بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
ميدان الإسعاف يعد من الناحية الجغرافية مركز وسط العاصمة القاهرة إذ أنه يقع وسط أشهر ثلاثة ميادين بالقاهرة وهي التحرير والعتبة ورمسيس ومن الناحية المعمارية يقع به ومن حوله أهم المباني ومنها نقابات الصحفيين والمحامين ونادي القضاة والمهندسين إضافة إلى دار القضاء العالي كما تقع به أكاديمية السادات للعلوم الإدارية وبالقرب منه تقع أشهر مقار الصحف الحكومية وهي الأهرام والأخبار والجمهورية وكذلك معهد الموسيقى العربية وعدد من البنوك وغيرها أما تاريخيا فحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادى كان الميدان يعد علي مشارف القاهرة لقربة من منطقة بولاق وقت ان كانت الزمالك مدينة العشش ومأوي للشاردين والخارجين عن القانون وفي العهد الملكي كان إسم شارع رمسيس يسمي شارع الملكة نازلي وكان يتقاطع معه شارع بولاق الذى أصبح فيما بعد شارع فؤاد ثم بعد قيام ثورة يوليو عام 1952م تغير إسمه إلي شارع 26 يوليو كما كان الميدان هو المدخل القريب إلى مدينة الفن التي كانت ممتدة من شارع عماد الدين حتى شارع محمد علي وفيما بعد وفي عهد الرئيس الراحل عبد الناصر فكان الطريق الرئيسي إلى حديقة الأزبكية والأوبرا وماكان يقام بهما من إحتفالات ومن أشهر معالم الميدان توجد صيدلية الإسعاف الشهيرة وبجوارها يوجد جراج الإسعاف كما توجد في الميدان مواقف ميكروباص لعشرات الإتجاهات مثل عرابي وبشتيل وبولاق والدائري وأكتوبر وزايد والكيت كات وإمبابة ولنا أن نتصور عدد الركاب الذين ينتظرونها لكي نتعرف على شكل الزحام في الميدان ويعتبر شارع رمسيس المار بالميدان من أطول شوارع القاهرة الحديثة بعد شارع كورنيش النيل وهو يبدأ من مبنى المتحف المصرى فى شمال ميدان التحرير ويمر بحى معروف وبولاق حتى يتقاطع مع شارع 26 يوليو عند دار القضاء العالى ومبنى جمعية الإسعاف ويواصل سيره مارا بمبنى سنترال رمسيس ونقابة المهندسين ومستشفى الهلال الأحمر وعمارة رمسيس ثم يصب فى ميدان رمسيس وبه محطة مصر ومحطة مترو الشهداء ويستأنف الشارع سيرة موازيا لخط السكة الحديد مصر الإسكندرية مارا بأحياء الفجالة وغمرة والسكاكينى حتى يتقاطع مع شارعى أحمد سعيد ومصر والسودان ومن ثم يتجه إلى العباسية مارا بكلية الطب بجامعة عين شمس .
ومن أهم معالم ميدان الإسعاف محطة جمال عبد الناصر وهي أحد محطات الخط الأول لمترو أنفاق القاهرة الكبرى والتي تعد أيضا محطة تبادلية مع الخط الثالث لمترو الأنفاق الممتد من منطقتي إمبابة والمهندسين وحتي مطار القاهرة ومن معالم ميدان الإسعاف أيضا مبني دار القضاء العالي والذى يعد صرح شامخ من صروح العدالة في مصر ومقر عدد من الهيئات القضائية منها مكتب النائب العام ومحكمتى الإستئناف والنقض ونقابة المحامين الفرعية بالإضافة إلي قاعات المحاكمات وأشهرها قاعة عبد العزيز فهمي وهو قاض ومحام وسياسي وشاعر مصري من أعلام الحركة الوطنية المصرية في الثلث الأول من القرن العشرين الماضي وهو يضرب بجذوره في عمق تاريخ القضاء المصري فمنذ إلغاء القضاء المختلط بعد توقيع حكومة الوفد لإتفاقية مونتيروه عام 1937م إنتهي هذا النوع من القضاء الذي كان صاحب فكرته نوبار باشا أول ناظر للنظار أى رئيس الوزراء في عصر الخديوى إسماعيل وأصبحت دار القضاء العالي منذ ذلك التاريخ رمزا للقضاء المصري بطراز مبناه الضخم الذي بني على الطراز الإيطالي بأعمدته وصالاته الواسعة وإرتفاع مبانيه ويلاصقه مبنى مصلحة الشهر العقاري الذي بني في الفترة ذاتها وتاريخيا كان الموقع الذى شيد به مبني دار