيا التي كانت ترزح تحت وطأة الدول الإستعمارية الكبرى في كفاحها ونضالها من أجل تحقيق الإستقلال ودحر الإستعمار الغاشم الذى جثم علي صدورها ونهب ثرواتها ومواردها وإستعبد شعوبها عشرات السنين وفي النهاية نختم مقالنا بما صرح به الدبلوماسي الكونغولي رولا الإبن الأصغر لباتريس لومومبا في حديث تليفزيوني عام 2019م إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يعامله هو وأخوته كأبنائه ويحرص على لقائهم والسؤال عنهم ووفر لهم السكن المناسب وأدخلهم مدارس مصرية ليتلقوا تعليمهم على أعلى مستوى .
|