القضاء العالي موقعا لقصر العتبة الخضراء الذى تم بناؤه في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني وقد سمي بهذا الإسم تبركا باللون الأخضر الذى كان يميز مدخله حيث أن الخديوي عباس حلمي الثاني كان محبا للون الأخضر ثم أصبح المكان بعد ذلك مقرا لنادي الزمالك وذلك في إطار الرغبة لتطوير وتوسيع النادى الذي بدأ يكتسب جماهيرية ووجود بين الشباب المصرى والأجنبي من أجل ممارسة الرياضة بداخله ولذلك فقد قرر جورج مرزباخ وهو محام بلجيكي كان رئيسا لإحدى المحاكم المختلطة بمصر وهو الذى أسس نادى الزمالك عام 1911م وكان إسمه حينذاك نادى قصر النيل وكان مكانه مكان كازينو النهر حاليا بالجزيرة نقل مقر النادى في عام 1913م إلي الموقع الذى يشغله دار القضاء العالي حاليا وتغير إسمه حينذاك وأصبح نادى المختلط ثم تم نقله بعد ذلك في الموقع الذى يشغله مسرح البالون حاليا ثم إنتقل مرة أخرى إلي مقره الحالي في شهر نوفمبر عام 1959م في حي ميت عقبة وقد قام المهندس محمد كمال إسماعيل بتصميم مبني دار القضاء العالي وإعداد الرسومات الهندسية له وكان قد سافر إلي فرنسا للحصول علي الدكتوراة التي حصل عليها للمرة الأولي في العمارة من مدرسة الفنون الجميلة الفرنسية عام 1933م ليكون بذلك أصغر من يحمل لقب دكتور في الهندسة ثم تلاها بعدها بسنوات قليلة بدرجة دكتوراة أخرى في الإنشاءات وليعود إلى مصر ويلتحق بالعمل في مصلحة المباني الأميرية التي شغل منصب مديرها وكانت المصلحة وقتها تشرف علي بناء وصيانة جميع المباني والمصالح الحكومية لتصمم يداه العديد من الهيئات ومنها دار القضاء العالي في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين الماضي تلاه مبني مصلحة التليفونات ومبني مجمع المصالح الحكومية الشهير بمجمع التحرير الذي أنشئ عام 1951م ومن أبرز البصمات التي تركها الدكتور مهندس محمد كمال إسماعيل دون أن يعلم الكثير أنه صاحبها كانت إشرافه علي أعمال توسعة الحرمين الشريفين المكي والنبوي خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي ومسجد صلاح الدين بالمنيل أمام كوبرى الجامعة خاصة وأنه كان شديد التأثر بفن العمارة الإسلامية ومحبا لها .
وتوجد بميدان الإسعاف أـمام مدخل محطة مترو جمال عبد الناصر كنيسة من الصعب جدا علي المترددين علي الميدان الذى يعد إحدى أكثر مناطق القاهرة إزدحاما على وجه الإطلاق ملاحظة وجودها حيث أنها تختفي خلف أسوار ضخمة ويزيد أيضا من إنعزالها مرور كوبري أكتوبر من فوقها وهي الكنيسة الإنجيلية أو كنيسة القديس يوسف والتي قام بتأسيسها مجموعة من الأجانب البروتستانت الذين كانوا يقيمون بالقاهرة والإسكندرية في أوائل القرن العشرين الماضي والذين كانوا يتحدثون اللغة الفرنسية وتم الإفتتاح في يوم 10 ديسمبر عام 1910م في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني وتعود خلفية تأسيس هذه الكنيسة إلي أنه كانت مصر في عصر محمد علي باشا قد صارت قبلة للكثير من الأجانب من بلدان وطوائف مختلفة ومنهم بالطبع أتباع الطائفة البروتستانتية ومنذ البداية كان هناك إرتباط وثيق بين الجالية البروتستانتية التي تتحدث اللغة الألمانية وتلك التي تتحدث الفرنسية وعندما زاد عدد أفراد الطائفتين تم تأسيس كنيسة في الإسكندرية بإسم الكنيسة الإنجيلية الألمانية الفرنسية والتي لا تزال موجودة في منطقة المنشية لكنها مختفية خلف المبنى الضخم لقصر القطن وواصلت الجاليتان أنشطتهما المشتركة لفترة من الوقت ثم بسبب مشكلة حاجز اللغة إنفصلت الكنيستان وفي يوم 5 ديسمبر عام 1909م صوتت الأقلية الناطقة بالفرنسية على الإنفصال وتأسيس كنيسة مستقلة ومن ثم ففي القاهرة أسست الجالية الألمانية الكنيسة الإنجيلية الألمانية في شارع الجلاء قرب مبني جريدة الأهرام حاليا بينما أسس الناطقون بالفرنسية كنيستهم بميدان الإسعاف وبعد قيام تورة يوليو عام 1952م رحل معظم الأجانب عن مصر خلال فترة الخمسينيات من القرن العشرين الماضي وواجهت هذه الكنيسة أوقاتا صعبة وفي عام 1986م تم التنازل عنها للأقباط الإنجيليين ومما يذكر عن هذه الكنيسة أنها لا تتبع نظام الكهنوت وقد تولى تدبير شؤونها منذ بنائها حتى الآن نحو عشرين قسيسا ورسامتهم تكون عن طريق مجمع القاهرة الإنجيلي بالأزبكية وليس لهم زي رسمي وتقام إجتماعات هذه الكنيسة في أيام الأحد والأربعاء والجمعة والسبت وهي عبارة عن إجتماعات روحية من خلال الصلوات والترانيم والمحاضرات ومما يذكر عن هذه الكنيسة أيضا أنها تفتح أبوابها للصلاة للاجئين الأفارقة كما أنها تقيم معرضا سنويا لبيع الكتب والملابس المستعملة بأسعار زهيدة ولا تتولى أي هيئة أجنبية الإنفاق على الكنيسة وإنما تأتيها التبرعات من روادها المصلين وعن وصف هذه الكنيسة فهي تعد من أفقر كنائس وسط البلد من حيث الشكل والطراز المعماري مقارنة بباقي الكنائس الأخرى حيث أن مبناها الملون بالأحمر والأصفر لا ينبئ بأنه كنيسة إلا من خلال الصليب الضخم الذى يعلو قبتها كما أنه لا توجد بها أية زخارف ولا نماذج للقديسين داخل أروقتها بينما توجد على الواجهة صليبا كبيرا معلقا على الحائط يعلوه ثلاثة شبابيك وتتدلى من السقف أمامها ثلاث نجفات كبيرة وفي باقى أرجاء مبناها توجد شبابيك خشبية ملونة باللون البني ويتم غسيل جسم الكنيسة كل بضعة أشهر نظرا لتراكم الأتربة والعوادم عليها لقربها من كوبرى أكتوبر وقد جرى تجديد هذه الكنيسة في بدايات القرن الحادى والعشرين الحالي وتم طلاء جدرانها من الداخل .
ومما يذكر أن مبني الإسعاف بالميدان المعروف بنفس الإسم كان يشمل مكتب لبنك القاهرة لكي يتمكن من تأدية وتنظيم الأعمال الخاصة بأعمال اليانصيب التي كانت تقوم بها الجمعيات الخيرية من أجل تمويل أعمالها بدلا من الثلاثة مكاتب الأهلية التي كانت قد أنشئت لمعاونة تلك الجمعيات وهي مكتب التضامن من اليانصيب ومكتب العروة الوثقي ومكتب الإتحاد المصري لليانصيب وكانت هذه المكاتب قد ظلت تمارس أعمالها حتى صدر القرار الوزاري رقم 125 لعام 1965م بإنهاء أعمالها وتم إسناد هذه المهمة بموجب هذا القرار لبنك القاهرة حيث أوكل إليه إصدار جميع أوراق اليانصيب لصالح الجمعيات الخيرية وكان لدور بنك القاهرة في هذا الأمر أثر كبير في زيادة حصيلة اليانصيب بما يتمتع به البنك من سمعة طيبة وبلغت مبيعات أوراق اليانصيب في ذلك الوقت أكثر من مائة ألف ورقة يانصيب يوميا وبعد القرار الوزارى رقم 125 لعام 1965م المشار إليه صدر قرار آخر برقم 47 لعام 1966م ثم تم تعديله بالقرار الوزاري رقم 86 لعام 1967م والذى تشكلت بناءا عليه لجنة دائمة لليانصيب يرأسها وكيل وزارة الشئون الإجتماعية للرعاية وعضوية ممثلين عن كل من الوزارة وبنك القاهرة والجمعيات الخيرية وذلك للعمل على النهوض باليانصيب وزيادة حصيلته والتخطيط العملي له كما قامت الوزارة بشهر رابطة لموزعي وباعة أوراق اليانصيب تحت رقم 31 لعام 1967م لرعاية طائفة باعة وموزعي اليانصيب إجتماعيا وثقافيا ومعاونة من الوزارة لهذه الرابطة خصصت لها نسبة 1% من القيمة الرسمية لأوراق اليانصيب المباعة كدخل لها وصدر بكيفية صرف هذه الحصيلة القرار الوزاري رقم 124 لعام 1968م المعدل بالقرار الوزاري رقم 41 لعام 1970م .
وكان أكبر تطوير لليانصيب بعد ذلك هو إصدار القانون رقم 93 لعام 1973م بنظام اليانصيب الذي يتمشى في أحكامه مع تطور البلاد من الناحية الإجتماعية والإقتصادية وكذلك القرار الوزاري المنفذ لهذا القانون برقم 139 لسنة 1975م والذى نظم قواعد إصدار اليانصيب الخيري والتجاري وقصر إصدار اليانصيب الخيري للهيئات الأهلية المشهرة والتى تصدر من صندوق إعانة الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية وليس لأى شخص خارج التضامن الإجتماعى وصندوق إعانة الجمعيات العمل به وقصر إصدار اليانصيب التجاري للبنوك والشركات والمحلات التجارية التي لها حق ممارسة الأعمال التجارية حيث كانت بعض الشركات تقوم بترويج منتجاتها وتوزيع عدد من الجوائز على المتسابقين أو العملاء لديها وأيضا كانت بعض البنوك تقوم بترويج نوع معين من أوراق الإستثمار الخاصة بها للعملاء ويأتى ذلك من خلال تقديم هذه الشركات والبنوك طلبا بإسم مدير عام الإدارة العامة للجمعيات موضحا به مدة المسابقة وطريقة الإشتراك بها وعدد الجوائز التى تطرحها الشركة أو البنك وموعد ومكان السحب ويتم تخصيص شيك بنسبة 15% من إجمالى الجوائز لصالح صندوق إعانة الجمعيات والمؤسسات الخيرية لدعم الصندوق طبقا للقانون وقد أعطى هذا القانون لوزارة الشئون الاجتماعية حق حضور جميع أنواع سحب اليانصيب التي تتولاها بعض الهيئات الإعتبارية كما نظم عملية بيع أوراق اليانصيب للجمهور حيث قصرها على الباعة الجائلين الأعضاء برابطة موزعي وباعة أوراق اليانصيب والذين كانت الوزارة تصدر لهم تراخيص لمزاولة هذه المهنة كما تم توحيد الجهة التي تتولى طبع وتوزيع أوراق اليانصيب في بنك القاهرة فرع الإسعاف بدلا من قيام كل جمعية بإصدار ما يخصها من أوراق اليانصيب مما أدى إلى خفض تكاليف الإصدار وهذا كان له أثره الإيجابي الفعال وتحقيق نتائج طيبة فقد أدى إلي بيع أكبر كمية ممكنة من الأوراق وزيادة الحصيلة سنة بعد أخرى .
وجدير بالذكر أن القرعة كانت تجرى في مقر بنك القاهرة بالفرع الكائن بمبني الإسعاف بالدور الأول في مكان مخصص لذلك وهذ المكان كان مقسم إلى غرفتين الأولي تصادفك عند دخولك هذا المكان وهي غرفة المسؤول المعني باليانصيب أما الغرفة الثانية وتوجد إلي جوار الغرفة الأولي كان بها إلى اليمين طاولة وضعت عليها آلة حديدية في شكل دائرتين إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة وهي تمثل آلة إجراء السحب لمعرفة أوراق اليانصيب الرابحة وكانت تسمى البلية وكان يقف خلفها رجلان هما المسئولان عن إجراء عملية السحب وكان يوجد داخل البلية الكبيرة مجموعة من البلي الصغير بعضها عليه رقمان وبعضها عليه ثلاثة أرقام وكانت كل ورقة يانصيب بها 5 أرقام وبعد أن يقوم الرجلان بلف الطاولة عدة مرات كان يخرج من هذه الآلة من خلال فتحة صغيرة مخصصة لذلك مجموعة من هذا البلي يتم تجميع الأرقم المدونة عليها ومعرفة رقم الورقة الرابحة وبما يمنع وجود أى تلاعب فى النتيجة وكانت توجد طاولة أخرى داخل الغرفة نفسها يجلس إليها مجموعة من الرجال كانت مهمتهم تدوين الأرقام الفائزة في دفتر كبير ثم يتم إدراج الأرقام الفائزة في أوراق ثم في كشوف لتوزع على الفائزين .
|